الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

تعارض بين العدالة والاستقرار

نحو صيغة قضائية جديدة

 

في السجالات السياسية اللبنانية يتردد مصطلحان على نحو يبدو وكأنهما متعارضان، وهما العدالة والاستقرار، بل أن البعض يستعملهما معاً في صيغة توافقية أو "تسووية" بما يؤكد تعارضهما.

 

والحقيقة أن لا تعارض على الإطلاق بين المصطلحين بل أنهما شرطان متلازمان أحدهما للآخر، فالطريق إلى الاستقرار الحقيقي يمرّ عبر العدالة الحقيقية، تماماً كما أن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلاّ من خلال استقرار سياسي وامني ونفسي بعيداًَ عن التجاذبات والنكايات التي تطفو على سطح العلاقات السياسية في لبنان.

 

ولقد أظهرت الأيام أنه في غياب الاستقرار عن الحياة والعلاقات اللبنانية – العربية، يسهل استخدام منظومة "العدالة" في خدمة مصالح وأغراض بعيدة كل البعد عن الحقيقة التي يفترض بكل عدالة أن تتوخاها، وإلاّ كيف نفسر الاهتزازات الكبرى التي عاشها لبنان، والتي عانت منها علاقات فريق من اللبنانيين بسوريا على مدى خمس سنوات حين حاول التحقيق الدولي أن يصوب الاتهام باتجاه دمشق وبعض أصدقائها في بيروت فأصاب الاستقرار اللبناني في الصميم هو اهتزاز يتكرر اليوم منذ ان سمعنا من اشكنازي حيثيات القرار الظني.

 

ولقد بات واضحاً أنه إذا لم تتوفر الشروط والظروف لقيام عدالة حقيقية، فإن ذلك يولّد تربة خصبة لإطلاق كل أنواع الهواجس والهواجس المضادة، الاتهامات والاتهامات المضادة، والتي من شأنها زعزعة الاستقرار النفسي وصولاً إلى زعزعة  الاستقرار الاجتماعي والسياسي والأمني أيضاً .

 

ومن هنا فالدعوة إلى إبعاد العدالة عن التسييس ليست دعوة للاستقرار فحسب، بل هي دعوة لعدالة حقيقية ما زالت حتى الآن محاصرة بألف التباس والتباس.

 

ولقد ظن للبنانيين حجم التسييس الذي لف عمل لجان التحقيق الدولي في مرحلتي ميليس وليمان، ثم مرحلة بريمرتز، وبعدها في مراحل بلمار -1- وبلمار -2- وبلمار -3-(الكلام للسيد حسن نصر الله يوم الإفراج عن الضباط الأربعة في 29/4/2010).

 

واليوم تتصاعد أكثر من أي وقت مضى هواجس التسييس حول عمل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي يخرج من "أحشائها" كل يوم ما يعزز من تلك الهواجس ويقلّل من الثقة بمحكمة يعرف الجميع ظروف إنشائها وملابساتها ومدى توافقها مع أحكام الدستور اللبناني، والقوانين اللبنانية، والأصول المرعية، والأعراف القضائية، وهو ما فصّله بإسهاب كبار المشرعين والخبراء وأهل الاختصاص.

 

لن نتحدث هنا عن استقالات "غامضة" قدمها موظفون وقضاة كبار في هذه المحكمة، بل لن نتوقف عند هذا "الأبوة" المشبوهة للأمانة العامة للأمم المتحدة على المحكمة والتي ظهرت من خلال مطالعة رئيسة الدائرة القانونية في الأمانة العامة حيث دعت إلى عدم تسليم اللواء السيّد المستندات والوثائق التي كانت وراء اعتقاله مع زملائه الضباط الكبار والمواطنين الأبرياء، فشكلت بمرافعتها مطالبة "دولية" لحماية شهود الزور.

 

فالأمانة العامة للأمم المتحدة منصب سياسي بامتياز، ورضوخ الأمين العام للضغوط الأمريكية بات شرطاً من شروط اختياره، وإذا ما خالف أمين عام يوماً، رغبة واشنطن، ولو في أمر ثانوي، وجدناه فجأة خارج منصبه الرفيع، والأمثلة على ذلك متعددة.

 

والأمين العام نفسه بات متورطاً عبر ممثله الشهير، والمعروف الارتباطات والخلفيات تيري رود لارسن في متابعة تنفيذ القرار 1559المشؤوم، والذي اعتبرناه منذ صدوره قراراً فتنوياً بامتياز، خصوصاً أنه يطل علينا كل ستة أشهر بتقرير هو نموذج للانحياز الفاضح لصالح العدو الصهيوني على حساب لبنان وسيادته ومقاومته، على وجه الخصوص، وقد فند كثيرون من أحزاب وشخصيات، لبنانية فاعلة، وبموضوعية ودقة، هذا الانحياز المقلق للارسن الذي تبدلت الدنيا من حوله ولم يتبدل.

 

فإذا كانت العدالة الدولية، ممثلة بالمحكمة الدولية، هي بنت شرعية دولية منحازة ومنقوصة، وسجلها حافل بالمعايير المزدوجة من فلسطين إلى العراق، ومن السودان إلى أفغانستان، ومن تجاهل تقرير غولدستون حول غزّة إلى إهمال تقرير مماثل حول الجريمة الصهيونية بحق "أسطول الحرية"، وكلاهما صادر عن هيئة أساسية من هيئات المنظمة الدولية، مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فكيف نثق بهذه العدالة الوارثة لكل هذه الأثقال "الأممية" المتفاقمة.

 

في ظل هذا الواقع، فكل المعنيين والمؤثرين في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، (وكل لبناني وعربي معني بها، حتى لو لم يكن مؤثراً) مدعوون إلى ابتكار صيغة قضائية جديدة تصون العدالة والاستقرار معاً، بل تصون العدالة من أجل الاستقرار، وتصون الاستقرار من أجل العدالة، بل تصون لبنان كله بقيمه ورسالته وسيادته وتقاليده العريقة، وهو الذي حملت عاصمته لقب "أم الشرائع" منذ قرون وقرون.

 

وأهل الاختصاص أقدر منا على ابتداع مثل هذه الصيغة، التي لا توفر احتمالاً إلاّ وتدرسه، ولا تترك باباً إلاّ وتطرقه، لاسيّما الاحتمال الإسرائيلي بعد أن بات واضحاً أن عدونا يملك المصلحة في هذه الجريمة الكبرى، ويملك القدرة على تنفيذها، وهو أيضاً صاحب سجل حافل في ارتكاب الجرائم وأبرزها مؤخراً جريمة اغتيال الشهيد المبحوح في الإمارات التي لم تستطع العدالة الدولية أن تقبض على فاعليها المعروفين جداً، وإذا تم إلقاء القبض على أحدهم، عن طريق الصدفة ،تسارع "العدالة الدولية" إلى إطلاق سراحه.

 

"عدالة" دولية لا تلاحق شهود الزور لا توفر استقراراً، واستقراراً هش كالذي نعيشه لا يوفر عدالة حقيقية، فيما العدالة والاستقرار هما مطلب الجميع الذين يرون فيها تكاملاً حتى لا نقول تطابقاً.

 

معـن بشـور

26 أكتوبر 2010