الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

حكومة فلسطينية بمواصفاتٍ أمريكية

 

ليس هناك أدنى شك لدى أي فلسطيني بأن حكومة السيد سلام فياض الجديدة هي حكومة انقسام وفرقة ، وهي حكومةٌ مكلفة بتكريس وتعميق الفرقة والخصومة والتباين بين أبناء الشعب الفلسطيني ، وهي أشبه بحكومة انتداب تعينها سلطات الاحتلال ، لتنوب عنها في تنفيذ المهام القذرة ضد أبناء شعبها ، ولست أدري إلى أين يمضي بنا السيد سلام فياض ، فهو يسلك طريقاً خطراً ووعراً ، ويقامر بمستقبله ومستقبل شعبه ، ويخاطر بحياته وسلامته ، ويقود سفينة الشعب الفلسطيني بأشرعةٍ أمريكية ، ومحركاتٍ إسرائيلية ، ويخوض بها غمار بحارٍ عميقة المياه ، متلاطمة الأمواج ، بخططٍ وخرائط إسرائيلية ، لا ترجو مصلحةً للشعب الفلسطيني ، ولا تتمنى خيراً لأهله ، فها هو السيد سلام فياض يستعدي حركة فتح ، ويكشف لها عن نواياه الخطرة ، فهو إن كان يخطط أو خطط لاستبعاد حركة حماس ، وشطبها من معترك الحياة السياسية ، فإنه اليوم يضع حركة فتح في ذات الكفة مع حركة حماس .

 

فلم تعد حركة حماس وحدها هي التي ترفض تسمية فياض رئيساً للحكومة الفلسطينية ، وتتهمه بأنه يحمل أجندة أمريكية – إسرائيلية ، وأنه قادم من خارج الحدود بعد سنوات خدمته الطويلة في الغرب ، لينفذ المخططات الأمريكية ضد شعبه الفلسطيني ، فها هي حركة فتح ترفضه وتتهمه ، وتدعو لنزع الثقة منه ، وحجب الثقة عنه ، وتدعو السيد محمود عباس الذي يرأس حركة فتح ، ويقود اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، إلى سحب التكليف منه ، وتستغرب حركة فتح تمسك عباس به ، وإصراره على أن يكون هو رئيس حكومته الجديدة ، وهو الذي استبعد كوادر حركة فتح ، وحاربها في ميزانيتها ، وفي مصادرها المالية ، ونافسها على النفوذ والسيطرة في الضفة الغربية ، وزاحمها في السيطرة على الأجهزة الأمنية الفلسطينية ، وحاول تهميش أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وضيق عليها في نفقاتها المالية ، وميزانياتها الفردية ، فإذا كانت حماس وفتح هما حناحا الشعب الفلسطيني ، فإنهما معاً يرفضان تسمية سلام فياض رئيساً للحكومة الفلسطينية الجديدة ، مع التأكيد على أن حركة حماس مازالت تعتقد أن حكومة السيد هنية هي الحكومة الشرعية الوحيدة التي نالت ثقة المجلس التشريعي الفلسطيني ، وأن أي حكومةٍ أخرى تعتبر غاصبةً للسلطة ما لم تنل ثقة المجلس التشريعي الفلسطيني .

 

وبالعودة إلى الوراء قليلاً ماذا حقق السيد سلام فياض في حكومته السابقة لأبناء شعبه ، وهو الذي جاء بدعمٍ أمريكي ، وموافقة إسرائيلية ، ومباركة عربية ، فهل تمكن من رفع الحصار المفروض على قطاع غزة ، أم تمكن من منع الجيش الإسرائيلي من اجتياح مدن وقرى الضفة الغربية ، أم أنه نجح في جلب الاستثمارات ورؤوس الأموال الدولية إلى الضفة الغربية مقر حكومته ، أم أنه أقنع الدول المانحة بتمويل حكومته ، وخلق مشاريع جديدة في الضفة الغربية للنهوض بأحوال الفلسطينيين المتردية اقتصادياً ، وهو الذي يعاني نهاية كل شهر من النقص الحاد في ميزانيته ، فلا يستطيع أن يوفر رواتب العاملين في حكومته سوى من أموالٍ مستدانة من بنوكٍ عربية وفلسطينية ، بينما تجمدت وعود الدول المانحة ، ومقررات باريس وشرم الشيخ ، ولم تلتزم الدول المشاركة بالوفاء بتعهداتها وهي التي اشترطت وجود فياض لتحول الأموال إلى الحكومة الفلسطينية ، وهل تمكن فياض من إقناع الحكومة الإسرائيلية وحليفته الإدارة الأمريكية السابقة برفع الحواجز المنصوبة في شوارع وطرقات الضفة الغربية ، وهل كافأه الإسرائيليون والأمريكيون بوقف حملات الاعتقال ، أو الإفراج عن بعض المعتقلين الفلسطينيين كبادرة حسن نية ، أم تمكن من وقف عمليات الاستيطان وقضم الأراضي الفلسطينية ، أم أنه منع الإسرائيليين من هدم البيوت المقدسية ، وطرد سكانها منها ، أم أنه نجح في وقف المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تهويد القدس ، وحفر المزيد من الأنفاق تحت مسجدها الأقصى ، ماذا أنجز فياض لشعبه حتى يجثم على صدره من جديد ؟ ...

 

لست أدري من أين يستمد السيد سلام فياض قوته وهيمنته ، وهو الرجل الحيي ذو الصوت الخفيض الذي لا يكاد يسمع ، وهو الغريب عن أهل بلده لطول غربته عنهم ، وهو يدرك أنه لم يعد مقبولاً من أبناء شعبه ، وأن معسكر المناوئين له ، والكارهين لدوره في تزايدٍ مستمر ، ولكنه ماضٍ ، بل سادرٌ في دوره بل في غيه ولا يبالي ، ولا يلتفت إلى أصوات المعارضين ، ولا إلى تهديدات الغاضبين ، ويمعن في تكريس الانقسام بين أبناء شعبه ، الذين كانوا يتطلعون إلى إقصاءه عن منصبه في رئاسة الحكومة السابقة ، لتكون خطوة في الاتجاه الصحيح نحو الوحدة الفلسطينية ، والاتفاق الوطني الفلسطيني ، ولكن الغريب أنه خرج من بابٍ ليدخل من الآخر ، والأكثر غرابةً أنه طلب شخصياً من السيد محمود عباس أنه يرغب في إجراء تغييرٍ وزاري في حكومته ، فقدم لذلك استقالته ، لا رغبةً من عباس ، بل رغبةً منه شخصياً ليجري التعديل الذي يريد ، ومخطئ من ظن أنه قدم استقالته ليسهل على المتحاورين في القاهرة أعمالهم ، وليذلل العقبات التي تعترضهم ، إنه يعقد الحوار ، ويصعب الاتفاق ، ويقود السفينة الفلسطينية بمحركاتٍ أمريكية ، بل إن قمرة قيادته أمريكية المحرك والبوصلة وربما القبطان والملاحين ، ولكنه نسي أن البحر فلسطيني ، وأن مياهه عميقة ، وأن دواماته خطره ، تغرق كل من حاول أن يعبث أو يتشاطر ، فليس كل من تعلم فن السباحة وأصول العوم وفق قواعد غريبة ، قادر على أن ينجح في العوم في بحر فلسطين ، التي ترفض شواطئها دوماً أن تقبل أو تستقبل ما يلفظه إليها البحر غريباً أو غريقاً أو مدسوساً بقصدٍ وإرادة ، ألا فلترحل بسلام يا سلام ، ولتدع أهلك وشعبك يقررون بأنفسهم ماذا يريدون ، ومن يريدون ، ولا تقبل أن تكون أداةً في يد خصوم شعبك ضد أهلك ، ولتكن في الوطنية نجيباً كما كنت في منصبك المالي نجيباً ، ولتبرأ إلى الله من كل شرٍ يريدون منك أن تقوم به ، ومن كل مخططٍ يريدون منك أن تنفذه .

 

د.مصطفى يوسف اللداوي

28 مايو 2009