الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

محاكمة توني بلير

 

هل سيمثل توني بلير رئيس الحكومة البريطانية السابق أمام لجنة التحقيق التي شكلها خلفه غوردون براون، في القضية التي كان هو بطلها بامتياز، يوم 29/ 1/2010 كما أعلن؟. وكيف سيكون وضعه القانوني بعد تسريب أخبار كثيرة سبقت هذا اليوم عن أمور أسهلها ارتكابه جرائم حرب بحق الشعب البريطاني قبل العراقي؟. أم نذهب كما اعتبر غير قليل من المعلقين بان العملية كلها، فرقعة إعلامية لإنهاء مسرحية علنية وإسكات الغضب العام حول القضية الأساسية وإبعاد المسؤولية عنها. وقد تكون توضيحات السير جون تشيلكوت، المكلف برئاسة اللجنة بداية الانطلاق، لاسيما قوله ان "التحقيق ليس محكمة وهو لا يخضع أحدا للمحاكمة، لكن اللجنة لن تتخلى عن حقها في الانتقاد". وأضاف ان "الهدف يتمثل بتحديد ما حدث منذ 2001 وحتى انسحاب الجزء الأكبر من القوات البريطانية من العراق منتصف 2009"، سعيا حسب تعبيره إلى "استخلاص الدروس لمساعدة الحكومات المقبلة التي قد تواجه ظروفا مشابهة". ومن المتوقع ان تسلم اللجنة تقريرها النهائي في أواخر 2010.

 

فهل هناك ثمة دروس مخفية ستستخلصها اللجنة ومن هو المسؤول فيها وعنها؟ أم أنها مكلفة بهذه الحدود فقط كما هو منهج الحكومات البريطانية في تشكيل اللجان، وهي ليست الأولى ولا الأخيرة في هذا الشأن. ورغم ذلك فأنها أثناء سير جلساتها كشفت كثيرا من المستور وعرت الأسباب المخفية وراء الغزو والحرب والاحتلال وأشرت بأصابع واضحة لسياسة رئيس الحكومة السابق بلير ومسؤوليته الكاملة عما حصل وجرى لبريطانيا وللشعب العراقي، ومع كل ذلك فأنها استثنت الضحية الرئيسية من التحقيق، الشعب العراقي، وقد تكون لقاءاتها مع أهالي الضحايا البريطانيين مثل ذر الرماد بالعيون ومن ثم تمرير ما هو مطلوب منها.

 

منذ بداية عملها وضعت اللجنة لها برنامجا محددا، سواء في طبيعة الاستجواب أو الأشخاص الذين تدعوهم إليه. وتركز، كما أعلنت، على القرارات السياسية التي اتخذت خلال فترة تحضير الغزو والتحشيد الإعلامي والفعلي في عام 2003، وتتداول في جلسات علنية وسرية وتحجب ما تراه هي أو غيرها مضرا بالأمن الوطني، وهذا باب عريض. وكانت قد استدعت عددا من الموظفين، من بينهم، السير جون سكارلت رئيس اللجنة البرلمانية المشتركة للاستخبارات بين 2001 و2004، (المسؤولة عن تقديم ملف قدرات أسلحة التدمير الشامل في العراق، والذي أثار الكثير من الخلاف والجدل قبل وبعد الحرب ولم يجر سؤالها عن كيفية وضعه ومن كان وراء عرضه بهذه الصيغة؟!). والسير ديفيد مانينغ مستشار بلير للشؤون الخارجية آنذاك، والسير جون سورس السكرتير الخاص لبلير من 1999 وحتى 2001، والرئيس الجديد لجهاز الاستخبارات الخارجية، والأدميرال اللورد بويس رئيس هيئة أركان القوات المسلحة ما بين 2001 و 2003، وأحضرت آخرين، من حكومة بلير الذين شاركوه في شن الحرب على العراق، مثل وزير حربه جوف هون، ومدير مكتبه ومستشاره الإعلامي، وجاك سترو وزير الخارجية آنذاك، العدل حاليا، وكذلك قد تأتي  بغوردن براون، وربما غيرهم. ولكن المهم فيها هو ما ينتظره الجميع منها، وهو مثول بلير نفسه أمامها. وذكرت اللجنة أنها ستبدأ في هذا الشهر، قبل بلير، بمراجعة القضية الأكثر إثارة للجدل والخلاف والمتمثلة فيما إذا كانت الحرب قانونية أم لا، وكأن آراء المستشار القانوني والمدعي العام البريطاني غير كافية منذ البداية وحتى مثوله أمامها، أو أراء القانونيين الدوليين الذين سبق وان كتبوا ونشروا في هذا الموضوع. وبدأت اللجنة عملها رسميا في يونيو/ حزيران الماضي، وقد اجتمعت مع عدد من عوائل قتلى الجنود البريطانيين في العراق منذ عام 2003 وحتى 2009، (179 جنديا)، إلى جانب عدد من أفراد القوات المسلحة. وخلالها بينت مصادر أن أهالي القتلى البريطانيين انتقدوا بشدة قرار الدخول في الحرب، وقالوا ان الشعب البريطاني كان قد تعرض للتضليل والكذب حول التهديدات التي كان يمثلها العراق. واتهموا رئيس الوزراء السابق بلير بتجاهل الأدلة على أن العراق لم يكن يملك أسلحة الدمار الشامل قبل غزوه عام 2003. ونقلت صحيفة التلغراف (19/12) عن ريتشارد غرين الذي فقد ابنه بعد يومين من اندلاع الحرب دعوته لجنة التحقيق للنظر في كيفية استخدام موضوع الأسلحة لكسب تصديق البرلمان على القرار، لأن البرلمان لم يكن يرضى تغيير النظام كسبب لشن الحرب.

 

وصرح رئيس اللجنة ان تلك اللقاءات والاجتماعات أعطته تصورا حول الكيفية التي سيدير بها التحقيق وطبيعة مساره، والقضايا والأمور التي يجب التركيز عليها عند توجيه الأسئلة إلى الشهود. كما راجع رئيس اللجنة وعدد من الأعضاء الآلاف من الوثائق ذات الصلة من أركان الحكومة البريطانية المختلفة. ( ستبقى هذه كلها طي الكتمان طبعا!). ويبدو من سير العمل الابتعاد عن السؤال الرئيسي في المسؤولية والآثار التي سببتها الحرب على الشعبين العراقي والبريطاني ولماذا حصل ما حصل وكيف يكون دروسا وعبرة دون محاكمة علنية قانونية وأخلاقية وسياسية؟!

 

ان إخفاء الحقيقة والتهرب منها لن يخدم المستقبل، كما لا يعفي تقادم الجريمة من المسؤولية عنها، ومحاولات الحكومة البريطانية الضغط على اللجنة ومنعها من نشر تقريرها أو علنية الجلسات تضعها في دائرة المسؤولية الجنائية أكثر من قبل. واعتبرت صحيفة الغارديان (19/12/2009) القرار في المنع "إهانة لذكاء الرأي العام البريطاني ويضع فجوة كبيرة في التاريخ تجعل الشعب يعيش في ظلام". ان محاولة التستر على دور بلير وحكومته من الحرب وكارثتها لا يغير من وقائعها وان أي تنكر الآن يضاعف من تبعاتها على الجميع، بلير ومن شاركه واللجنة وأعضائها، ولاسيما وقد سبقها بلير بتصريحات يعترف بها بصواب اتخاذه قرار الحرب على العراق حتى بدون وجود دليل على امتلاكه أسلحة دمار شامل، الذريعة الرئيسية التي قدمها مع بوش لشن الحرب. الأمر الذي اعتبرته وسائل الإعلام سببا كافيا لمحاكمته ودعت اللجنة إلى ذلك، واستقبل الدعوة "تحالف أوقفوا الحرب" مطالبا بها، وكذلك صرح عدد من المحامين الدوليين، مثل البروفيسور فيليب ساندس والقاضي جوفاني دي ستيفانو، وغيرهم، الذين أكدوا على ضرورة محاكمة بلير، الدرس الرئيسي في كل عمليات التحقيق وللتاريخ.

 

كاظم الموسوي

26 يناير 2009