الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

حرب 73 ... هل  تتكرر مرة اخرى؟

 

مرت ذكرى حرب عام 73، التي سميت باسماء متعددة، حسب البلدان التي ارادت ان تحييها، حرب اكتوبر، حرب تشرين، حرب رمضان، كما هي باقي المناسبات وكانها خارج السياق والتاريخ. وهي الحرب التي سجلت فيها القوات العربية انتصارا اعترف به قادة العدو ومؤرخوه، وللاسف تنكره اصوات تنطق باللغة العربية او تحسبه في غير موقعه. وهذا الامر يثير تساؤلات كثيرة، عنه كحدث تاريخي وكانتصار عسكري وسياسي تحقق للعرب وعبّر عن عزيمة وارادة عربية مشتركة، تجمعت فيه خيارات الشعب العربي وحكامه واستطاعت القوات العسكرية والشعبية انزال خسائر كبيرة في قوات وقدرات ومعنويات قوات الاحتلال الصهيوني. من بينها سؤال عن الدروس والعبر، وسؤال عن احياء الاحداث تاريخيا للاجيال الجديدة التي ولدت بعده بما يعرّفها به ويعيد لها صفحات مشرفة من تاريخ حركة التحرر الوطني العربية.

 

لكل ذلك اشتركت في ندوة في الملتقى الثقافي العربي في بريطانيا مع الاستاذ محمد عبد الحكم دياب ودار فيها نقاش مع شخصيات ثقافية عربية أضاء معرفة الحدث ومكانته. فبعد ان تطرقت الى الاهمية التاريخية للحرب وسياقاتها في صفحات التاريخ، وتركت الوصف العسكري لوقائعها للمختصين مركزا على ما يمكن الاستفادة من الحدث التاريخي اليوم، لاسيما مقدماته وما حققته من صور بطولية، وكيف نستفيد منها بما فيها تداعياتها التي ادت الى مقتل الرئيس المصري انور السادات الذي تزعم عسكريا سجلها. وكي تُفهم او تُوضح لابد من سرد ظروف الحرب الموضوعية والذاتية وصولا الى النتائج التي غيرت مجراها وسيرتها، والتاكيد على طبيعة الاطراف المشتركة فيها، وتطوراتها والعبرة من كل دروسها.

 

اذ لايمكن تناول الحرب دون الاشارة الى الاستعدادات التي هيأت لها بعد النكسة، من تجهيزات واستعدادات عسكرية وسياسية وغيرها، ومنها مقررات مؤتمر القمة في الخرطوم واللاءات المعروفة فيه، لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف، لا تفريط بالحقوق الفلسطينية، واعادة التخطيط العسكري والترتيبات المطلوبة في ظروف الحرب الباردة ومن ثم التغييرات السياسية في المنطقة، وصعود غضب شعبي عام ضد النكسة واسبابها ونتائجها. فكانت حرب الاستنزاف والتفاهمات العربية العربية والدعم السوفييتي عوامل مؤثرة في التحضير للحرب ونجاح خططها المرسومة لها بداية. ومن هنا فان الدروس الاساسية التي يمكننا الحديث عنها الان عديدة. ابرزها الحراك الشعبي والعمل على تعزيز الوحدة الوطنية داخل البلدان العربية، رغم ماشابها احيانا من توترات واختلافات بين قوى فاعلة على الساحات العربية، الا ان حركة الشارع العربي كانت فاعلة ومتفاعلة مع الاستعدادات العسكرية والتهيؤ لشن حرب ازالة اثار العدوان والنكسة وبناء مقومات الصمود والاستمرار بعدها، فالمشاركة الشعبية قدمت دعما معنويا عاليا واسهمت ايضا في المعارك التي دارت او التي تلتها ودافعت عن ارضها وكرامتها بتضحيات جسيمة دفعتها  الى اتخاذ قرارات الانتقام من القيادات التي احبطتتها، كما ان التحركات الجزائرية والليبية في شراء الاسلحة وتقديمها لمصر، وكذلك الدعم العسكري العراقي والخليجي والمغاربي، الذي عزز روح التضامن العربي الرسمي والشعبي كرس بتفاعلاته  نهجا عربيا مشتركا واصبح درسا ثانيا من دروس الحرب لعام 1973، وياتي عامل التحالفات الدولية لكسب الدعم الدولي درسا ثالثا ومهما، ثبتت مصداقيته في محنة الحرب ودماء ابنائه، واقصد هنا الاتحاد السوفييتي، بالرغم من سياسات السادات ضده، الا ان ما كشف من وجود شهداء سوفييت في ارض المعارك اعطى معنى ودورا للتحالفات الدولية عربيا، مقارنة أو مفارقة بما قدمت الولايات المتحدة الامريكية من دعم مفتوح للعدو الصهيوني لاستمرار الحرب وبعدها وما زالت طبعا، وتسليم السادات وغيره اوراقهم لها والمساهمة في الحرب الامريكية او الغربية على الاتحاد السوفييتي. وبلا شك لعب البترول العربي وسيلعب دائما دوره كورقة ضغط وقوة بيد العرب ومصالحهم وعلاقاتهم مع الغرب خصوصا.

 

هذه بعض الدروس من فترة الحرب والعبرة منها اليوم هي في اعادة استيعابها وتجديد صورها مع  الاعتبار للكثير من المتغيرات السياسية على جميع الاصعدة. الا ان الصفحات البطولية التي رسمتها القوات العربية المسلحة والشعبية في كسر حاجز الخوف واسطورة جيش العدو وخطوط دفاعاته، بارليف وآلون، واسر اعداد منه وتدمير الكثير من معداته والتقدم عليه مباغتة ولايام متتالية هو بحد ذاته درس معنوي وتاريخي كبير، يشرح ما ترتب من بعده من مناورات وخطط لافشاله ونسيانه من الذاكرة العربية والتاريخ ايضا. وهو يذكر هنا بانتصار المقاومة اللبنانية الاسلامية في حرب 2006.

 

ستستمر اسباب الحرب بوجود الكيان الاسرائيلي ومطامعه وخططه في هضم حقوق الشعب الفلسطيني، رغم كل المعاهدات والاجتماعات والاتفاقيات الخادعة. اذ ان حربه على غزة مؤخرا دليل على نهجه ودوره، وتظل حقوق الشعب الفلسطيني باعثا ومحركا لاستمرار الكفاح الوطني والقومي، لاسترداد هذه الحقوق والسلام والامن في هذه المنطقة المبتلية بسبب خيراتها وتاريخ شعوبها. كما بينت دورات الحروب وخطط العدوان من طرف القوى المعادية والطامعة.

 

من الجدير ذكره ان مؤرخا صهيونيا اسمه اوري ميلشتاين اعترف بانتصار العرب في حرب 73 بجدارة واستحقاق، حيث اعلن ان موشي ديان جمع الصحفيين في اليوم الثالث للحرب ليعترف بالهزيمة وبسقوط خط بارليف لكن غولدا مائير ورؤساء تحرير الصحف حجبوا ذلك عن الراي العام. وذكر ان الكيان رفض الاعتراف واصر على عدم الكشف عن جميع الوثائق المتعلقة بهذه الحرب. واذا كانت هذه شهادة واحدة من طرف العدو فان شهادات الذين اسهموا بجهودهم في الحرب من كل الاطراف الاخرى اكبر دليل ملموس على قدرة العرب على الانتصار، وحرب تموز في لبنان وبعدها في غزة اثبات اخر لها.

 

وبعد كل ما سبق اترك الاجابة لمن يقرأ اليوم على تساؤل اكاديمي ودبلوماسي عربي في نهاية الندوة: هل تتكرر مثل هذه الحرب؟.

 

كاظم الموسوي

27 أكتوبر 2009