الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

دلالات إعلان غزة "كيانا معاديا"

 

في اليوم التالي لإعلان مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر اعتبار قطاع غزة المحتل "كيانا معاديا " أبدت وزيرة الخارجية الأمريكية تأييدها للقرار الصهيوني ، مستهدفة إكسابه الدعم الأمريكي ليكون وقعه أشد وافعل ، دون مبالاة بمخالفته اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وما ترتبه على إسرائيل كدولة احتلال من التزام بأمن وأمان مواطني القطاع وتوفير احتياجاتهم الإنسانية الأساسية. فضلا عن مجافاة القرار الصهيوني للقانون الدولي وما ينطوي عليه من تهديد خطير لحقوق الإنسان في القطاع المحتل . ولا أحسب القرار الصهيوني والتأييد الأمريكي له قد جاءا بجديد ، ذلك لأن العدوان على القطاع متواصل منذ إقامة إسرائيل ، وسجلات مجلس الأمن حافلة بالاستخدام الأمريكي لقرار النقض " الفيتو " ضد أي قرار بإدانة الاعتداءات الصهيونية.

 

وليس واقعيا  الظن بأن إعلان قطاع غزة " كيانا معاديا " قد جاء ردا على قصف معسكر "زيكيم" في الجنوب الفلسطيني المحتل سنة 1948 وما أوقعه بجنوده من إصابات وأحدثه لبقيتهم  من هلع ، دلل على مدى تآكل قوة الردع الصهيونية . فالصحافة الإسرائيلية خلال الشهور الأخيرة عكست جدلا محتدما في أوساط المؤسسة العسكرية حول اقتحام قطاع غزة والتحذير من عواقبه وفتح جبهة في الجنوب فيما الأنظار مشدودة نحو  الشمال تحسبا من استعــادة حزب الله جهوزيته بأكثر مما كانت عليه حاله في حرب صيف 2006 ، فجاء اعلان القطاع "كيانا معاديا" بديلا عن اقتحامه.

 

وقد صرحت الناطقة بلسان وزارة الخارجية الاسرئيلية بان حكومتها ترفض أي تهدئة مع أي طرف في قطاع غزة ، وتقول بأن "التهدئة في هذا الوقت لا تعطي إسرائيل أي شيء " . بينما ذكرت الإذاعة الإسرائيلية في الأسبوع الماضي أن شخصية مهمة من مكتب إسماعيل هنية عرضت عن طريق طرف ثالث ، على شخصية رفيعة إسرائيلية التوصل لاتفاق لوقف إطلاق الصواريخ . فيما أفادت مصادر السلطة في رام الله أن إسرائيل أبلغت حكومة سلام فياض رفضها القاطع لأي مبادرات للتهدئة تصدر عن غزة والحكومة القائمة فيها . ويتضح من ذلك كله أن صناع القرار الصهيوني لم يستهدفوا من إعلانهم قطاع غزة "كيانا معاديا" الضغط لتوفير متطلبات "الأمن" ، على أهميته في الاستراتيجية الصهيونية ، وإنما هنـــاك ما هو أهم منه واخطر في نظرهم ونظر رعاة مشروعهم في واشنطن.

 

ثم إن القادة الصهاينة لم يقفوا عند حدود رفض عرض حماس للتهدئة وإنما ردوا على العرض الحمساوي بإعلانهم القطاع " كيانا معاديا " ، في إنذار صريح لتصعيد كل أشكال قمع مواطنيه واستكمال تدمير بناه التحتية ، وهم لا يجهلون ان ذلك يستدعي تصعيدا مقابلا لكل أشكال المقاومة . وفي هذا دلالة قاطعة على زيف الادعاءات  الصهيونية المتوالية بأن دوافع وغايات الاعتداءات المتكررة على الأراضي العربية إنما هي توفير امن المستوطنين الصهاينة . كما أن في ذلك البرهان على انعدام مصداقية التبريرات الأمريكية للاعتداءات  الصهيونية بأنها "دفاع إسرائيل عن نفسها ".

 

وأن لا يكون توفير متطلبات "الأمن" الصهيوني هو المستهدف من إعلان القطاع " كيانا معاديا " ففي ذلك الدلالة على أن الإعلان المؤيد أمريكيا إنما يستهدف تحقيق ما عجز عن تحقيقه الحصار الإقليمي والدولي ، وإحداث ما فشلت  في إحداثه مخططات دايتون والمرتزقة المؤتمرين بأمره . وحين يؤخذ في الحسبان محدودية امكانيات وقدرات القطاع قياسا بما لدى القوى الإقليمية والدولية التي فرضت عليه الحصار وبرغم ذلك احتفظ بصموده وممانعته ، ما يدل بوضوح تام على امتلاك مواطنيه إرادة عصية على التطويع والاستلاب . كما أن استقرار الحال في القطاع ما يدل على انه برغم أخطاء جهاز حماس الإداري وما نسب إليه من تجاوزات واستهانة بحقوق الإنسان ، لما تزل الحركة تحتفظ برصيدها الشعبي وباعتبارها الفصيل الأجدر بالثقة . ويعلمنا التاريخ أن ما له اعتبار في تجارب حركات التحرر الوطني إنما هو تأييد شعبها ودعمه لها في مواجهة الضغوط والمؤامرات الخارجية . وأن يكون هذا هو الواقع في "قطاع غزة ففي إعلانه "كيانا معاديا " لإسرائيل ليس فقط الدليل على فشل كل محاولات تطويع إرادة مواطنيه وإنما أيضا الشهادة الحية  بان إرادة الشعوب المحتلة أراضيها وصمود قواها المقاومة انما هما المكافىء الفاعل لما يمتلكه المحتلون من تفوق استراتيجي في الامكانات والقدرات.

 

وحيث أوضحت الناطقة بلسان الخارجية الإسرائيلية ، في بيانها السابقة الإشارة إليه ، أن إسرائيل تعرف بان الفلسطينيين في قطاع غزة يمرون بمأزق كبير جراء إغلاق المعابر وفرض الحصار السياسي والاقتصادي ، فإنها بإيضاحها هذا ، من حيث لم تشأ ، أدانت إعلان القطاع "كيانا معاديا " وما قد يستتبع ذلك من إجراءات قمعية . ويذكر أن بعض الكتاب في الصحف الإسرائيلية دعوا في أعقاب إطلاق الصاروخ على معسكر زيكيم إلى تدمير محطات الكهرباء ومضخات المياه داخل القطاع واستكمال تدمير كافة بناه التحتية . وتحسبا مما هو آت توالت ادانات القرار الصهيوني ، والتي لم تقتصر على الأنظمة الرسمية وهيئات المجتمع المدني العربية وإنما شاركت بادانة القرار ورفضه العديد من الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

 

ومع تقدير ما تنطوي عليه بيانات الإدانة من مشاركة وجدانية مع مليون ونصف مليون مواطن فلسطيني تحت الحصار الجائر في القطاع  والمهدد بتصعيد إجراءات القمع  . ومع تثمين مواقف من صدرت عنهم إدانة قرار صهيوني مؤيد أمريكيا في الزمن العربي الصعب ، وما أفاضت به بيانات الإدانة من فضح لمخالفته لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والقانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان . إلا أن ذلك كله غير مجد ما لم يقترن بتحرك عملي لفك الحصار الذي ابقي على قطاع غزة بعد رفعه عن الضفة الغربية ، والدفع باتجاه تشكيل جبهة قومية عربية تتفاعل مع القوى الإنسانية على مدى العالم ، بهدف التصدي للاحتلال واجراءاته القمعية في عموم الأرض المحتلة . وأول الخطوات العربية على الدرب وقف كل لقاء مع الصهاينة أيا كان مستواه ، وتعليق العمل بجميع ما سبق توقيعه من اتفاقيات الصلح وما اتفق عليه من إجراءات التطبيع ، وفرض حصار عربي على الكيان الصهيوني حتى يلتزم بالقرارات الدولية وشرعة حقوق الإنسان ، ويقر بالحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة ، ودون ذلك حرث في البحر وبيانات إدانة طالما استهان بها الصهاينة ورعاتهم على جانبي الاطلسي.

 

عوني فرسخ

28 سبتمبر 2007