الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

في ذكرى الغائبين/الحاضرين الوحدة وعبد الناصر

                           

في الثامن والعشرين من سبتمبر/ أيلول 1961 عصف انقلاب عسكري بوحدة مصر وسوريا،  وفي الذكرى التاسعة لانفصال الوحدة غيّب الموت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، غير أن مضي الزمن لم يزدهما إلا حضوراً في الفكر والوجدان العربي، حتى في أوساط من عرفوا بتحفظهم على الوحدة وعدائهم لنهج عبد الناصر،  فما هي دواعي هذا الحضور المتنامي والمتسع وما هي دلالاته؟ 

 

قد يقال: إنه الحنين للماضي والعجز عن الانعتاق من قناعات خمسينيات وستينيات القرن الماضي، والقول يحتمل الصحة لو اقتصر الحنين للوحدة وافتقاد  عبد الناصر على الناصريين، أو حتى على أصحاب التوجه القومي العربي بشكل عام، أما حين يكون للغائبين حضورهما الجلي عند كثير ممن عرفوا بمعاداة الجمهورية العربية المتحدة وقيادة عبد الناصر ففي ذلك ما يدل على أن لهذا الحضور المتنامي والمتسع أسباباً موضوعية تستدعي اعادة النظر في كثير مما كتب وقيل في نقد تجربة الوحدة ونهج عبد الناصر، خاصة والأجيال العربية التي لم تشهد مرحلة المد القومي لا يعرف غالبيتها عن الوحدة وعبد الناصر ما يمكنها من تقويم موضوعي لما جرى خلال أخطر سنوات القرن العشرين في حياة الأمة العربية، وما يتيح لها بالتالي إدراكاً واقعياً للتحديات الراهنة واستشرافاً علمياً للاستجابة الفاعلة في مواجهتها، وفي ضوء هذه الحقيقة أسجل الملاحظات التالية:

 

1- في ذكرى الجلاء يوم 17/4/1956 دعا حزب البعث العربي الاشتراكي لوحدة مصر وسوريا باعتبارها سبيل حماية استقلال سوريا وسلامها الاجتماعي مما كان يهددهما داخلياً وخارجياً، وبالدعم الذي لقيته الدعوة من "مجلس العقداء"، صاحب الكلمة الأولى في الجيش، وبالتأييد الجماهيري الكاسح لها حُجمت القوى المضادة والمتحفظة وتولد تيار شعبي مطالب بالوحدة فرض ذاته على مختلف القوى، ووضع حداً للتردد الذي كان يبديه عبد الناصر ورفاقه في القيادة المصرية، وباستفتاء شعبي أيد شعبا القطرين بما يقارب الإجماع قيام الوحدة، وتولي عبد الناصر رئاسة جمهورية رئاسية، ومبادئ دستور ديمقراطي اجتماعي متجاوز الليبرالية شكلاً ومضموناً، فالذي طلب الوحدة القطر الأصغر، وكان الضغط الجماهيري عاملاً أساسياً في الدفع لإقامتها، والاستفتاء الشعبي الوسيلة المعتمدة لذلك، وفي ذلك الدلالة القطعية على أن الوحدة قامت بأسلوب ديمقراطي.

 

2- لم يقع الانفصال بانتفاضة شعبية، وإنما بانقلاب عسكري دبرته المخابرات المركزية الأمريكية وبعض المخابرات العربية، وموله نظام حكم عربي، والتقى أكثر من نظام إقليمي على تأمين نجاحه واستقراره، وفي ندوة أقامها مركز الدراسات الاستراتيجية بالاهرام في شباط/ فبراير 1998، قال مراد غالب - سفير الجمهورية العربية المتحدة في موسكو زمن الوحدة – إن وزارة الخارجية السوفياتية استدعته صباح يوم الانفصال لتبلغه بأن الاتحاد السوفياتي يؤيد ما جرى في دمشق،  فيما يقول د. أنور عبد الملك - في المستقبل العربي العدد 18، آب/ أغسطس 1980 – "استناداً لما قد تكشف من وثائق مدعومة بالأدلة تعود لفترة الوحدة، إن السياسة الرسمية للاتحاد السوفياتي لا يمكنها أن توطن نفسها بأي طريقة ملموسة على قبول قيام دولة عربية حديثة وموحدة وقوية ومتقدمة بزعامة مصر، في منطقة يعتبرها الاتحاد السوفياتي حساسة لأمنه القومي". 

وأن تكون تلك بعض حقائق الواقع صباح يوم الانفصال يغدو منطقياً القول بأنه اذا كان عبد الناصر قد استجاب لطلب الوحدة من منطلق الحرص على الأمن القومي العربي في مواجهة ما كان يتهدد سوريا، فإنه من منطلق هذا الحرص امتنع عن ممارسة حقه الدستوري باستخدام القوة في الدفاع عن الوحدة، تاركاً للجماهير السورية أن تخوض معركة تصحيح المسار، وقد بدت في أيام الانفصال الأولى مؤهلة لذلك.

 

3- كان العهد بالجماهير السورية أن تخرج للشوارع مؤيدة كل انقلاب عسكري فور سماعها بيانه الأول، ومنددة بأركان الحكم الذي أسقطه، إلا أنها في مواجهة الانقلاب الانفصالي خالفت ما عرفت به إذ خرجت رافضة الانقلاب ومستنكرة منفذية ومباركية، ومؤيدة الوحدة، رافعة علمها وهاتفة بحياة رئيسها، ومعلنة تمسكها بالاصلاح الزراعي وقرارات تموز/ يوليو 1961 الاشتراكية،  وواصلت تظاهراتها الضاغطة بحيث انتزعت من المجلس النيابي وحكومة الانفصال قرارات بتثبيت إنجازات عهد الوحدة،  فضلاً عن أنها حالت دون استقرار حكم الانفصال وتمكينه من الاستمرار، وفي مواقف الجماهير السورية من الردة الانفصالية ورموزها وإجراءاتها ما يلقي بظلال الشك حول معظم الذي قيل ولا يزال يقال حول القصور والتجاوزات خلال عهد الوحدة.

 

4- شهدت الدعوات القطرية واللاقومية انتعاشاً في أعقاب الانفصال في مقابل انحسار الفكر والعمل القومي العربي، وبدت الدولة القطرية العربية موضوع التأييد والاطراء من قبل أقطاب اليمين واليسار على السواء، فمن قائل بأنها الأداة الأمثل لإقامة الحياة الديمقراطية إلى مدع بأنها المجال الحيوي للتنمية الاقتصادية والتقدم العلمي والمعرفي، إلا أن السنين مضت دون أن يتحقق شيء مما بشرت به الأفواه والأقلام، بل إن فجوة تخلف الأقطار العربية عن مواكبة العصر في اتساع طردي، وكذلك هي حال الفجوة بين الثراء الفاحش والفقر المدقع في معظم الأقطار العربية، وهذا ما وثقته وحذرت من تداعياته الخطرة تقارير التنمية الانسانية التي توالى صدورها عن "برنامج الأمم المتحدة الانمائي" منذ العام 2002.  وقد أعادت ذلك لقصور الأداء الرسمي وهيئات المجتمع المدني وضعف تمكين المرأة، في حين أن العلة الأساسية للتخلف العربي انما هي تخلف النظام الاقليمي العربي عن مواكبة العصر من حيث تكامل أنشطة دوله الأعضاء وتحرر ارادتها السياسية.

 

5- لقد خلت المبادئ الستة التي أعلنها "الضباط الأحرار" غداة 23 يونيو/تموز 1952 من أي ذكر للقومية العربية، غير أن عبد الناصر ورفاقه سرعان ما تبينوا ارتباط أمن مصر الوطني بالأمن القومي العربي، ومن خلال التصدي لحلف بغداد استعادت مصر دورها التاريخي باعتبارها "الاقليم القاعدة" العربي، بأن شكلت رافعة للحراك الوطني في مشرق الوطن ومغربه، بحيث احتل العرب موقعاً متميزاً في حركة التحرر الوطني وعدم الانحياز وتصفية الاستعمار القديم، والذي توضحه قراءة تاريخ المشرق العربي خلال ما يجاوز الألف عام أن مصر كلما نمت قواها الوطنية وامتلك صناع قرارها حرية الإرادة مارست فعالية قومية، في حين أنه كلما تراجعت الى حدودها القطرية وارتهن قرارها السياسي للقوى الخارجية تشرذم المشرق العربي وشاعت فيه الصراعات اللامجدية، ثم ارتد الوهن على مصر.

 

والسؤال الأخير:  هل كان الحضور المتنامي والمتسع للوحدة وعبد الناصر بعد غيابهما العملي الا مؤشراً على الشعور بافتقاد عنصري القوة العربية: التكامل القومي والدور التاريخي لمصر،  ثم أليس بالتوجه الصادق والجاد للتكامل والتنسيق في سائر الأنشطة العربية، وباستعادة مصر فعاليتها القومية، يتجاوز العرب واقعهم المأزوم ويعودون فاعلين في التاريخ؟

 

عوني فرسخ

25 سبتمبر 2008