الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

مؤشرات إعادة إنتاج "اوسلو" في لقاء انابولس

 

     اللقاء الذي دعا له الرئيس بوش ، وسوقته أجهزة الإعلام على انه "مؤتمر دولي للسلام " ، تقرر عقده في انابولس في الولايات المتحدة . والمرجح أن يلبي الدعوة غالبية ممثلي الدول الاثنتين والثلاثين المدعوة ، إن لم يكونوا جميعهم ، برغم ما أبداه بعضهم من تردد وتحفظ . واللقاء "المؤتمر " وإن لم تحدد له مرجعية ، أو برنامج عمل ، موضوع اهتمام كل من هو معني بالصراع العربي – الصهيوني . فوزيرة الخارجية الأمريكية زارت المنطقة خمس مرات خلال الشهرين الماضيين ، فضلا عن اتصالاتها المكثفة مع صناع القرار فيها لتُسمع كلا منهم ما رأته ضروريا لتأمين حضوره . فيما توالت لقاءات رئيس سلطة حكم الذات في الضفة والقطاع المحتلين السيد محمود عباس مع رئيس وزراء دولة الاحتلال الصهيوني أيهود أولمرت . وعلى مدى الوطن العربي تعددت بيانات التحذير من إعادة إنتاج اوسلو في ربوع أنابولس الأمريكية .

 

     والجدير بالتذكير به أن اللقاء "المؤتمر " سيجري في ظرف دولي وإقليمي متميز كيفيا عما كانت عليه الحال عندما عقد لقاء اوسلو في عتمة عام 1993 . فالإدارة الأمريكية مأزومة في العراق وأفغانستان ، وتواجه تحديا متصاعدا في أمريكا اللاتينية ، فيما شعبية الرئيس بوش تدنت في الشارع الأمريكي على نحو غير مسبوق في تاريخ الرئاسات الأمريكية . وإسرائيل ، حكومة وجيشا ، لما تتعافى بعد من فشلها المريع في العدوان على لبنان في صيف 2006 . وبالمقابل فشل حصار الجوع في استلاب إرادة الشعب العربي الفلسطيني .

 

    وهو ظرف بالتأكيد غير ملائم للاداة الامريكية وحليفتها الاستراتيجية . وما كان الرئيس بوش ليدعو للقاء "المؤتمر" ما لم تكن مصادر معلوماته تؤكد له عجز صناع القرار العربي عامة ، والفلسطينيين منهم خاصة ، عن تفعيل الامكانات والقدرات المتوفرة لديهم والتفاعل بايجابية مع متغيرات المرحلة . ولولا انه واثق ،  استنادا لذلك ، من قدرته واجهزته على توظيف اللقاء "المؤتمر" بما يخفف من حدة المأزق الذي تعانيه إدارته والازمة المتحكمة بصناع القرار الصهيوني لما دعا له .

 

     وبدلا من تصرف الرئيس محمود عباس واركان سلطته في ضوء الانجاز الذي حققته المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق ، والمأزق الامريكي والنكسة الصهيونية ، تصرفوا وكأنهم لا زالوا اسرى نهج اوسلو الاستسلامي ، كما يستدل على ذلك من مواقف وتصريحات الرئيس خلال الاسابيع القليلة الماضية . فقد ذكرت "معاريف" في الخامس من الشهر الجاري ، استنادا لمصدر إسرائيلي ، نقاط الخلاف في لقاءات رئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس السلطة الفلسطينية وممثلي الطرفين . إذ مقابل مطالبة الفلسطينيين التوصل لاتفاق خلال ستة شهور أبدى الإسرائيليون عدم استعدادهم للالتزام بجدول زمني . وأنهم غير مستعدين للحديث فيما أسموه "مسائل اللباب " في قضايا : القدس ، واعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية بسيادة فلسطينية كاملة . واللاجئين ، وحل مشكلتهم على أساس قرار الأمم المتحدة رقم 194 وحق العودة . والحدود ، بترسيم حدود الدولة الفلسطينية وإخلاء المستوطنات وإقامة "ممر آمن" بين غزة والضفة . كما أكدت الصحيفة الإسرائيلية أن الرئيس محمود عباس وافق على ما اعتبرته "المطالب الإسرائيلية - المركزية " دون أن تبين ماهية هذه المطالب .

 

    وتحت عنوان " مؤشرات على تقارب غير مسبوق في الموقف بين عباس وأولمرت ذكرت نشرة "المركز الفلسطيني للإعلام " في مدينة الناصرة . أن الإذاعة العبرية نقلت يوم الجمعة ، الثاني عشر من الشهر الجاري – يوم العيد في فلسطين المحتلة - عن مصدر مشارك في الفريق الفلسطيني المفاوض مع حكومة الاحتلال ، أن الجانب الفلسطيني بات يوافق على الطروحات التي كان الكيان الصهيوني قد عرضها على الفلسطينيين خلال مؤتمر طابا قبل ست سنوات ، والتي رفضها في حينه الرئيس الراحل ياسر عرفات  . وأن الجانب الفلسطيني يرى وجوب أن تسمح حكومة الاحتلال بعودة اللاجئين إلى ارض الدولة الفلسطينية حال قيامها ، بالإضافة إلى تمكين عدد رمزي منهم من دخول الأراضي المحتلة سنة 1948 . وختمت الإذاعة الإسرائيلية قولها ، استنادا للمصدر ذاته ، إن الفجوات ليست كبيرة بين مواقف رئيس حكومة الاحتلال ورئيس السلطة ، لكن الفريق الإسرائيلي المفاوض يبدو مترددا ويخشى المضي قدما . ولم يصدر عن الرئيس ، أو أي من أركان سلطته ومستشاريه ، نفي لما ذكرته "معاريف " وأذاعته محطة الإذاعة الإسرائيلية ، مما يؤكد صحة ما نسب للرئيس وفريقه المفاوض .

 

     وحين يؤخذ في الحسبان أن مؤتمر طابا عقد في أوج مرحلة القطبية الأمريكية والعربدة الصهيونية ، وأيام أن كان الرئيس الراحل ياسر عرفات شبه محاصر ، ولم يكن للمقاومة العربية ذكر ، وقبل أن يكثر المتحدثون الأمريكيون عن نهاية الطموحات الإمبراطورية للمحافظين الجدد ، وتحول إسرائيل من رصيد استراتيجي إلى عبء يثقل كاهل دافع الضرائب الأمريكي ، يدرك مقدرا التردي في الموقف السياسي للفريق المتفرد بصناعة القرار الوطني الفلسطيني ، وبالتالي حجم التنازلات المتوقع أن يقدم عليها المسؤولون تاريخيا وأخلاقيا عن اتفاق اوسلو سيء السمعة ، وبالتبعية فالاحتمال الأرجح أن تأتي إعادة إنتاج اوسلو في لقاء انابولس على ما أبقاه لقاء اوسلو من بعض الحقوق الفلسطينية .

 

     وما كان التردي في الأداء السياسي لأركان سلطة حكم الذات يصل هذا المستوى لو أنهم أوفوا بما تعهدوا به في مارس ’ آذار 2005 حول تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية واعادة بناء مؤسساتها . أو لو أنهم استجابوا لمساعي رأب الصدع والدخول في حوارات جادة وبناءة مع مختلف القوى والشخصيات الوطنية لاقامة الجبهة الوطنية والقيادة الجماعية ،  الملتزمين بالثوابت التي تأسست عليها منظمة التحرير وتضمنها الميثاق الذي اقره المجلس الوطني الاول بالقدس في ربيع 1964 ، وتبنتها مختلف الفصائل والقوى والشخصيات ، باعتبارها اسس الشرعية الوطنية الفلسطينية والتي بدون الالتزام بها لا تعتبر المنظمة الممثل الشرعي للشعب العربي الفلسطيني . فضلا عن أن في تواصل مسلسل التنازلات ما يوسع الفجوة مع قوى المجتمع العربي الفلسطيني الملتزمة بالمقاومة خيارا استراتيجيا ، ويفاقم بالتبعية من حدة ازمة العمل الوطني الراهنة ، ويعرض وحدة "فتح" لخطر مؤكد .

 

    والسؤال الاخير : ما الذي يقوله رجالات  "فتح" الذين ما زالوا أوفياء لدماء شهدائها في اعادة انتاج اوسلو على نحو أكثر بؤسا في لقاء أنابولس ؟!! .

 

عوني فرسخ
20 أكتوبر 2007