الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

ماذا يعني الاعتراف بالكيان "دولة يهودية"؟

 

في حفل بدء "المفاوضات المباشرة" طالب نتنياهو بالاعتراف بالكيان "دولة يهودية"، والمؤشرات كثيرة على تأييد الادارة الأمريكية مطلبه.  علماً بأن قبول أي جهة عربية رسمية أو شعبية بذلك انما يعني إقرارها بصحة كل الادعاءات الصهيونية، واعترافها بمشروعية كل ما اقترفه الصهاينة بحق العرب منذ بداية الصراع، وبالتبعية ادانة الكفاح العربي ضد العدوان الصهيوني.  فضلاً عن أن العربي القابل بذلك يعطي الانطباع بعدم ممانعته لأي اجراء قد يتخذه الصهاينة مستقبلا لكي يفرضوا النقاء العنصري اليهودي في الكيان الصهيوني.  وليست جديدة الدعوة الصهيونية لدولة يهودية، ولا هو بالجديد تأييد الدول راعية المشروع الصهيوني لهذا الطلب العنصري.  بل إن الدعوة الصهيونية، وتأييدها الدولي، سابقان لحفل التقاط الصور في الخارجية الأمريكية بأكثر من مائة عام.

 

        فهرتزل أصدر سنة 1896 كتابه "دولة اليهود"، وعلى أساسه عقد المؤتمر الصهيوني الأول في السنة التالية، وأصدر "بيان بازل" كوثيقة استراتيجية ودليل عمل لاستعمار فلسطين واقامة "الدولة اليهودية" فيها، بعد إفراغها من شعبها العربي، عملاً بشعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".  ويقدم هرتزل في يومياته – مجلد 1ص 99 – صيغة التطهير العرقي التي يوصي بها بقوله: " إذا ما انتقلنا الى منطقة فيها حيوانات متوحشة لم يعتد عليها اليهود – أفاع كبيرة وغير ذلك – فسوف استخدم سكان البلاد، قبل ترحيلهم الى الدول التي سينقلون إليها، من أجل القضاء على هذه الحيوانات".

 

        وكثيرة هي المصادر الموثقة التي أشارت إلى أنه في أعقاب إجبار محمد علي باشا على سحب جيوش مصر من بلاد الشام سنة 1840، برزت الدعوة الاستعمارية الى اقامة حاجز بشري غريب في فلسطين، ليفصل بين جناحي الوطن العربي الآسيوي والافريقي، بحيث يكون مانعا للوحدة العربية وكابحاً لدور مصر القومي التاريخي.  وفي ضوء هذا التوجه يقرا وعد بلفور لإقامة "وطن قومي يهودي" في فلسطين.  فهو وإن لم يأت على ذكر "الدولة اليهودية" صراحة، إلا أنه كان بمثابة مخطط إقامتها في عموم فلسطين.  حيث اعتبر اليهود شعبا له حقوق قومية، فيما تجاهل الانتماء القومي لعرب فلسطين، وامتلاكهم كل مقومات الشعب المتعارف عليها، كما أنكر وجودهم الطبيعي في وطنهم التاريخي، إذ لم ير فيهم سوى "طوائف غير يهودية تعيش حالياً في فلسطين" دون بيان لطبيعة هذا العيش:  هل هو على أساس المواطنة، أم الإقامة الدائمة، أم الإقامة المؤقتة ؟.  ثم إن الوعد الذي أقرته الحكومتان الفرنسية والايطالية والإدارة الأمريكية فور صدوره، أنكر الحقوق السياسية للشعب العربي الفلسطيني حيث حصر حقوق هذه "الطوائف" بالحقوق الدينية والمدنية التي أوصى بعدم الإجحاف بها.

 

        وكانت عصبة الأمم قد أصدرت في 24/7/1922 صك انتداب بريطانيا على فلسطين، مضمنة إياه وعد بلفور، لتكون مسؤولة عن انشاء "الوطن القومي اليهودي".  فضلاً عن اعتراف العصبة في مقدمة الصك بما أسمته "الصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين، وبالأسباب التي تبعث على إعادة إنشاء وطنه القومي في تلك البلاد".  وبموجب المادة الرابعة من صك الانتداب اعترفت العصبة بالوكالة اليهودية "كهيئة لإسداء المشورة الى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في انشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين"، وكان الصهاينة حينها11.14% من سكان فلسطين.  وبرغم كون العرب هم الأكثرية وأصحاب الوجود الطبيعي والتاريخي لم يخصهم صك الانتداب بشيء من ذلك.  وعلى مدى سنوات الانتداب مارست الوكالة اليهودية دور الدولة داخل الدولة في كل الشؤون الفلسطينية.

 

        غير أن ممانعة ومقاومة الشعب العربي الفلسطيني حالت دون نجاح كل جهود بريطانيا في أن تجعل من فلسطين يهودية كما هي انجلترا انكليزية، وفق ما استهدف ذلك وعد بلفور وكلفت لتحقيقه بموجب صك الانتداب.  فحين أحالت بريطانيا الصراع العربي – الصهيوني للجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1947 كان العرب لما يزالوا هم الأكثرية بواقع 67% من السكان ويمتلكون 47.61 % من أراضي فلسطين، فيما اليهود 31% من السكان يمتلكون 5.76 % من الأرض، بينما 46.20% منها أملاك دولة.  وفي مجافاة صارخة للواقع الفلسطيني أصدرت الأمم المتحدة قرار التقسيم رقم 181 لسنة 1948 وبحيث خصصت للقسم اليهودي  56.47% من مساحة فلسطين الكلية، وللقسم العربي 42.88%، ولمنطقة القدس الدولية 0.65%.

 

        ولقد ضم القسم الذي خصص لليهود 407 آلاف مواطن عربي، بما يعادل 44.97% من سكانه، ويمتلكون 24.34% من مساحته مقابل 9.38% يمتلكها الصهاينة و 66.04% املاك دولة.  ولم يكن التجمع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني بزعامة بن غوريون ليرضى بالأمر الواقع المتمثل بكيان ثنائي القومية، في حين أن غالبيته مسكونة بفكرة "الدولة اليهودية".  ولتحقيق الطابع العنصري للكيان الجديد مارست القوات الصهيونية في حرب 1948/1949 بقرار رسمي عملية تطهير عرقي طالت 85% من مواطني 530 مدينة وقرية عربية.  وذلك ما وثقه عدد من المؤرخين الاسرائيليين الجدد، وفي مقدمتهم بني موريس.  وتوضح دراسة د. عاطف قبرصي- استاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة مكماستر الكندية - أن ما خلفه اللاجئون في الأرض المحتلة سنة 1948 من عقارات وأموال منقولة تقدر قيمتها بأسعار ذلك الزمن بمبلغ 57.8 مليار دولار أمريكي، وعائدها السنوي 2.3 مليارا.  وانه بإعمال معدل استثمار بواقع 4% سنوياً، وهو المعدل الوسطي للاستثمار في فلسطين خلال سنوات 1944/1948، تبلغ قيمة ممتلكات اللاجئين 631.5 مليار دولار وعائدها السنوي 25.26 ملياراً سنة 2005.

 

        والمستهدف صهيونياً من انتزاع الاعتراف العربي والدولي بالكيان "دولة يهودية" اعتباره وطناً قومياً قاصراً على اليهود.  غير أن الظروف الدولية والصهيونية والعربية الراهنة، وبخاصة تنامي فعالية قوى الممانعة والمقاومة العربية، تحول دون تنفيذ غلاة الصهاينة ومؤيديهم على جانبي الأطلسي مخططات التسفير القسري "الترانسفير" للمواطنين العرب من الكيان.  وبالتالي يغدو المستهدف عملياً انما هو حق العودة وحقوق المواطنة للعرب داخل الكيان.  ما يمس في الصميم مصالح 75% من شعب فلسطين، والواقع المجتمعي في الأردن وسوريا ولبنان حيث يقيم نحو 70% من اللاجئين.  وليس سوى المراجعة الجذرية الشاملة لمجمل السياسات العربية الراهنة، بالتوجه الجاد لإقامة الجبهة الوطنية في كل قطر، الملتزمة بالتكامل القومي، والديمقراطية، ودعم قوى الممانعة والمقاومة، باعتبار ذلك الاستجابة القادرة على تفعيل المكون الحضاري العربي، وتعميق مأزق الكيان، وافشال محاولة انقاذه بفرض الاعتراف به "دولة يهودية".

 

عـوني فرسـخ

21 سبتمبر 2010