الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

العمل العربي والواقعية السياسية

 

تكشف مؤتمرات وبيانات العمل العربي المشترك، سواء على الصعد الرسمي أو الشعبي عن أمور كثيرة، تكرس ما عليها من صور لا تخدم تطورها ولا تفيد في تغييرها نحو أساليب متقدمة تبني حاضرا أفضل ومستقبلا مؤملا. وقد يكون القول عنها بأنها تدور في أفلاك غيرها وأنها تكرر نفسها دون ان تضع لنفسها ما يخدمها كمؤتمرات إقليمية أو إطارات جامعة قادرة على إصدار بيانات معبرة عن مصالح وطموحات عامة لها. وأية قضية منها تخبر عن هذا الحال العربي المؤسف، رغم كل الطاقات والجهود والقدرات العربية. كما ان معالجاتها لأهم قضاياها ما تزل في تراجع متواصل عن بداياتها أو أرضيتها الأساسية، من جهة، وفي تدهور مستمر لطبيعتها المتعارف عليها، من جهة أخرى، وعلى مختلف المستويات والاتجاهات العامة.

 

في بيان ختام قمة الحكومات العربية الأخيرة في سرت الليبية تأكيدات مكررة عن الموقف العربي من القضية الفلسطينية، القضية المركزية، والسؤال هنا، ما هو الموقف العربي منها الآن؟، وكيف حسم أو قرر، ومن مثلها رسميا وشعبيا، وهل هي حملة علاقات عامة وتبويس لحى، وترضيات شخصية، أم تعبيرات دستورية وقانونية وشرعيات قانونية وشعبية وإدارية متفق عليها؟. وحين قراءة ما يسمى بالموقف العربي المكرر، في البيانات والتصريحات والخطب الرنانة للمتحدثين باسمها أو عنها، ومقارنته بطبيعة الأوضاع العربية وتطورات القضية الفلسطينية، تجد انه لا يختلف كثيرا عن مواقف غربية وأمريكية تحديدا، في المفاصل الرئيسية منها، وفي السبل القانونية والعملية والتاريخية لإيجاد الحلول لها، ومعروف طبعا توجهات ومصالح وأهداف تلك المواقف من القضية الفلسطينية أساسا، ومن يضغط ويوجه مساراتها، ويرسم خطط طريقها أو ممثليها في التسوية لها، (اقرأ التصفية لها) فهل العمل العربي المشترك عاجز عن فهم ما يقوم به؟ وهل المؤتمرات وبياناتها قاصرة عن وضع النقاط على الحروف في مطالبها والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني كما كانت تقول بذلك بيانات سابقة؟

 

والى متى يجري ويحصل هذا التنازل الدائم عن ابسط الحقوق والمطالب المشروعة؟. منذ النكبة المشؤومة والى يومنا هذا خطوط البيان للعملية السياسية التسووية للقضية الفلسطينية في انحدار غير متقطع بشكل كبير، على مختلف الأصعدة، بما فيها الشخصيات المعبرة عنها. (ولها ادوار في كل ذلك، مهما ادعت من حرص أو تاريخ سياسي في الكفاح الوطني الفلسطيني أو العربي).

 

فحتى ما كان يسمى بالمؤتمرات الدولية أيام زمان الحرب الباردة لإيجاد حلول توافقية للقضية ولشعبها لم تجد أصداء لها اليوم في بيانات العمل العربي أو الفلسطيني الرسمي، وكأن أهل النظام الرسمي قدموا كل ما لديهم من جهود وضغوط وإمكانات ووقفوا في انتظار الردود عليها. والواقع يقول بأنه حتى ما سمي بمبادرة السلام العربي التي أقرتها قمم حكومات عربية في أكثر من دورة وجرى الحديث عن رفعها إلى مجلس الأمن الدولي والتلويح برفعها عن الطاولة معروفة بأنها من صناعة أمريكية كاملة، ومن صحفي مجروح المصداقية والنموذج السياسي. وللأسف حتى هذه المبادرة ولجان متابعاتها التي تعلنها سقفا أعلى لطموحات أهل النظام الرسمي العربي هي الأخرى في تنازلات صارخة أمام هجومات الأطراف الأخرى التي تسعى بكل جهودها إلى التصفية الكاملة لكل القضية واسمها ومستقبلها. ولم تستفد لا الحكومات العربية ولا السلطات المحلية الفلسطينية الرسمية من هوامش الصراعات في أروقة العلاقات الأمريكية الصهيونية الإسرائيلية، ولا تتعلم من نشاط أهل الكيان الإسرائيلي في الغرب وتفاعلهم مع بقائه وحملات العلاقات على دعمه وتغيير اتجاهات الضغط عليه إلى وجهات وأهداف أخرى، تجد لها صدى عند بعض أهل النظام العربي الرسمي، مثلها مثل أهل الكيان الإسرائيلي. فتتهرب من تحمل المسؤولية المباشرة إلى ما هو ليس في صالحها على المدى القريب والبعيد. وهذا ما برز أيضا في القمة الأخيرة، من أبعاد مجرد التفكير في مشروع طرحه الأمين العام لجامعة الحكومات العربية (الايجابي الرئيس في عمره الدبلوماسي) حول رابطة الجوار العربي والبحث عن معالجات جديدة لدعم القضايا العربية والرئيسية منها خصوصا، والتعامل مع دول الجوار العربي بما يصب في خدمة القضايا والمصالح العربية ويحقق الأهداف العربية أساسا.

 

ان تأجيل بحث هذا المشروع الآن والقضايا العربية تحت سيوف الخطر المركب، والاكتفاء ببيانات الشجب والتأكيد لنصوص مكتوبة باللغة العربية فقط يفضح مآل أهل النظام العربي الرسمي ومستقبله، فالتحديات الإستراتيجية التي تواجه الأمة العربية والوطن العربي، تتطلب ارتفاعا بمستواها الكبير، وبقدرات وإمكانات مكثفة وموجهة بوعي واقتدار وإدراك للمصالح والأهداف المنشودة من كل العمل السياسي اليومي والاستراتيجي. وليس بالكلمات المدبجة للبيانات فقط، بل بالواقعية السياسية التي تضع النقاط على الحروف الأساسية وتعالجها بما يخدم المصالح المشتركة لها ويعيد الحقوق المشروعة ويبني ويوفر جهودا ويحرص على ثروات ومستقبل الأجيال العربية.

 

محاولات الابتعاد عن الواقع والارتكاز على ما يصدره أهل النظام الدولي من مشاريع ومخططات للقضايا العربية والمصالح والأهداف المشتركة يزيد من التفتيت والتمزق والتشوه في العلاقات الوطنية والقومية والإنسانية، ويضع الأحوال العربية المتدهورة حاليا في مواقع أكثر سوءا مما هي عليه الآن، وهي المستهدفة سابقا وحاليا ولاحقا، وتتطلب دائما الانتباه والإدراك والعمل المشترك لإيقاف خطوط الانحدار ومسارات التراجع، من جهة، وتقوية عوامل الصمود وأساليب التصدي وقدرات البناء وأسس التقدم، داخليا أولا، عربيا وإسلاميا، ومن ثم إقليميا ودوليا، من جهة أخرى.

 

دون ذلك، دون واقعية سياسية وإخلاص حقيقي وفاعلية مشتركة تظل الأزمات العربية، الرسمية والشعبية، وعلى مختلف الصعد في معدلات هابطة وغير منتظرة، وهي أمور لا يمكن التغاضي والصمت طويلا عنها. إذ لا يمكن بعد كل ما حصل على كل المستويات التوقف والانتظار، لاسيما وان معالجاتها وسبل حلها في حيز الإمكانية والقدرة العربية المشتركة، وهنا الوردة.. فلنرقص هنا.

 

كاظم الموسوي

27 أبريل 2010

k_almousawi@hotmail.com
www.kadhimmousawi.blogspot.com