الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

المؤتمر القومي العربي في دورته التاسعة عشرة

 

في صنعاء ، وباستضافة الجمهورية العربية اليمنية ، عقد المؤتمر القومي العربي دورته التاسعة عشرة ما بين 10-13 مايو الجاري بحضور 171 عضواً من 18 قطر عربي . وقد حالت أحداث لبنان التي تزامنت مع بدء انعقاده دون حضور حوالي ستين من المؤتمرين والاعلاميين بينهم رموز فكرية وسياسية . ويذكر أنه قبل بضع سنوات خاطب ناقد عربي معروف أعضاء المؤتمر غداة وصولهم بيروت حيث كان مقرراً انعقاده قائلاً: "أيها الديناصورات عودوا لبلادكم". ولكنه بعد ثلاث سنوات من خطابه المستفز وجه للعديد منهم كتاباً يدعوهم الى تحويل المؤتمر لحزب قومي يناضل لانتشال الأمة من واقعها المأزوم . وإذا كان خطابه المستفز يعكس ما كان شائعاً حينها من تصور بأن الدعوة القومية العربية باتت من آثار الماضي ، فإن دعوته لتحويل المؤتمر لحزب قومي مؤشر على تنامي الوعي بان الحراك القومي وحده المؤهل لتقديم الاستجابة الفاعلة تجاه التحديات الداخلية والخارجية التي عجز عن تقديمها النظام الاقليمي العربي ودوله الاعضاء .

 

وكتبت يومها لصاحب الدعوة موضحاً أن مطلبه مناقض لطبيعة المؤتمر ودوره ، باعتباره تجمعاً فكرياً للمؤمنين بالاهداف القومية الستة : الاستقلال الوطني والقومي ، والوحدة، والديمقراطية ، والتنمية المستدامة ، والعدالة الاجتماعية ، والتجدد الحضاري ، بصرف النظر عن خلفيتهم السياسية وانتماءاتهم الفكرية . وتعود نشأته لنخبة من أصحاب التوجه القومي أجرت في مطلع ثمانينات القرن الماضي مراجعة موضوعية لمسيرة العمل القومي اتبعتها بحوارات معمقة مع رموز فكرية وسياسية من التيارات الاسلامية والماركسية والليبرالية، بحيث انتهوا للاتفاق على تشكيل المؤتمر متبنياً الاهداف الستة .

 

ولا يتميز المؤتمر فقط بتواصل انعقاد دوراته السنوية منذ العام 1990، ولا بصيرورته مرجعية شعبية قومية لها احترامها في أوساط المفكرين بحسب ، وإنما ايضاً بالحوار الديمقراطي الذي يلتزم به الاعضاء على الرغم من انتمائهم لمختلف ألوان الطيف السياسي والفكري العربي من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، وما يثقل ماضي غالبيتهم من تراكمات نزاعات الأمس وصراعاته . وعلى مدى دوراته السابقة التزمت أمانته العامة بتقديم "تقرير حال الامة"، المتضمن استعراضاً وافياً للأحداث العربية خلال العام السابق لإنعقاده ، وتحليلاً موضوعياً للواقع العربي بكل أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، تعده نخبة من الأعضاء المختصين، ويحرره عالما السياسة المعروفان د.أحمد يوسف أحمد ، و د.نفين سعد ، تحت إشراف مركز دراسات الوحدة العربية .

 

ولقد تناول "تقرير حال الأمة" للدورة الراهنة المستجدات والمتغيرات الدولية والاقليمية والعربية ، ملاحظاً التوجه دولياً نحو مرحلة من اللاقطبية ، كنتيجة لتراجع التفرد الامريكي بالقطبية وتنامي امكانات وقدرات كل من: الصين وروسيا والاتحاد الاوروبي واليابان . ومقرراً تراجع النظام التركي في العام 2007 عما أبداه عام 2006 من انفتاح على القضايا العربية عامة ، والقضية الفلسطينية خاصة ، فيما تشهد إيران تسارعاً في نمو قدراتها وامكاناتها وطموحاتها القومية . وبالمقابل لم يسبق للنظام الاقليمي العربي أن كان بمثل ما هو عليه راهناً من تشرذم وشلل وافتقاد للمنعة، الأمر الذي يحد من تداعياته الخطرة التنامي الطردي في أداء المقاومة الشعبية في العراق وفلسطين ولبنان والصومال ، الذي وضع مرحلة التغول الامريكية والعربدة الصهيونية على عتبات بداية النهاية . فضلاً عن الحراك السياسي – الاجتماعي والمطلبي الذي ينطوي على مؤشرات واعدة لمشاركة الجيل العربي الجديد فيه، كما في مصر على سبيل المثال .

 

ولقد تدارس المؤتمرون في جلسات مكثفة تقارير لجان المؤتمر السبعة: السياسية، والثقافية ، والاقتصادية ، والعمل القومي المشترك ، والأمن القومي ، والدبلوماسية العربية ، والعمل البرلماني العربي . كما خصصت جلسة لقضية فلسطين والامة العربية بعد 60 سنة من النكبة . وبعد مناقشة تقارير وتوصيات اللجان ناقش المؤتمرون مشروع البيان المشترك وإعلان صنعاء الذي أصدره المؤتمر في آخر جلساته، باعتباره بيانه الختامي. وفيه يقرر المؤتمر أن الخطر الصهيوني يستهدف الوطن العربي بأكمله ، والتصدي له واجب قومي لا يجوز لأي نظام التخلي عنه ، والنضال الفلسطيني إنما هو رأس الحربة في صراع الوجود واللاوجود مع التحالف الاستعماري الاستيطاني ، ويظل شعار "ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة" الشعار الأصدق تعبيراً عن طبيعة الصراع ، ومحصلة خمسة عشر سنة من الانخراط اللامجدي في ملهاة "عملية السلام"؛ كما يقرر إعلان صنعاء أن التحالف الامريكي- الصهيوني يستهدف الانتقال بالوطن العربي من التجزئة القطرية الى التفتيت العرقي والطائفي ، كما هو جار في العراق المحتل، وأن مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المتوفرة والمتاحة سبيل تحرير كل أرض عربية محتلة. وأنه لا يقل عن ذلك تهديداً لأمن واستقرار كل قطر عربي التحالف القائم فيما بين قوى الهيمنة الرأسمالية الخارجية بقيادتها الامريكية وبين القوى المسيطرة على السلطة والمحتكرة الثروة في الاقطار العربية . ولانها قوى تمارس الاستبداد والفساد . الأمر الذي أحدث استقطاباً ، في غالبية الاقطار العربية إن لم تكن جميعها ، ما بين القوى الحاكمة المستبدة والمحتكرة للثروة والنفوذ الاجتماعي ، وبين القوى الشعبية المهمشة سياسياً والتي تعاني الحرمان والبطالة والأمية ، مما يضع أكثر من قطر عربي على عتبات تفجرات اجتماعية عشوائية .

 

ويدين إعلان صنعاء حصار الجوع المفروض على قطاع الصمود والمقاومة بمشاركة رسمية عربية ، ويطالب النظام المصري رفع الحصار ، كما يستنكر تستر النظام الاقليمي العربي على جرائم قوات الاحتلال بقيادتها الامريكية في العراق وعلى منظومة المعاهدات والاتفاقيات التي عقدها نظام المحاصصة الطائفية والعرقية مع الإدارة الامريكية . وفي الوقت الذي يثمن المؤتمر الدعم الايراني للمقاومة في لبنان وفلسطين يستنكر الدور الايراني في العراق المحتل ويدعو النظام الايراني لاعادة النظر في كل مواقفه من الحقوق العربية المشروعة في العراق والخليج العربي إن هو أراد أن يشكل مع الأمة العربية تحالفاً استراتيجياً في التصدي لقوى الهيمنة الرأسمالية التي تستهدف الوطن العربي والعالم الاسلامي .

 

ويؤكد إعلان صنعاء أن التحديات التي تواجه الأمة العربية وتهدد وحدة نسيجها الاجتماعي على المستويين القومي العام والقطري الخاص، تستدعي العمل على صياغة استراتيجية عربية عامة وشاملة ودائمة لإدارة الصراع مع قوى التحالف الامريكي-الصهيوني والقوى الدولية والإقليمية والمحلية العربية السائرة في ركابه . وذلك ما يعمل عليه المؤتمر من خلال المشروع الحضاري العربي الذي يعكف خبراؤه المختصون على صياغته .


عوني فرسخ
23 مايو 2008