الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

من وحي ذكرى الجمهورية العربية المتحدة

 

شهدت الاعوام الأخيرة تزايد عدد المؤمنين بالوحدة كخيار استراتيجي في المستقبل العربي،  وتظل وحدة مصر وسوريا المصدر الاول للدروس المستفادة من اي عملية وحدة أو اتحاد مستقبلية ، ومن هنا تتضح أهمية تناول الوقائع بموضوعية ، وإعادة النظر في الأحكام السطحية وغير المدققة التي شاعت عقب الانفصال . ومن بين الادعاءات المطلوب مراجعتها حتى يستقيم تقويم تجربة الوحدة الخمسة التالية .

 

الأول : القول بالتسرع باقامة الوحدة ، وهو قول يتجاهل كون الوحدة إنما جاءت تتويجا للتفاعلات المتوالية بين مصر وسوريا ، منذ التقاء صناع قرارهما على التصدي لحلف بغداد مطلع العام 1955 ، بحيث سبق إعلان الوحدة في شباط / فبراير 1958 عقد جملة اتفاقيات عسكرية واقتصادية وثقافية بين القطرين . وحول ذلك كتب الوزير السابق والمؤرخ السوري د. غسان حداد يقول : " يمكن الاستنتاج ان الوحدة لم تكن ارتجالية ، أو استجابة عفوية دون تخطيط وتمحيص ، أو انها ردة فعل لظرف طارىء ، وغيرها من التفسيرات التي ظهرت قبل الوحدة واثناءها وبعد الردة الانفصالية . وانما كانت هناك خطوات متسارعة ومتصاعدة باتجاه التقارب بين القيادتين والشعبين "  .

 

الثاني : القول بأن الوحدة لم تكن مدروسة ، ولم يراع فيها تمايز الظروف الموضوعية بين القطرين . واللافت ان كثيرين ممن ادعوا ذلك عقب الانفصال كانوا  ممن ساهموا  في مباحثات الوحدة ، ووقعوا بيان إعلانها ، وشاركوا في الحكم . فضلا عن انه خلال السنوات الثلاث السابقة للوحدة كان اتحاد سوريا ومصر موضوع الجدل الاوسع في المشرق العربي عامة ، وسوريا خاصة . ولم يصدر عن المعارضين ، وعلى الأخص قادة ومنظري الحزب الشيوعي السوري - اللبناني ، أي دراسة للبنى الاقتصادية والاجتماعية السورية أو المصرية ، أو أي بحث يستعرض التمايز المدعى به . ما يعني أن الادعاء بذلك لا يجاوز كونه دعاوى سياسية غير مسندة بدراسة علمية . فضلا عن أن سوريا ومصر كانت من اقطار العالم الثالث محدودة النمو ، متخلفة تقنيات وأساليب الانتاج ، والتمايزات بينهما بالتالي بالدرجة وليست بالنوع .

 

الثالث : القول بعدم حاجة سوريا للاصلاح الزراعي ، في تجاهل لواقع الملكية الزراعية السورية ، حيث كان كبار الملاك ، الذين يحوز الواحد منهم اكثر من مائة هكتار ، يتصرفون بما يزيد عن 49 % من الاراضي الصالحة للزراعة ، فيما 70 %  من سكان الريف لا يملكون أرضا . ولم تكن هناك تشريعات تنظم علاقة مالك الارض بمزارعها ، بل وكان من حق المالك ليس فقط طرد المزارع من الارض التي يزرعها ، وانما أيضا من بيت السكن المملوك لصاحب الارض . ولقد شهد المجلس النيابي السوري سنة 1950 جدلا صاخبا حول تضمين الدستور نصا بتحديد الملكية الزراعية . حيث ايد التحديد 43 نائبا مقابل 45 معارضا . وفي صيف 1951 وقعت عدة انتفاضات فلاحية سقط فيها قتلى وجرحى . وفي 16/9/1951 عقد في حلب مهرجان حضره آلاف الفلاحين نادى بأن تكون الارض لمن يزرعها . ولوضع حد لاحتمالات الصراع الطبقي في الريف السوري ، ولتمكين الفلاحين من ممارسة حقوقهم ، صدر في 4/9/1958 " قانون تنظيم علاقات العمل الزراعي " محددا حقوق والتزامات مالك الارض والمزارع . وفي 2/9/1958 صدر " قانون الاصلاح الزراعي " ، بتحديد الملكية ، وتوزيع الارض الزائدة على الفلاحين من أبناء الاقليم السوري . ولم يطل القانون سوى 3240 مالكا يحوزون 1,543 مليون هكتار ، ما يعادل 65.4 % من ملكيات كبار الملاك .

 

الرابع : القول بأن الوحدة أجهضت النظام الديمقراطي في سوريا ، وهو قول يتجاهل اسقاط حسني الزعيم للديمقراطية في ربيع 1949 ، وتواصل غيابها حتى سقوط الشيشكلي ربيع 1954 . وطوال سنوات 1954 - 1958 توفرت في سوريا مؤسسات النظام الليبرالي ، إلا أن الديمقراطية لم تكن قائمة . إذ تحكم بصناعة القرارات تحالف اليسار والوسط ، مع " المجلس العسكري " . فيما كانت جميع الاحزاب تفتقر للديمقراطية ، وتعاني من قصور بناها التنظيمية ، وتشهد نزاعات متفاقمة بين قياداتها التاريخية المحاطة بهالات قدسية وبين كوادرها الشابة . وفي مباحثات الوحدة أقر قادة أحزاب " التجمع الوطني " الحاكم اقامة نظام رئاسي لا حزبي ، بل وتباروا في إدانة النظام الحزبي ، كما يذكر خالد العظم في مذكراته . أما الصحافة فهو يقول بانها " كانت في أسوأ فترة من تاريخها " . وبالتالي فالنظام الذي اعتمد للوحدة ، وإن تجاوز الليبرالية شكلا لم يجهضها مضمونا ، لان ما كان قائما شكل ليبرالي بلا مضمون .

 

الخامس : القول بالتسلط المصري : وهو قول يتناقض مع كون الوحدة قد انهت دستوريا الهوية المصرية والسورية ، ثم إنه قول غير تاريخي لأن  جميع من تولوا المسؤولية القيادية في الاقليم السوري كانوا من ابنائه ، بدءا من تولي اكرم الحوراني الاشراف علي " المجلس التنفيذي " خلال السنة الاولى . وحين تعرض البعثيون للاتهام باستغلال النفوذ جرى احلال المهندس نور الدين كحالة محلة ، ثم عبد الحميد السراج . وحتى عندما اسندت لعبد الحكيم عامر شؤون الاقليم كان السراج الحاكم الفعلي الذي نازعه سلطاته . فضلا عن أن الذين انتدبوا للعمل في الاقليم السوري من الضباط والمدرسين وغيرهم إنما كان للحاجة إليهم ،  ولقد غالى كثيرون في الحديث عن تسلطهم ، كما استغلت اخطاؤهم . وليس ينكر ان منهم ، وبخاصة ضباط مكتب عبدالحكيم عامر ، اساءوا لمشاعر زملائهم ومراجعيهم ولم يراعوا حساسية السوريين تجاه ما يرونه ماسا بكرامتهم . إلا أن غالبيتهم كانوا يؤدون مهام مطلوبة ، بدليل ان حكومة الانفصال طلبت الابقاء على المدرسين المصريين . كما برهنت واقعة الانفصال على أن جميع قادة القطاعات العسكرية في الجيش الاول " السوري " وغالبية ضباطه وجميع ضباط الصف ، أصحاب السلطة الفعلية في الجيش ، كانوا من أبناء الاقليم السوري . ولقد اثرت سلبيا في أداء الضباط والاداريين والمعلمين  المصريين وعلاقاتهم بزملائهم ومراجعيهم مسألتان : تباين أهمية المنصب والاجراءات الروتينية في مصر عنها في سوريا . والاساليب الوصولية التي لجأ اليها غير يسير من زملائهم ومراجعيهم لتحقيق اغراضهم .
 

عـوني فرسـخ

27 فبراير 2010