الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

ردة الفعل العربي تؤكد مركزية القضية الفلسطينية

 

تكررت خلال الشهور الاخيرة شكاوى  العديد من المفكرين والمثقفين العرب ، المعروفين بصدق التزامهم الوطني والقومي ، من تراجع اهتمام المواطن العربي بالقضية الفلسطينية التي كانت منذ عشرينات القرن  الماضي القضية المركزية للشعب العربي ، وبخاصة نخبه الفكرية والسياسية ، ما بين المحيط والخليج . وهو تراجع يعود في أهم اسبابه لما شهدته السنوات الاخيرة من تهافت رسمي عام ، وسلطوي فلسطيني خاص ، على الصلح والتطبيع مع الكيان الصهيوني على الرغم من وضوح عدم استعداده تجمعا استيطانيا وصناع قرار للتجاوب مع المبادرات الرسمية العربية بما تستحقه من تقدير واهتمام ، والمثال الابرز الموقف من مبادرة القمة العربية للعام 2002 على ما حفلت به من تنازلات عن الثوابت الوطنية الفلسطينية والقومية العربية .

 

وليس تنكر الاثار السلبية للواقع العربي المأزوم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ، وما تسبب به من انشغال غالبية المواطنين العرب الساحقة بشؤونهم الخاصة عن الشأن العام ، وارتفاع دعوات الخلاص الذاتي على المستويين الفردي والمجتمع ، كما تعكس ذلك شعارات "القطر اولا" المرفوعة في أكثر من عاصمة عربية . غير أن ما لا يأخذه في حسبانهم الشاكون من انحسار الاهتمام بالقضية الفلسطينية ان الصهيونية منذ غزت الارض العربية ، بالتحدي المستفز الذي جسدته ، شكلت ابرز محفزات الوعي والحراك السياسي العربي قطريا وقوميا ، بحيث اعتبرت في نظر كثير من المفكرين العرب بانها ابرز خمائر التغيير في الواقع العربي .

 

وإذا كان صناع قرار التحالف الامريكي – الصهيوني قد تعمدوا بحرب الارض المحروقة في قطاع غزة استكمال ما استهدفه حصار الجوع والحرمان من فرض الاستسلام الذليل على قطاع الممانعة والمقاومة . فضلا عن محاولتهم استعادة فعالية قوة الردع الصهيونية التي اسقطتها قوى المقاومة في لبنان  وفلسطين . فانهم بالمحرقة التي اقترفوها ، ولا يزالون ، فجروا مخزون الغضب المكتوم ليس فقط عند شعب فلسطين وانما ايضا لدى شعوب الامة العربية كافة . وفي ردات الفعل الغاضبة التي اجتاحت العواصم والمدن العربية ما بين المحيط والخليح ، ما يؤكد ان القضية الفلسطينية انما هي القضية المركزية للامة العربية ما دام الاستيطان الصهيوني قائما على الارض العربية .

 

ولان العرب ينتسبون لامة واحدة فانهم ، وان قامت الحدود فيما بين اقطارهم ، شديدو التأثر بمجريات الامور في كل قطر من اقطارهم ، الايجابي منها والسلبي على السواء . وإن قراءة مسيرة العرب على مدى القرن العشرين لتوضح انهم كانوا شركاء مسيرة ومصير ، وان واقع التجزئة لم يضعف قوة الجذب بينهم التي تجلت ابان حملة ابراهيم باشا على بلاد الشام في ثلاثينات القرن التاسع عشر ، ونبه لخطورتها روتشيلد في رسالته لوزير خارجية بريطانيا بالمرستون سنة 1840 ، والتي دعا فيها لاعادة يهود اوروبا الى فلسطين بحيث يشكلون حاجزا بشريا غريبا يفصل بين مصر وبلاد الشام . تحسبا من أن يقوم بمصر نظام يلتزم بالنهج الذي سار عليه محمد علي ، أو تتكامل مصر مع المشرق العربي . وهو التكامل الذي كان عبر تاريخ المنطقة الممتد سبيل دحر كل الغزاة من الغرب الاوروبي جاءوا أم من الشرق الاسيوي .

 

وإذا كانت المقاومة الفلسطينية منذ عشرينات القرن الماضي شديدة التأثر بالواقع العربي ، خاصة في دول الجوار ، وفي مصر على الاخص ، إلا أنها منذ هبة البراق سنة 1929 شكلت رافعة الحراك العربي العام وفي مصر خاصة ، ليس فقط لعمق المشاعر العربية والاسلامية في ارض الكنانة غنية الموروث الحضاري ، وانما ايضا لكون الخطر الاعظم الذي واجهته مصر منذ غزو الهكسوس مطلع القرن التاسع عشر قبل الميلاد انما جاءها من الشرق ، بحيث ان جميع معارك مصر التاريخية وقعت على ارض فلسطين وما وراءها . وعليه تأصل في الفكر الاستراتيجي بمصر ارتباط الامن الوطني المصري بفلسطين . وفي "فلسفة الثورة" كتب الرئيس عبدالناصر يقول عن شعوره وهو محاصر في الفلوجة سنة 1948 : لم اشعر انني اقاتل  في ارض غريبة " . ولقد دفعت مصر الثمن الاعلى في كل الحروب التي فرضها الغزاة الصهاينة  ورعاتهم الاوروبيون والامريكيون على المشرق العربي ، وفاء لالتزامها الوطني وانتمائها القومي.  

 

ولقد توفرت اليوم فرصة تاريخية لقوى المقاومة الفلسطينية لتطوير ردات الفعل الشعبية العربية نحو فعل عربي ينتشل الواقع العربي من التردي الذي احدثه المهرولون باتجاه الصلح والتطبيع ، إن ارتفع صناع قرار فريق اوسلو لمستوى الاحداث . وإذا كان الصامدون في غزة يصنعون بثباتهم المأثرة الفلسطينية التاريخية ، مأثرة تأكيد سقوط  قوة الردع الصهيونية ، وافشال مخطط التآمر الامريكي ، فان على الرئيس عباس وفريقه مراجعة جذرية لمسيرتهم ، بدءا من الوقف الحاسم للمفاوضات غير المجدية مع الصهاينة ، ووقف التنسيق الامني معهم ، والانفتاح دون اي شروط على حماس والجهاد الاسلامي والمبادرة الوطنية وبقية الفصائل والقوى والشخصيات صادقة الالتزام بالمقاومة خيارا استراتيجيا ، وصولا الى حوار غايته تحقيق "وحدة وطنية " مؤسسة على الالتزام بالمقاومة والثوابت التي قامت عليها منظمة التحرير الفلسطينية ، وتضمنها ميثاقها القومي ، ثم الوطني ، قبل ما لحق الاخير من تشويه سنة 1996 .

 

وإذا كان التطبيع السلطوي عملا باتفاق اوسلو قد يسر على المتهافتين على الصلح والتطبيع الاندفاع في رهانهم غير المحسوب على الادارة الامريكية وصناع القرار الصهيوني ، محتجين بمقولة "ترضى بما يرضى به الفلسطينيون " ، فان في تصويب مسار الذين انخرطوا لسنوات ممتدة في مفاوضات غير مجدية ، وراهنوا على سلام مستحيل التحقق مع استعمار استيطاني عنصري مهما قدموا من تنازلات ، أن يجروا مراجعة جذرية لنهج التسوية الذي التزموا به ، إن هم ارادوا ان يكون لهم دور في تاريخ شعب الصمود والممانعة والمقاومة . وليأخذوا في حسبانهم ان المحرقة الصهيونية ، التي فاقت في بشاعتها ودمارها "الهولوكوست" النازية ، شكلت مفصلا في تاريخ شعب فلسطين وامته العربية . فضلا عن أن ردة الفعل التي احدثتها عربيا وعالميا سلطت الاضواء الكاشفة على كل المواقف ، الفلسطينية الخاصة والعربية العامة ، ووضعت الجميع امام الامتحان . والسؤال الاخير هل يراجع المراهنون على "عملية السلام" حساباتهم بعد كل الذي تكشف من تواطؤ اطرافها على حق مقاومة العدو المحتل المشروع في القانون الدولي أم أنهم باتوا اسرى رهانهم الخاسر  ؟

 

عوني فرسخ

1 يناير 2009