الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

بعد مرور خمسين عاما على الوحدة

بين مصر وسوريا

( قراءة جديدة )

 

كان الإعلان عن تأسيس دولة الوحدة بين مصر وسوريا، وقيام الجمهورية العربية المتحدة حدثا هاما ومفصليا في التاريخ العربي الحديث. فقد نقلت الوحدة الإندماجية بين القطرين فكرة الوحدة العربية، من مشروع طوباوي وحلم رومانسي إلى أمر واقع، ومعاش على الأرض. وكانت الإستجابة الجماهيرية لهذا الحدث، والتي عبرت عنها الحشود الضخمة التي عبرت الحدود إلى القطر السوري من الأقطار المجاورة: من لبنان والعراق والأردن احتفاء بزيارة الزعيم والقائد، للقطر الشمالي قد جسدت حماسا شعبيا قل وجود نظير له في التاريخ العربي المعاصر.

 

كان قدر هذه التجربة، أن تكون فريدة، من حيث قدرتها على أن تنفخ روح التمرد والوثبة، وأن تدفع بالشعب العربي إلى معمعان الكفاح من أجل وحدة الأمة، ووحيدة كونها هي أول وآخر تجربة، بأفق قومي وحدوي تحققت على الأرض وجاءت تلبية لنداء ضمير وأمل انتظرته الأمة قرونا طويلة.

 

وكانت الفاجعة، أن موسم الحصاد والفرح لم يستمر طويلا. فقد كانت التحديات والمصاعب التي واجهتها هذه التجربة أقوى بكثير من طراوة عودها. لقد انتكست هذه الوحدة بعد أقل من أربع سنوات على قيامها. وهي فترة شهدت غليانا وصخبا، واندفاعا، وبقيت روحها حية وملهمة حتى هذه اللحظة. وكانت الفترة من 28 شباط/ فبراير عام 1958م، إلى 28 أيلول/ سبتمبر عام 1961 هي كل عمر تلك التجربة.

 

بالتأكيد كانت هناك مؤامرات ودسائس وهجوم محموم على تلك التجربة، وقد تم الإفصاح عن كثير منها، من قبل الدوائر التي شاركت في الإنقضاض على تجربة الوحدة، في صيغة وثائق ومذكرات. لكن المؤكد أيضا أن منطق الأشياء يقتضي أن لا نحمل الخصم مسؤولية انتكاساتنا وهزائمنا، ذلك أن من غير البديهي أن نتصور إمكانية تعامل الأعداء والخصوم مع تجربة واعدة بهذا الحجم... تجربة تنشأ فوق ضفاف المتوسط، وتتطلع بعيدا إلى مسافة بعمق الأمة، تمتد من الخليج إلى المحيط، دون التعرض لها في أهم مفاصلها من قبل القوى التي تهددت مراكزها ومصالحها بفعل قيام دولة الوحدة.

 

إن قراءة هذه التجربة بعد خمسين عاما، لا يمكن أن تكون ارتجاعية، لأن ذلك يحمل من جهة، ادعاء الحكمة بأثر رجعي، ويغيب من جهة أخرى، أننا نفكر الآن وفي هذا الزمن بالذات، بعد تكشف كثير من الحقائق، بعيدا عن الوقوع في أسر وتجاذبات اللحظة العاطفية بشحناتها الغليظة والماكرة،. هذه التجربة إذن تقرأ الآن بعقل بارد، مهما كان التحامه بهذه القضية، فإن الزمن يتكفل بالإسهام في تشذيب وصقل النتوءات التي علقت به، بسبب عمق ارتباطه بالفاجعة، والتعرجات التي نتجت عنها. ومهمة القراءة، هذه صعبة للغاية، حين تنتمي إلى "واقعية جديدة" من حيث التزامها بقضايا الأمة والتحريض على الفعل وفتح بوابات التفاؤل والأمل بتجارب وحدوية أخرى قادرة على الصمود ومواجهة الرياح والأعاصير.

فالدعوة إلى الوحدة العربية الآن ليست كسابقاتها، قبل تجربة وحدة مصر وسوريا عام 1958م، فقد كان حلم الوحدة آنذاك مفتوحا على مصراعيه. تدعمه انتصارات السويس وكسر احتكار السلاح، ومواجهة للعدوان الثلاثي الغاشم، وبناء السد العالي، وخطط تنموية طموحة وحقبة ميزت العالم بأسره، في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، هي حقبة نهوض الحركات الوطنية للتحرر من الظلم والإحتلال الذي لحق بشعوبها، فكانت تجربة الوحدة هي إحدى الحلقات البارزة في تلك السلسلة.

 

وقد تكفلت لحظة النهوض بإفشال كل المحاولات لفرض هويات أخرى، على الأمة غير هويتها العربية التي مثلت هذه التجربة نبضها الحي... وتحت سبائك خيولها تداعت أحلاف ومشاريع ومحاولات مستعرة لفرض هويات على أسس إقليمية ومناطقية ودينية وطائفية... وتحول الصراع في المنطقة إلى مواجهة حضارية بأبعاد إجتماعية متقدمة.. أصبح الصراع بين قوى التخلف وبين مشروع النهضة، بين قوى التجزئة وبين دعاة الوحدة، بين التسليم بالمشروع الصهيوني وبين التصدي له... وكان اتجاه التيار يصب في مصلحة الحلم.

 

الآن تباعدت المسافات، وأصبح مشروع الوحدة في نظر الكثيرين من المثقفين إبحارا دون شراع إلى تاريخ غابر، وتعبيرا عن ماضوية وسلفية، لا تستقيم مع أوضاع العصر وتجلياته وإبداعاته، وأيضا إعلاناته المدفوعة الثمن، باتجاه معاكس دما وقهرا، وغربة ونفيا وانتهاكا للأعراض في سجون الإحتلال في عدد من البلدان العربية، ترفع فوق الساريات الضخمة، وعبر القنوات الفضائية، التي تنافس الأرانب في سرعة توالدها. أصبح من المتعذر على دعاة الوحدة والنهضة أن يجدوا مكانا مناسبا لمقولاتهم في عصر العولمة وحقوق الإنسان، والشرق الأوسط الكبير أو الجديد. وإشاعة نمط غير مسبوق من الإستهلاك البذيء لكل شيء..

 

هكذا إذن تصبح القراءة عدمية هي الأخرى، كما هو الفكر عدمي، إن لم تتوجه إلى المستقبل، من أجل الزج بالقوى الحية في الأمة، من أجل استعادة الحلم.. وهذا ما يجعل المهمة أصعب بكثير، ذلك لأن الحلم قبل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا، كان أهم عوامل التحريض على قيام تلك الوحدة.. أما الآن فأمام التيار العروبي، مهمتين شاقتين، الأولى هي استعادة الحلم، وهي مشروطة باستعادة الوعى، ووجود الإستراتيجية الصائبة، للإنتقال من الحلم إلى الواقع، بتجسيد تجارب جديدة لا تستمد قوتها فقط من القدرة على قراءة الواقع وتهجي مفرداته، والإنطلاق إلى تجارب حية جديدة، بل أيضا من قراءة تجربة الماضي، في عناوينه واتجاهاته وممارساته، وسبر أغواره، وكشف طلاسمه، ذلك أن "كسر الجوزة هو الطريق الوحيد لمعرفة ما بداخلها".

 

ذلك وحده هو الذي يجعل بنقل الإيمان بقضية الوحدة من طابعها الرومانسي، إلى حالة الضرورة الحضارية. فهذه الوحدة، وليس مشروع الشرق الأوسط بشقيه الكبير والجديد، هي التي تنسجم مع عصرنا، والتي تشكل بروز الكتل الإقتصادية والوحدوية، والتحالفات العسكرية الكبرى أهم سماته. وهي التي تعالج الإختلالات السكانية الرئيسية بالوطن العربي، وتسهم في إعادة تشكيل خارطته السياسية والإقتصادية والسكانية.

والوحدة هي سبيلنا لفك الإرتباط عن النظام الإقتصادي العالمي، وخلق التنمية المستقلة. وهي التي تحول رفضنا للإحتلال، وللعدوان الصهيوني على فلسطين والأمة العربية من رفض سلبي منفعل وعاجز، إلى عمل إيجابي، يكون له أدواته ومقوماته المادية والموضوعية المتمثلة في عمق الأمة، ووضع ثرواتها وإمكاناتها ومواردها مجتمعة في خدمة هذا الرفض، بما يضمن تحقيق التقدم والتطور لشعوبها.

 

إن ذلك هو ما يعطي الحديث عن التحرر والحرية مضمونهما الواقعي. فقد رأينا أن الحرية التي يسعى إلى تحقيقها كل قطر عربي على حدة، في ظل واقع التجزئة، قد اصطدمت ولا تزال بمعوقات ومآزق جعلت الحديث عنها مجرد طنين لا تربطه بالواقع صلة، وغيبت التلاحم الجدلي بين حرية الوطن وحرية المواطن. إن الحرية بالمعنى العميق والشامل هي التي تبلغها الأمة من خلال هيمنتها على مقدراتها، ومن خلال بنائها لقدراتها الذاتية، ولن يكون بالمقدور تحقيق الهيمنة على المقدرات وبناء القدرة الذاتية في ظل أوضاع التجزئة.

 

والوحدة على هذا الأساس، ليست تعارضا أو تضادا مع الولاء والإخلاص للتراب والإنتماء الوطني، بل إنقاذا وترسيخا لهما، حيث تضع الجزء في مكانه الصحيح من الكل، بحيث يكون فاعلا ومؤثرا، ضمن أقطار أخرى فاعلة ومؤثرة، تستطيع الخروج من حالة التخلف الراهنة.

 

من هذه المسلمات سوف نحاول قراءة تجربة الوحدة بين مصر وسوريا في الحديث القادم، الذي يوافق الذكرى الخمسين لقيام تلك التجربة، أملا في أن تلامس مع غيرها من القراءات الأخرى الملتزمة العقل والروح، وتسهم في صناعة الغد الأفضل.   

 

د. يوسف مكي

27 فبراير 2008

makki@alwatan.com.sa