الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

دفـاعا عن البعثـيين 

 

لم أكن معجبا بصدام حسين إلا في الخمس دقائق الأخيرة من حياته تحت حبل المشنقة، فقد عاش صدام ديكتاتورا عراقيا بامتياز، ومات شهيدا يسخر من جلاديه، في يمينه القرآن، وعلى لسانه هتاف " عاشت فلسطين والعراق ".

وفي الزيارة الوحيدة التي شاركت فيها إلى بغداد زمن صدام، عدت إلى القاهرة، وكتبت ـ في تشرين الاول/أكتوبر 1994 ـ عن بغداد التي " تبكي بلا دموع "، وعن العراق المحاصر بالجوع والخوف .

وقبل غزو العراق بأسابيع، كتبت في صحيفة " العربي " القاهرية ـ التي كنت أترأس تحريرها ـ عن الأقـدار الأسطورية في العراق، وعن صدام حسين الذي قد يغفر له ما تقدم من ذنبه، ويتحول اسمه ـ في ذاكرة التاريخ الباقي ـ من ديكتاتور إلى شهيد، ويتحول قبره إلى مزار وكعبة للمقاومين جيلا فجيل .

 

وقد تحققت النبوءة، وبأكثر مما توقع أحد، فلم يهرب صدام إلى ملجأ آمن عرضوه عليه، وترك النوم في القصور إلى الحياة في حفرة، ولم يكن ديكتاتورا جبانا، يطلب الموت لخصومه ويتخلف هو، وواجه الموت بشجاعة أسطورية، ولم ينج بذريته ونسله الذين استشهدوا في معركة دامية باسلة مع رصاص القوات الأمريكية الغازية .

 

وتوقع الاحتلال الأمريكي أن تكون نهاية صدام هي نهاية حزب البعث، تماما كما تفكك الحزب النازي مع نهاية هتلر، وكانت تلك قراءة غبية جاهلة بسيرة البعث وسيرة العراق نفسه، فلم تكن دموية صدام استثنائية تماما في التاريخ العراقي، وصدام كان محكوما عليه بالإعدام قبل أن يصل إلى سلطة إعدام الآخرين، فثقافة الدم لها أصولها الراكزة في التكوين العراقي نفسه، وصدام لم يكن إلا استطرادا ـ بلمسات إضافية ـ لثقافة حسم الخلافات بسيف الدم، ومن هذه الزاوية كان صدام عراقيا حتى النخاع، كان عراقيا أصوليا متشددا، وصحيح أنه كان قائدا مرموقا في تاريخ البعث، إلا أن سيرة البعث أوسع وأطول وأعرض وأقدم من سيرة صدام، بل أن البعثي الأول في تاريخ العراق مات بيد نظام صدام، ففؤاد الركابي مؤسس البعث في العراق مات في المعتقل بعد انقلاب 1968، وكان الركابي قد تحول إلى الناصرية، ومئات من قادة البعث لقوا حتفهم بأوامر ـ وأحيانا بيد ـ صدام حسين، لكن استشهاد صدام الأسطوري قارب المسافة بين اسمه واسم البعث.

وكما تخاف حكومة الدمى ـ في بغداد الآن ـ من شبح صدام، فإنها تخاف من حزب البعث الذي يأتيها في كوابيس الصحو والمنام، صحيح أن ثمة أكثر من عنوان لحزب البعث الآن، لكن حزب البعث الحقيقي يترأسه عزت الدوري رفيق صدام، وهو حزب أثبت صلابة معدنه، وقوة تنظيمه، وواجه مجازر الاحتلال وأعوانه بحيوية فائقة، فقد جرى قتل بعثيين بعشرات الألوف، وجرى تشريد بعثيين بمئات الآلاف، لكن الحزب ـ المحظور المطارد ـ ظل أقوى أحزاب الساحة العراقية، ويقود قطاعا مهما من المقاومة العراقية المسلحة، وربما لا ينافسه في نفوذه سوى نفوذ هيئة علماء المسلمين ومنظمات المقاومـة المرتبطة بها، وهذه الأخيرة مطاردة أيضا، ومرتبطة باسم الشيخ حارث الضاري المقيم الآن خارج العراق، فيــما يظل محل إقامة عزت الدوري غير معــروف بدقة، وتظـل حركة البـعث سرية وغاية في الكفاءة والفـعالية، وهو ما يفسر هذه الحملة المجنونة ضد البعث من حكومة الدمى التابعة للاحتلال الأمريكي، والتي وصلت بدعوى اجتثاث البعث إلى حد القتل على الهوية البعثية لمجرد الاشتباه، فـقد بدا حزب البعث كأنه حيوان الهيدرا في الأسطورة الإغريقية، كلما قطعوا له ذراعا نبتت له ألف ذراع، في مدن العـراق وقراه من شماله إلى جنوبه، بالطول وبالعـرض، وفي أجهزة الإدارة والجيش والأمن، وحتى في اجتماعات مجلس وزراء حكومة المالكي .

 

ورغم أن حزب البعث يقاطع ما يسمى بالعملية السياسية، والتي تتم برعاية الاحتلال الأمريكي، إلا أن الخوف من وجود بعثيين متخفين يفزع الأمريكيين وحكومة الدمى، وتصدر قرارات ما يسمى 'هيئة المساءلة والعدالة' باستبعاد مئات المرشحين، وبدعوى اكتشاف صلات قديمة لهم بحزب البعث، ودعك من قصة شرعية وقانونية قرارات الهيئة المذكورة، فلا شيء في العراق الآن شرعي ولا قانوني، وكل البنيان الحكومي مجرد خيمة لجماعة لصوص، ومعدلات الفساد في العراق الآن هي الأعلى في العالم كله، و 'هيئة المساءلة والعدالة' يقودها شخص اسمه أحمد الجلبي، وما أدراك ما الجلبي؟ إنه الرجل الذي جندته المخابرات الأمريكية لحسابها، ولم يكن يعرف شيئا عن ما يجري في عراق صدام حسين، وألف قصصا من خياله عن مشروع العراق النووي، وعن يورانيوم النيجر، وعن علاقات لصدام بتنظيم القاعدة، وبدت القصص على هوى الأمريكيين الذين اعتادوا الكذب، بدت القصص المفبركة صالحة لرواية مخاوف تبرر قرار غزو العراق وإسقاط صدام، وقد استبعدوا الجلبي ـ بعد سنوات من الغزو ـ عن المشهد الأمامي، ووضعوه في مخزن هيئة المسـاءلة والعـدالة التي خلـفت هيئة اجتثاث البعث، ولم يعرض تشكيلها حتى على مجلس النواب العراقي، ولا توافرت لها حتى صفات الشكل الدستوري والقانـوني على عواره، ولا يعرف أحد من أين تأتي بنـفقاتها، ومع ذلك تعامل كأنها " هيئة نزيهـة "، وترسل قوائم المستبعدين إلى مفوضية الانتخابات، وتـــبدو القصة كلها كفيلم كارتون رديء الصنع، فيها مزيج من الفحيـح الطائفي ورائحة العمالة للأمريكيين، ويبدو فيها الجلبي ـ للمفارقة الساخرة ـ كأنه سيادة القاضي، وهو الذي لم يساءله أحد عن جرائم منسوبة إليه باعتراف الأمريكيين أنفسهم، ولا صدر فيه حكم العدالة الذي يقتضي إعدامه بجريرة التمهيد لغزو بلد وهدم دولة وقتل واغتصاب وتهجير ملايين العراقيين والعراقيات .

 

وفي السياق العبثي المجنون ذاته، بدا قرار مجلس محافظة النجف بإخراج البعثيين من المدينة، وهو قرار بليغ في وحشيته البدائية، فهو يخرج الناس من بيوتهم، ويطرد العائلات من أملاكها، ويستولى على أموالهم ويسلب أرواحهم، ودون حكم قضائي يعتد به، ولمجرد الشك في الهوية الحزبية البعثية، وفي تكرار فج لممارسات نسبوها إلى حكم صدام حسين، ونعتوها بالظلم، وكأن الظلم يرد عليه بالظلم، وكأن وازرة تزر وزر أخرى، مع أنهم يتحدثون عن الديمقراطية، وعن الحق في الحرية، وعن تعدد الأحزاب، وعن الحرمان التاريخي لشيعة العراق، ومع ذلك يطردون " شيعة " من ديارهم لمجرد الشك في أنهم بعثيون، أو كانوا كذلك في زمن ما .

 

وقد تكون التصرفات الانتقامية مفهومة الدواعي، وفي سياق بيئة عراقية دامية مخترقة بالنفوذ الأمريكي والنفوذ الإيراني والنفوذ الإسرائيلي مجتمعين، لكن المحصلة تبدو ظاهرة، وتشي بالعدو المشترك للاختراقات جميعا، وهو حزب البعث، وهذه شهادة لصالح البعثيين لايحرم منها سواهم، فقد أثبت البعثيون ـ مع إيمانهم القومي العربي ـ أنهم العراقيون بامتياز، وأنهم القوة التي لا تفنى ولا تتبدد، ليسوا وحدهم طبعا، فثمة شركاء لهم في المقاومة وصمود العراق الحقيقي، ثمة حركات إسلامية مقاومة، وإن لم تتحد الأيادي بعد، والخطر الذي يتهدد الجميع واحد، وترك البعثيين فريسة لطغيان الإحتلال وأعوانه لن يفيد غيرهم، فلن يختفي حزب البعث، والأفضل أن يتحد مجلس المقاومة من حول البعث مع مجلس التخويل الملتف حول رجل جليل بقيمة وقامة الشيخ حارث الضاري .

 

نعم، ندافع عن البعثـيين وحقهم في الحياة والسياسة والمقاومة، وليس عن جرائم نظام سبق، وكان البعث عنوانه .

 

عبد الحليم قنديل

25 يناير 2009

Kandel2002@hotmail.com