الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

مظاهر التراجع العربي ، وضرورة النهضة

 

يعيد غالبية المؤرخين العرب انتكاسة الحضارة العربية الاسلامية ، وتخلف الأمة العربية عن مواصلة الانجازات التي حفل بها القرنان الاولان للهجرة ، إلى تداعيات اخراج المعتصم العرب من " ديوان الجند " من أيلولة صناعة القرار في دولة الخلافة العربية الاسلامية  لمرتزقة الجند وجواري القصر ، وما تسبب به ذلك من تخلف فكري ، وجمود عقائدي ، وتشرذم سياسي ، واصطراع على السلطة ، بحيث افتقدت الامة المنعة تجاه غزو الفرنجة المعروف تجاوزا بمصطلح "الحروب الصليبية" ، واجتياح المغول والتتار ، الذين دمروا معالم العمران في المشرق العربي ، وانهكوا شعوبه التي تحملت عبء التصدي للغزاة . فضلا عن أن مطلع القرن السادس عشر الميلادي لم يشهد فقط بداية السيطرة العثمانية ، وبالتبعية سقوط السيادة واستقلالية الارادة العربيتين ، وإنما شهد ايضا سيطرة طلائع الاستعمار الاوروبي على الملاحة في اعالي البحار ، واحتكارهم التجارة الدولية ، مقصين العرب عن دورهم التاريخي فيها ، وبالتالي فقدان مصدر الرخاء العام والخاص في بلاد تغلب عليها الصحراء مقابل تدني نسبة الارض الصالحة للزراعة.

 

ولقد استعرض "المشروع النهضوي العربي " بشكل واف "مظاهر التراجع الداعية للاستنهاض ،  وأولها ما اعتبره "تداعيات الهزائم العسكرية " منذ نكسة 1967 ، التي اصلت لدى صناع القرارات الرسمية شعورا عميقا بالهزيمة قادهم للتنازل عن الثوابت ، والتفريط بالحقوق ، واللهاث وراء التسويات المجحفة ، واسقاط الخيار الدفاعي ، والتمسك الاعمى بالحل الامريكي ، ما اورثهم العجز عن استثمار انجازات قوى الامة الحية ، المتمثلة في حرب الاستنزاف ، وحرب 1973 ، واداء المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق  . بل والتخلي عن دعم هذه القوى ما افضى الى اعاقة ترجمة انجازاتها الى مد قومي شامل.

 

ثم تناول المشروع فساد سياسات الاقتصاد الرسمية ، مركزا على الانتقال من الاقتصاد الموجه الى اقتصاد حر بلا ضوابط . بحيث بيعت ممتلكات الدولة والشعب لفاسدي القطاع العام وناهبي الثروة العامة . فضلا عن شيوع الاستدانة وتبعاتها الخطرة على مالية الدولة ، والانصراف المتزايد عن الانشطة الانتاجية الى التجارة والخدمات والاقتصاديات الطفيلية ، ما تسبب في انهيار الامن الاقتصادي والغذائي ، وازدياد الفوارق الطبقية ، وارتفاع درجة الاحتقان الاجتماعية ، المهدد السلم الاهلي والاستقرار في أكثر من قطر عربي.

 

كما سلط المشروع الضوء على تزايد وتائر استبداد وتسلط انظمة الحكم ، واهدار الحريات العامة وحقوق الانسان ، وانسداد آفاق التغيير . كنتيجة لاحتكار السلطة ، وتهميش سائر القوى السياسية ، وتغول اجهزة الامن والاستخبارات ، وانتهاك القانون والدستور إن وجد ، وخرق استقلالية القضاء باخضاعه للسلطة التنفيذية ، واحتكار الاعلام السمعي والبصري ، وفرض احكام الطوارىء والقوانين الاستثنائية . بل وحولت الدولة في بعض الاقطار الى ملكية الحاكم ، كما يتضح من اعتماد سياسة التوريث.

 

وبعد أن كان المراجعون العرب الجدد ينادون بما اسموه "مصالحة" الدولة القطرية ، نجد "المشروع النهضوي العربي " ينص (ص 19) : لقد وأدت الدولة القطرية العربية فكرة الوحدة العربية ، لأن المصالح السياسية والطبقية التي يستند اليها النظام السياسي فيها ، والنخب الحاكمة فيه ، تنامت وترسخت الى الدرجة التي بات الدفاع عنها هو الهدف الاستراتيجي لتلك النخب" . كما يقرر بأن علاقات الدول العربية بعضها ببعض انحدرت الى درك مخيف . فضلا عما بات يعانيه النظام القطري من تحلل وتفكك وبداية انفراط عقده ، كما في الصومال والعراق.

 

ويلاحظ المشروع انه بسقوط الاتحاد السوفياتي افتقدت الدول المتوسطة والصغرى عالم القطبية الثنائية الذي وفر لمن يملك الارداة منها قدرا من حرية الحركة في الساحة الدولية . وقد بدا احتلال العراق في 2003 وكأن الولايات المتحدة تشق طريقها بثبات للهيمنة على الوطن العربي ، غير أن المقاومة العراقية افشلت ذلك . فضلا عن انعكاسات الازمة المالية الامريكية ، وصعود الصين وروسيا ، وعودة اليسار للسلطة ديمقراطيا في عدد من دول أمريكا اللاتينية . كما يلحظ المشروع أن العولمة ، التي تمثل ذروة تطور النظام الرأسمالي  ، ستنقل الانسانية الى آفاق عليا من التطور الفكري والعلمي والتكنولوجي والسياسي والاجتماعي . الأمر الذي يدعو لاتخاذ منهج صحيح للتعامل مع ظاهرة العولمة بكل ابعادها . وفي مقدمة ما يحتاجه الوطن العربي ثورة علمية ، تقضي على الأمية ، وتعيد بناء مؤسسات التعليم ومراكز الابحاث ، والالتزام بحقوق الانسان.

 

وبالانتقال الى الصعيد الاقليمي يسلط المشروع الضوء على الآثار الكارثية لمعاهدتي الصلح مع مصر 1979 والاردن 1994 واتفاق اوسلوا 1993 ، واستشراء الانقسام بين فصائل المقاومة الفلسطينية . كما يؤكد اهمية تفعيل القواسم المشتركة مع ايران وتركيا والبلدان الافريقية ، بايجاد المعادلة الصحيحة في مجمل العلاقات الاقليمية للنظام العربي.

 

ويتناول المشروع بالتحليل تجربة النهضة العربية الاولى التي بدأها محمد علي باشا وابنه ابراهيم في مصر ، وأحمد الباي في تونس ، ومحمد الرابع والحسن الاول في المغرب ، وما بينها من جوامع ومشتركات ، وبخاصة تحديث الجيش ، والاصلاح المالي والاداري ، وما ارسته من تراث فكري اصلاحي . ساهم فيه مفكرون في طليعتهم : رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي . كما يقف مع تجربة النهضة الثانية التي دشنتها ثورة 23 تموز / يوليو 1952 بقيادة عبدالناصر ، وتأثيراتها البالغة في مجمل الوضع العربي الشعبي والرسمي . إذ بقدر ما حملت الفكرة القومية النهضوية الى الآفاق العربية ، وكرستها في الراي العام واستولدت جمهورها العربي ، بقدر ما قدمت مثالا مرجعيا لتجارب عربية في العراق والجزائر وسوريا . وإذا كانت تجربتا النهضة قد اجهضتا بالتآمر الدولي ، فليس ذلك خاتمة المطاف بل من الواجب اعادة قراءتهما في ضوء ظروفهما التاريخية ، وفي افق البناء على ما انجزتاه من مكتسبات للانطلاق بمشروع نهضوي جديد.

 

ويقرر "المشروع النهضوي العربي " أن ما تحتاجه الامة راهنا الرد على المعضلات الست المفروضة على الواقع العربي ، وعلى العقل العربي ، منذ قرنين : الاحتلال ، والتجزئة ، والاستغلال ، والاستبداد ، والتأخر التاريخي . وهو رد يتمثل في : الاستقلال الوطني والقومي ، والوحدة العربية ، والتنمية المستقلة ، والعدالة الاجتماعية ، والديمقراطية ، والتجدد الحضاري . كمنظومة مترابطة يتصل الواحد منها بالآخر.

 

عـوني فرسـخ

1 مـايو 2010