الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

إشكاليات الاقليات في الواقع العربي المعاصر

 

تواجه غالبية الاقطار العربية تحديات اعتماد الادارة الامريكية سياسة "الفوضى الخلاقة" لتفكيك بناها الاجتماعية ، كما هو حاصل في العراق المحتل . وهي سياسة غايتها المضي بالوطن العربي من التجزئة القطرية الى التفتيت العرقي والطائفي ، لاقامة "الشرق الاوسط الجديد " المشكل من كنتونات عرقية وطائفية ، يجمعها اطار اقليمي فاقد الانتماء القومي العربي ، يدور في الفلك الامريكي بقيادة اسرائيل . ولتحقيق هذه الغاية تحظى قضايا الجماعات المصنفة تجاوزا "اقليات" بتركيز اعلامي ، متجاوز حقائق التاريخ ومعطيات الواقع ، بحيث صورت وكأنها جميعها قد همشت واهدرت حقوقها ، واخضعت لممارسات عنصرية تسببت في فسح المجال للمداخلات الاقليمية والدولية وتحميل أنظمة الحكم المنتسبة للاكثرية العربية السنية المسؤولية التاريخية عنها .

 

     وفي مواجهة المخاطر التي تلوح نذرها في افق اكثر من قطر عربي مطلوب البحث في الاشكاليات الراهنة ، بكل موضوعية لارساء قواعد التعامل الديمقراطي مع شركاء المسيرة والمصير ، المتمايزين سلاليا او دينيا او مذهبيا عن الاكثرية في اقطارهم . وبما يضمن لهم كامل حقوق المواطنة على قدم المساواة التامة مع مواطنيهم ، وما يوفر لكل قطر عربي متطلبات الحفاظ على تماسك نسيجه المجتمعي ووحدة ترابه الوطني .

 

     وألاحظ بداية ان الجماعات محدودة النسبة العددية في أي من اقطار جامعة الدول العربية ، وذات الوجود الطبيعي والتاريخي في القطر الذي تنتسب اليه ، كما هي حال الامازيغ "البربر" في المغرب والجزائر ، والاكراد في العراق وسوريا ، والتركمان في العراق ، والافارقة في جنوبي السودان . هذه الجماعات انما تنتسب لاقوام تعرب غير يسير من بنيها وشكلوا بعضا من النسيج القومي عربي اللغة والثقافة وانماط السلوك ، فضلا عن عيشها لقرون في الفضاء العربي الاسلامي . وهي بالتالي ترتبط بالاكثرية العددية في اقطارها ، وعلى المدى القومي ، بوشائج تراثية وثقافية ، جعلت منها عبر التاريخ شريكة مسيرة ومصير . الأمر الذي انعكس ايجابيا على التاريخ العربي بحيث تميز بدرجة عالية من غياب المواقف المعادية للجماعات المتمايزة عن غالبية مواطنيها سلاليا او دينيا أو مذهبيا . وذاك ما توثقه الدراسات المختصة ككتاب المستشرق البريطاني سير توماس أرنولد "الدعوة الى الاسلام" ، وكتاب الباحث العربي المدقق د. جورج قرم "تعدد الاديان وانظمة الحكم " .

 

     وحيث تبلورت الأمة العربية بالانتماء الحضاري وليس الانتساب السلالي جاءت ذات طبيعة تركيبية تضم التنوع ضمن اطار الوحدة . وذلك ما اساء قراءته غالبية المستشرقين وتلامذتهم العرب ، بتصويرهم الوطن العربي لوحة فسيفسائية من أعراق وأديان ومذاهب شتى ، متجاهلين قرابتها السلالية واللغوية . فضلا عن تناقض ادعائهم مع كون الوطن العربي من أكثر مناطق العالم تجانسا واندماجا على محاور السلالة التاريخية واللغة والدين والمذهب . إذ العرب لغة وثقافة وانماط سلوك نحو 88 % من مواطني الوطن العربي وبما لا يقل عن 78 % في أي قطر ، فيما المسلمون 91 % على الصعيد القومي وبما يجاوز 70 % في أي قطر .

 

     ولقد أولت الدوائر الاستعمارية والاستشراقية منذ بدايات القرن الثامن عشر اقليات الوطن العربي اهتماما خاصا ، بأن عني المؤرخون واللغويون بتاريخ ولغات وثقافات هذه الجماعات . ولم يكن ذلك بعيدا عن الدوافع والغايات الاستعمارية . إذ نظر لتلك الجماعات كأدوات محتملة لاختراق النسيج الاجتماعي العربي المتميز بقوة الجذب بين عناصره . ولقد استغلت في ذلك ، ولا تزال ، الممارسات السلطوية الخاطئة ، والنزاعات الاهلية . ودائما كان للتدخل الخارجي ، الدولي والاقليمي ، دور مؤثر في اثارة تلك النزاعات ، والشهادات التاريخية على ذلك كثيرة منها على سبيل المثال : كتاب الاب د. جوزيف حجار "أوروبا ومصير المشرق العربي " ، وكتاب د. مسعود ضاهر " الجذور التاريخية للمسألة الطائفية اللبنانية 1697 – 1861 .

 

     وليس في التاريخ العربي ، ولا في معطيات الواقع المعاش ، ما يدل على أن أيا من هذه الجماعات "عاشت عزلة قسرية ، أو انعزالا اختياريا . وغالبا ، إن لم يكن دائما ، تجاوزت نسبة مشاركتها في الانشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية نسبتها العددية . أما بالنسبة للمشاركة السياسية فهي والاكثرية في محدودية المشاركة ، أو انعدامها ، سواء . وفي كثير من الاقطار يحتل منتسبو الاقليات مواقع ممتازة بين بطانة صانع القرار ، لظنه ان ليس لهم عصبية تشكل خطرا على تفرده بالسلطة وصناعة القرار .

 

     ولقد حددت "لجنة حقوق الانسان" ، التابعة للمجلس الاقتصادي للامم المتحدة ، كحقوق للاقليات ، بموجب "الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية " ، التي تمت المصادقة عليها سنة 1976 . إذ نصت المادة (27) منها على أن "حق الاشخاص الذين ينتمون الى اقليات ينحصر بالتمتع بثقافتهم ، والاعلان عن ديانتهم واتباع تعاليمها ، واستعمال لغتهم ، أي الروابط المشتركة الثقافية والدينية . أما في نطاق الحقوق الاخرى الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان فيعامل افراد الاقليات كالمواطنين لا على اساس انتمائهم الاثني او الديني أو اللغوي ، أي أن حقوق الاقليات تنحصر بالحقوق الثقافية وممارسة الشعائر الدينية ليس إلا " ، وهي حقوق متوفرة للجميع في كل نواحي الوطن العربي .

 

     وأن تكون تلك هي حقائق التاريخ ، وهذه هي معطيات الواقع ، ففي ذلك دلالة انعدام التناقضات العدائية فيما بين غالبية جماهير الاقليات ذات الوجود الطبيعي والتاريخي في الاقطار العربية وبين جمهورها الوطني والجمهور العربي العام . وبالتالي فان مصالح الجميع وامنهم وأمانهم في تناقض رئيسي مع سياسة "الفوضى الخلاقة "الامريكية ، لتناقض مصالح الغالبية ، من الاكثرية والاقليات ، في كل قطر عربي مع مصالح التحالف الامريكي – الصهيوني . الأمر الذي يحتم على القوى الحريصة على تماسك النسيج الاجتماعي ووحدة التراب الوطني ، وتواصل السلام الاهلي ، في كل قطر عربي الدخول في حوارات معمقة وصولا لتعزيز ما بينها من قواسم مشتركة وتحجيم الآثار السلبية للتمايزات القائمة ، والعمل لاقامة الجبهات الوطنية الملتزمة باهداف الاستقلال الوطني ، والتكامل القومي ، والديمقراطية ، والتنمية المستقلة ، والعدالة الاجتماعية ، والتجدد الحضاري ، والحرص على عدم الانجرار لدعوات الفتنة التي يروجها الغلاة من الطرفين الذين يخدمون ، بوعي أو بلا وعي ، مخطط التفتيت الامريكي – الصهيوني .

 

عوني فرسخ
26 مايو 2007