الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

بعض انجازات المقاومة في غزة

 

قطاع غزة اليوم ، بما أحدثه من حراك في مشرق الوطن العربي ومغربه ، وبما لقيه صمود مواطنيه الاسطوري ، وثبات مقاومته وادائها البطولي ، من تضامن شعبي وتأييد ابرز مفكري ومثقفي الأمة العربية ، اظهر عمق الشعور بوحدة المسيرة والمصير ، المتجذر في وجدان وثقافة شعوب الامة العربية جميعا . ولقد اعاد قطاع غزة لامته العربية الاعتبار والتقدير في نظر العالم اجمع ، وبما سيكون له انعكاسه الايجابي على النظرة للعرب افرادا وجماعة عند سائر الشعوب ، خاصة نخبها الفكرية والسياسية والاعلامية . فضلا عن تأثيره النفسي لدى غالبية المواطنين العرب ، بانتشالهم من حمأة اليأس والاحباط ، بعد أن تأكد في قطاع العزة ما كانت قد فعلته المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله ، من اسقاط جملة اساطير التفوق الصهيونية ، وبخاصة قوة ردع الجيش الذي كان يقال بانه لا يقهر . فضلا عن تعزيز اليقين بان المقاومة غدت صاحبة المبادرة الاستراتيجية في الاستجابة العربية  للتحدي الامريكي – الصهيوني .

 

ويكاد يجمع المحللون السياسيون والاعلاميون على أن قطاع غزة ، بصمود مواطنيه واداء مقاومته ، فرض حضورا عربيا غير مسبوق على الصعيد العالمي ، يعيد للذاكرة ايام المجد العربي في ازهى سنوات الزمن الناصري . وهو حضور لصمود مواطني القطاع رجالا ونساء دور تاريخي فيه . ذلك لانهم شكلوا على مدى ايام المحرقة ولياليها الحاضنة الشعبية للمقاومة . فضلا عن أنهم أظهروا قدرا عاليا من التكافل الاجتماعي ، وأكدوا بما لا يدع مجالا للشك وحدة الموقف في مواجهة العدوان والقوى الدولية والاقليمية التي راهنت على انتفاضة جماهير القطاع ضد المقاومة ، بفعل فظاعة المحرقة وتصعيد فعلها الاجرامي باستخدام احدث ما في الترسانة الامريكية من اسلحة الدمار الشامل ، والتركيز بشكل متعمد على المدنيين ، والمساجد والمدارس التي احتموا بها . لقد ارادوا بذلك استثارتهم ضد المقاومة . إلا انه على مدى ايام المحرقة ، وكثرة اللقاءات التي اجرتها الفضائيات مع امهات ثكالى فقدن فلذات اكبادهن ، وبرغم مرارة ما صدر عنهن من ادانات للصامتين على المحرقة والمتخاذلين امام الضغوط الامريكية والصهيونية ، لم يصدر عن اي أم ثكالى كلمة سوء واحدة بحق حماس ، ولا حملتها احداهن المسؤولية . وفي مواقف ثكالى القطاع واجماع نسائه على الصمود ، ما يؤكد عمق القناعة الشعبية في القطاع بصحة مواقف المقاومة ، وعميق ايمان رجاله ونسائه بانها تعبر عن ارادتهم في الممانعة والصمود .

 

وفي انتفاضة احرار العالم ، وبخاصة مفكري ومثقفي اوروبا والولايات المتحدة منهم ، واليهود من هؤلاء على الاخص ، انتصارا لصمود مواطني القطاع وثبات المقاومة ما يؤشر لاعتبارهم الفصائل الفلسطينية ممثلة  لحركة تحرر وطني تمارس حق المقاومة المشروع في القانون الدولي ضد احتلال وعدوان غير مشروعين .. الامر الذي يعني في التحليل الاخير ان أحرار العالم لم ينظروا للمقاومة ، خاصة حماس ، باعتبارها ارهابية واسقطوا من اعتبارهم الاتهام غير الموضوعي الذي دأبت على ترديده اجهزة الحكم والاعلام الامريكية والاوروبية ، وتلك السائرة في الركب الامريكي على مدى العالم .

 

ولقد ادانت منظمة العفو الدولية المحرقة الصهيونية واعتبرتها من جرائم الحرب ، فيما تقدمت بوليفيا بالشكوى ضد اسرائيل امام محكمة الجنايات الدولية ، وذلك ما ابدت استعدادها لفعله اكثر من هيئة دولية من هيئات الدفاع عن حقوق الانسان واتحادات المحامين في اكثر من بلد اوروبي وامريكي لاتيني ، ناهيك عن العربية منها . وفي هذا دلالة عدم صحة الادعاء بان اسرائيل ، في حرب الارض المحروقة على قطاع غزة ، مارست حقها في الدفاع عن النفس ، فضلا عن تعرية العنصرية الصهيونية وفضح لاأخلاقية تبرير المحرقة عمن صدرت  عنه وايا كانت دواعيه .

 

وهل لو كانت صواريخ المقاومة عبثية ، واطلاقها ضارا بالقضية الفلسطينية ويخدم اسرائيل ، لما هرولت وزيرة خارجيتها الى واشنطن لتوقع مع كوندليزا رايس في ايام عملها الاخيرة على كتاب ضمانة امريكية لأمن اسرائيل ؟ وهل لو كانت المحرقة الصهيونية حققت نجاحا في المهمة التي كلفت بها من قبل الادارة الامريكية وادواتها الاقليمية تداعى رؤساء الدول الاوروبية الرئيسية الستة إلى "اجماع أوروبي" ، يعيد الى الذاكرة الاجماع الذي أجهض طموح محمد علي لاقامة امبراطورية عربية عصرية . وكأن قطاع غزة بات امبراطورة عظيمة الجبروت يتطلب اتقاء خطرها فرض سيطرة اساطيل حلف الاطلسي على البحر الاحمر وشرقي المتوسط ، وضبط موانىء المشرق العربي لمنع ما اسموه تهريب السلاح الذي يهدد امن واستقرار وسلامة الدولة التي تمتلك سادس جيش في العالم من حيث عدته وعتاده ، وتحتل موقعا متميزا في انتاج مختلف انواع الاسلحة وتصديرها ، ولها من عمقها الامريكي والاوروبي دفق دائم من احدث اسلحة الدمار الشامل !!!

 

ومن انجازات صمود قطاع غزة وثبات مقاومته دور الحراك الشعبي العربي ما بين المحيط والخليج الذي استنهضته المقاومة ، والغضب المكبوت الذي فجرته لدى جماهير الامة ، في المصالحة التي شهدتها قمة الكويت بين قادة مصر والسعودية وسوريا وقطر . وهي مصالحة بقدر ما اشاعته من ترحيب عربي عام ، بقدر ما يساور كثيرين القلق على بقائها واستمرارها إن لم تعزز بتوافق فيما بين توجهات الانظمة وما التقت عليه شعوب الامة من اعتبار اسرائيل العدو الأولى بالمواجهة والتصدي ، ولم تستكمل هذه المصالحة بالعمل على تحقيق التوافق الوطني داخل كل قطر ، والقدر الاكبر من التكامل القومي على مختلف الاصعدة .

 

والجدير بالتنويه به والابراز ما شهدته ايام المحرقة من التقاء غالبية فصائل المقاومة في المشاركة الميدانية ، وما بدا جليا من تراجع ما بين هذه الفصائل من نزاعات وحسابات  . بل وبدت وكأنها فصيل واحد تحركه وتوجهه قيادة واحدة ينفذ الجميع ما تقرره . وكأنه لم يعد هناك سوى فريقين : فريق المقاومة بقيادة حماس ، وفريق اوسلو بزعامة محمود عباس . الأمر الذي يعني ان صمود مواطني القطاع الاسطوري ، وثبات مقاومته البطولي ، قد ضبطا التناقضات فيما بين الفصائل ووضعاها على طريق العمل لتحقيق المصالحة والوحدة الملتزمة بالثوابت الوطنية ، واعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية واجهزة العمل الوطني الفلسطيني كافة . وحجر الزاوية  لتحقيق هذا الطموح العزيز انما يكون باعادة تشكيل المجلس الوطني بالانتخاب المباشر حيث امكن ذلك ، وبانتخاب اللجنة التنفيذية للمنظمة من قبل المجلس المنتخب ، واعادة تنقيح الميثاق الوطني مما لحقه من تشويه سنة 1996 نزولا على الارادة الامريكية – الصهيونية .

 

عوني فرسخ

23 يناير 2009