الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

النظام الرسمي العربي في ميزان الواقع1

 

قد يوحي عنوان المداخلة المكرّسة للحديث عن النظام العربي السائد بوجود نظام رسمي عربي واحد وثابت ومتميّز ومعروف . إلاّ أن حقيقة الوضع لا تأتلف مع الواقع الراهن ولا تنبئ بوجود مثل هذا النظام . ولكيلا نغوص في شرح المفردات وتحليل المصطلحات وتحديد نطاق الكلمات التي تعنينا هنا (أي النظام - الرسمي – العربي) فإننا نكتفي بعبارة تحظى ، في اعتقادنا ، بإجماع الباحثين وتتلخص في افتقاد العرب حتـى اليوم ، رغم الجهود المبذولة ، نظاماً رسمياً عربياً ، متلاحماً ومتكاملاً ومتماسكاً ، يُعبّر عن مشاعر الغالبية من العرب ويُجسّد مواقفها وتطلعاتها . إن قيام هذا النظام ما زال ، منذ قرنٍ تقريباً ، أمنيةً غاليةً تُدغدغ أحلام القوميين العرب .

 

          وهذه الأمنية بدأت ، في العصر الحديث ، تتفتح وتتبلور وتنتشر في الأوساط العربية ، الفكرية والحزبية والشعبية ، مع انهيار الإمبراطورية العثمانية ، واشتداد وطأة الهجمة الاستعمارية ، وفرض التقسيم والتفتيت على أقطار الوطن العربي ، واندلاع الثورات والانتفاضات المطالبة بالاستقلال والحرية .

 

          وكانت الحرب العالمية الثانية التي أحدثت تغييرات جذرية في مراكز القوى في العالم فرصةً لتحريك فكرة التضامن والتعاون بين العرب ، التي تتجاوب مع رغباتهم وتقوم على أساس التلاحم الطبيعي والعضوي الذي يجمع بين شعوبٍ تعيش في وطـن واحد ، وتنتمي إلى قومية واحدة ، وتتحدث لغةً واحدةً ، وتملك تاريخاً وتراثاً ومصالح مشتركة ، وتزخر بثروات وإمكانات اقتصادية هائلة ، وتتمتّع بطاقاتٍ بشريةٍ وحضارية وفكرية عظيمة ، وتواجه أخطاراً استعماريةً وأطماعاً صهيونية تُهدّد مستقبل العـرب جميعاً .

 

          وبعد انتصار الحلفاء في معركة العلمين ، ونيل دول عربية في المشرق استقلالها ، ورجحان كفة الدول الحليفة في الحرب ، عقدت الحكومات العربية ، ما بين العام 1942 والعام 1944 ، عدة اجتماعات ومشاورات أكدت فيها رغبة الشعوب العربية في توثيق التعاون والتقارب فيما بينها بشكل يُسفر عن قيام نوع من الوحدة أو الاتحاد يجمع بين شعوبها .

 

          وفي العام 1944 ، وبدعوة من الحكومة المصرية ، عُقد في الإسكندرية اجتماع تحضيري قُدّمت فيه ثلاثة اقتراحات أو خيارات : إما وحدة عربية وحكومة مركزية ، وإما دولة اتحادية (فدرالية) ، وإما جامعة أو منظمة إقليمية تضم الدول العربية المستقلة . وانتهى الاجتماع بالموافقة على الخيار الأخير الذي عُرف بـ " بروتوكول الإسكندرية " والذي تضمن الأسس التي تقرر أن تقوم الجامعة عليها .

 

          وخوفاً من إصابة الشعوب العربية التي كانت تحلم بالوحدة أو الاتحاد بخيبة الأمل لدى الاطلاع على المشروع الهزيل الذي تمخّض عنه اجتماع الإسكندرية ، سارع الحكام العرب إلى الإعلان بأن المشروع المقترح ليس سوى الخطوة الأولى على طريق الوحدة ، ووعدوا ، بعد استقرار الأوضاع في العالم ونيل معظم الأقطار العربية استقلالها ، بتحقيق خطوات وحدوية أفعل وأشمل .

 

          وفي شهر آذار (مارس) 1945 ، وقبل ظهور منظمة الأمم المتحدة ، عُقد في القاهرة مؤتمر ضمّ الملوك والرؤساء للدول العربية السبع المستقلة والمؤسسة للجامعة . وفي 22 من الشهر المذكور (وهو عيد ميلاد الجامعة) أعلن المؤتمرون تأسيس الجامعة ووقعوا ميثاقها الذي يقع في عشرين مادة ويتضمن ثلاثة ملاحق حول فلسطين ، والأقطار العربية غير المستقلة ، وتعيين أمين عام للجامعة . والميثاق الذي نحتفل اليوم بمرور 64 عاماً على توقيعه لم يطرأ عليه أي تغيير أو تعديل منذ ذلك الحين .

 

          وانضم إلى عضوية الجامعة بعد قيامها عدد آخر من الدول العربية التي نالت استقلالها بالنضال ، حتى أصبحت الجامعة تضم اليوم جميع الأقطار العربية ، وعددها إحدى وعشرون دولة ، بالإضافة إلى عضوية فلسطين التي حُرمت من حقها في الاستقلال بسبب تآمر الغرب والصهيونية عليها وتقصير العرب في واجبهم القومي إزاءها .

 

************

 

          وتتكوّن الجامعة من أجهزة أساسية أهمها مجلس الجامعة والأمانة العامة . والمجلس هو الهيئة العليا والأداة الفاعلة التي تُشرف على الجامعة وتسيّر شؤونها . ويتألف من ممثلي الدول الأعضاء . ولكل دولة صوت واحد . ويكون انعقاده صحيحاً إذا حضر الاجتماع ممثلو أغلبية الأعضاء .

 

          ويشترط الميثاق ، كقاعدة عامة ، صدور قرارات المجلس بالإجماع لكي تكون ملزمة لجميع الأعضاء . أما القرارات التي يتخذها المجلس بالأكثرية فلا تكون ملزمة إلاّ للدول التي تقبلها . وهذا يعني أن كل عضو يستطيع أن يخالف أي قرار من قرارات المجلس ، ويمتنع عن تنفيذه حتى ولو كان صادراً بإجماع بقية الأعضاء .

 

          وفي العام 2000 ، طرأ تغيير مهم على وضع مجلس الجامعة . ففي مؤتمر القمة غير العادي ، المنعقد في القاهرة في شهر تشرين الأول (أكتوبر) من هذا العام ، أُدخل ملحق على ميثاق الجامعة كرّس مؤتمر القمة مؤسسةً على رأس الجامعة بجعله أعلى سلطة فيها تجتمع ، في شكل منتظم ، في دورة عادية ، مرةً كل عام ، في شهر آذار (مارس) ، اعتباراً من العام 2001 .

 

          وحدّدت المادة الثانية من الملحق مهام المجلس على مستوى القمة " بالنظر في القضايا المتعلقة باستراتيجيات الأمن القومي العربي بكافة جوانبه ، وتنسيق السياسات العليا للدول العربية تجاه القضايا ذات الأهمية الإقليمية والدولية ، وعلى وجه الخصوص النظر في التوصيات والتقارير والمشاريع المشتركة التي يرفعها إليه مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية ، وتعيين الأمين العام وتعديل ميثاق الجامعة " .

 

          واعتبر هذا التطور (أي تكريس الوجود القانوني لمؤتمر القمة كمؤسسة عليا) إنجازاً كبيراً على صعيد العمل العربي المشترك . فمؤتمرات القمة العربية كانت في الماضي تُعقد على مستوى الملوك والرؤساء ، وعلى هامش اجتماعات الجامعة . وهذه المؤتمرات تمثّل ، في الحقيقة ، السّمة الأساسية للدبلوماسية المعاصرة والمظهر الرسمي للنظام العربي . وهي مخوّلة ومؤهّلة للقيام بدور مهّم في تسوية المنازعات ومعالجة الأزمات .

 

          وأهميتها ، كظاهرةٍ دولية ووسيلةٍ لتسوية الخلافات سلمياً والتصدي للعقبات والصعوبات التي تواجه العرب أجمعين ، تنبع من عدة اعتبارات لعّل أهمها أنها توفّر فرصةً لتلاقي الحكام العرب في إطار الجامعة وتهيئة المناخ الملائم لإيجاد الحلول السلمية للخلافات بوجود جميع الأطراف حول طاولة واحدة . والعرب لا ينسون مؤتمر القمة الذي عُقد في الخرطوم ، في أعقاب حرب العام 1967 ، وتمّت فيه المصالحـة التاريخيـة بين

 

الأقطاب العرب الكبار ، واتُّخذ فيه موقف موّحد من العدو الإسرائيلي الطامع في إجراء مفاوضات مذلّة مع العرب وفرض الصلح عليهم ، وانتزاع الاعتراف بشرعية وجوده منهم.

 

************

 

          نستنتج مما تقدّم أن الجامعة التي تضّم حالياً جميع الدول العربية ، وتصدر القرارات ، وتتّخذ المواقف ، وتخاطب الآخرين ، وتتصّدى للاعتداءات والحملات المعادية للعرب ، تمثّل (أو يجب أن تمثّل) تجاه العرب والعالم الخارجي النظام الرسمي العربي . والأغراض والمبادئ الماثلة في ميثاقها تؤكد ذلك ، أو توحي به .

 

فمن أغراض الجامعة ، وفقاً للميثاق :

1-    صيانة استقلال الدول العربية من الأطماع العدوانية والاستعمارية .

2-    المحافظة على الأمن القومي العربي والدفاع عنه .

3-    تحقيق التعاون الوثيق في كل المجالات بين الدول العربية .

 

ومن المبادئ التي تقوم عليها الجامعة ، وفقاً لميثاقها ولمعاهدة الدفاع العربي المشترك :

1-    المحافظة على سيادة الدول الأعضاء .

2-    عدم التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول .

3-    تسوية المنازعات بينها بالوسائل السلمية .

4-    التعاون بينها لردّ أي اعتداء يقع عليها أو على أحد أعضائها ، واعتبار كل اعتداء على عضو فيها اعتداء على جميع الأعضاء .

 

ولكن واقع الجامعة ، أو كيفيّة تصرفاتها ، يتناقض مع هذه الأغراض والمبادئ المعلنة . فقد خُيّل إلى الأجيال العربية ، منذ نشأة الجامعة ، أن هذه المنظمة ستكون أفضل أداة أو وسيلة لجمع شمل العرب ، وتوحيد طاقاتهم وجهودهم ، ومقارعة أعدائهم ، وتحقيق تطلعاتهم الوحدوية . غير أن الجامعة ، بتهاونها وتخاذلها ، والخلافات المحتدمة بين حكام دولها ، وعجزها الفاضح عن التصدي لأعدائها وحلّ النزاعات في داخلها ، قد خيّبت الآمال .

 

إن الباحث الذي يريد تقييم مؤسسةٍ ما يلجأ ، عادةً ، إلى معيارين أو إلى أحدهما : الأول هو الاطلاع على المبادئ والأهداف التي ينص عليها ميثاقها ، ثم تقدير مدى الالتزام بها ، أي دراسة النصوص ثم مقارنتها بما يجري على أرض الواقع . والمعيار الثاني هو تقييم المؤسسة على أساس الرغبات والتطلعات والوعود التي رافقت قيامها ، ومقارنة ذلك بما تمّ تحقيقه وتطبيقه . ولو اعتمدنا المعيارين معاً لرأينا أن الإخفاق كان السمة البارزة في نشاط الجامعة العربية . فعندما نستعرض مبادئها نجد أنها بقيت نصوصاً مكتوبة تشكو من عدم التنفيذ أو عدم الالتزام . وهذا يتجلّى :

 

1-    في أن المساواة بين الأعضاء لم تتحقق ، بسبب التفاوت في حجم القدرة أو الثروة أو المستوى الاجتماعي ، أو بسبب قيام المحاور المتناحرة ، وتطبيق مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات ، ولو كانت مصيرية .

2-    في أن مفهوم السيادة أصبح ، لدى بعض الأنظمة الحاكمة ، هدفاً أو مبدأ استراتيجياً ثابتاً لا يعبأ بالانتهاكات الخارجية للسيادة ، ولا يُبالي بالمشاريع والمقترحات التوحيدية ولو كانت تستهدف إلغاء التأثيرات وتوحيد المصطلحات والأرقام وتسهيل المبادلات التجارية .

3-    في أن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء لم يحظ بأي اهتمام أو التزام .

4-    في أن مبدأ التعاون وتنسيق الخطط في كل المجالات بين الدول الأعضاء لم يبدأ العمل به حتى الآن . وقد وُقّعت اتفاقيات عديدة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فلم يُنفّذ منها إلاّ النزر اليسير .

5-    في أن صيانة استقلال الدول الأعضاء بقيت أمنيةً ، لأن الجامعة لم تُحسن الدفاع عن هذا الاستقلال ، ولم تتّخذ موقفاً ممّن فرّط في استقلاله ، ولم تسارع إلى نجدة من تعرّض استقلاله للخطر أو الضياع . فماذا فعلت من أجل استقلال فلسطين وإنقاذ أهلها من براثن العدو الصهيوني ومجازره الهمجية المستمرة ؟ وماذا فعلت عندما تعرض المفاعل النووي العراقي للتدمير ، ثم شعب العراق للحصار والعدوان ؟ وماذا فعلت عندما عاشت الجزائر جحيم المجازر الداخلية ، وعندما فقد الصومال استقلاله وخضع للاحتلال الأثيوبي ، وعندما اعترفت دول عربية بالكيان الصهيوني وتبادلت التمثيل الدبلوماسي والزيارات الحميمة معه ، وعندما صبّ العدو الصهيوني جام غضبه الوحشي على لبنان في العام 2006 ، وجام حقده على مقومات الحياة في قطاع غزة في مطلع هذا العام ؟ وباختصار : لماذا لم تحرك الجامعة ساكناً عندما تعرضت دول عربية عديدة لاعتداءات وحشية ؟ ولماذا لم تلجأ يوماً إلى تنفيذ معاهدة الدفاع المشترك

 

التي تنص على أن كل اعتداءٍ مسلّح يقع على أي عضو في الجامعة يُعتبر اعتداءً على جميع أعضاء الجامعة ؟

 

************

 

          وعجز الجامعة ، الممثلة بمؤتمرات القمة السنوية فيها ، عن تسوية المنازعات بين أعضائها وردّ الاعتداء الأجنبي أو الصهيوني عنهم ، يترافق مع عجزها أيضاً عن التجاوب مع التطلعات الوحدوية . فالجامعة ، بفعل اتّساع الهوة بين رغبات الجماهير وتصرفات معظم الحكام ، ابتعدت ، منذ تأسيسها ، عن الطموح العربي الكبير ، أي عن العمل لتحقيق أي نوع من الوحدة أو الاتحاد بين الدول العربيـة . ويمكننا ، في هذا السياق ، إبداء بعض الملاحظات المهمة :

1-    إن قيام منظمة دولية إقليمية ، على غرار الاتحاد الأوروبي حالياً والوحدات الاتحادية التي نشأت سابقاً بين الولايات الأميركية أو الألمانية أو الإيطالية أو السويسرية ، والتي تطمح إلى تحقيق نوع من التقارب أو الانصهار بين أعضائها ، بالوسائل السلمية أو غير السلمية ... إن قيام مثل هذه المنظمات مرهون بمدى ما تملكه القيادات السياسية فيها من قدرةٍ على تغليب المصلحة العليا على الأهواء المحلية أو الشخصية ، وبمدى التزامها بالحريات العامة وحقوق الإنسان والجماعات ، وبمدى استعدادها للتخلّي عن جانب من سيادة دولها من أجل تعزيز مكانة المنظمة .

2-    إن جامعة الدول العربية ، بخلاف المنظمات الإقليمية الأخرى ، تتميز بأنها منظمة دولية ذات طبيعة مزدوجة . إنها إقليمية لأنها تضم دولاً متجاورة ومتداخلة . وهي قومية لأنها تضم دولاً تنتمي إلى قومية واحدة وتراث واحد ومصير مشترك . ولعل جوهر الأزمة التي تعانيها الجامعة يكمن في الاختلاف أو التباعد بين هذين الجانبين .

3-    إن محاولة الحكم على الجامعة من خلال مقارنتها بغيرها من المنظمات الإقليمية جهدٌ في غير محلّه ، أولاً لأن الجامعة سبقت في الوجود المنظمات الإقليمية الأخرى ، وثانياً لأنها تتميز بانتماء قومي وتراث حضاري ولغة مشتركـة لا وجود لها ، مجتمعةً ، في أية منظمة إقليمية ثانية ، وثالثاً لأنها معرّضة لخطر صهيوني عنصري يهدف إلى إبادة شعب وطمس هويّته .

4-    إن الجامعة ، بوضعها الراهن ، لم تعُد صالحةً لتحقيق اللهفة العربية إلى الاتحاد ، فقد تعرّضت لسلسلةٍ طويلة من العجز التي نشاهد معالمها ، على الصعيد السياسي ، في المشاهد الآتية :

المشهد الأول هو الأزمات والخلافات العربية التي لا تهدأ ، وعجز الجامعة عن إيجاد الحلول لها .

والمشهد الثاني هو افتقاد الزعامةَ القيادية الصالحة على المستوى القومي .

والمشهد الثالث هو الصمت الرهيب الذي تلتزمه الجامعة إزاء الأحداث والتطورات الكبرى التي تتوالى على الساحة العربية وتسيء ، في معظم الأحيان ، إلى الكرامة أو العزة العربية .

والمشهد الرابع هو استمرار التصادم بين بعض الثنائيات على صعيد المسالك أو المواقف في الجامعة العربية . ونكتفي بذكر ثلاثة أنواع منها : أولاً ، ثنائية المقاصد والوسائل ، أو ثنائية المطلق والنسبي ، وما يرافق ذلك من صعوبة التلاحم بين الأمرين . وثانياً ، ثنائية الأمة والدولة ، أو ثنائية القومية والقُطرية ، وما يترتب من نتائج وتداعيات على مبدأ التمييز بين منطق الأمة الرامي إلى تحقيق وحدتها ومنطق الدولة الرامي إلى الحفاظ على سيادتها . وثالثاً ، ثنائية الثورة والثروة ، وما أدى إليه عدم التفاهم والتعاون بين الحدثين من إنهاكٍ للثورة ، وإضعافٍ للثروة ، وتحويلٍ للأمة الممثلة بجامعتهـا إلى مجموعـةٍ بشريـة شبه مشلولـة ، لا تحركها ثورة ولا تحميها ثروة .

 

************

 

         ومن اطلاعنا على الأوضاع المتردّية للجامعة نستخلص أن الجامعة ، كنظام إقليمي قومي ، تحتاج إلى تطوير كبير يشمل عقلية المسؤولين فيها ، ونصوص ميثاقها ، وأساليب العمل والتقرير فيها . ويمكننا الإشارة إلى أهم الإصلاحات الملحة في هذا الصدد :

1-    ضرورة تغيير قاعدة التصويت في إطار الجامعة ، والتخلّي عن مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات المصيرية . ويمكن الاستعاضة عن الإجماع بأكثرية موصوفة ، على أن تكون القرارات ، في كل الحالات ، ملزمةً للجميع .

2-    ضرورة تطوير التنظيم الإداري والهيكلي للجامعة .

3-    ضرورة تطوير شبكة العمل العربي المشترك ، وتعزيز دور هيئات المجتمع المدني في الجامعة .

4-    ضرورة إدخال مبدأ الإلزام والالتزام في تنفيذ الاتفاقيـات والقرارات في نطاق الجامعة . فمن أهم العوامل التي أدت إلى عجز الجامعة عن تحقيق أهدافها عدم وجود نظامٍ لضمان التزام الدول الأعضاء بتنفيذ القرارات الصادرة عنها .

5-    ضرورة إيجاد آلية عربية لفضّ المنازعات سلمياً بين الدول العربية . ولعل الوسيلة الأنجع للوقاية من هذه المنازعات وتسويتها سلمياً تكمن في تعهد الدول الأعضاء بعدم اللجوء إلى القوة ، وبرفع كل نزاع ينشأ بينها إلى محكمة عدل عربية ، وجعل ولاية هذه المحكمة إلزاميةً لجميع الأعضاء وفي كل نزاع ، والتزام المتقاضين بتنفيذ الحكم الصادر عن المحكمة .

 

ونشير إلى أن ميثاق الجامعة نصّ على إنشاء هذه المحكمة . ومع أن محاولات عديدة جرت لإنشائها ، فإن هذه الجهود باءت بالفشل . والغريب أن غالبية الأنظمة العربية تُعلن في خُطبها السياسية عن رغبتها في إنشاء المحكمة ، ولكنها تتردد وتماطل عندما يُطرح الأمر على مجلس الجامعة لاتخاذ قرار فيه .

 

والحقيقة أن هناك عوامل واعتبارات عديدة متشابكة حالت حتى اليوم دون قيام المحكمة ، منها العوامل النفسية (وفي طليعتها عدم الثقة بالقضاء الدولي والنظر بحذرٍ إلى دوره في تسوية المنازعات) ، والعوامل القانونية (وفي طليعتها عدم الرغبة في الخضوع لأحكام القانون الدولي في العلاقات الدولية) ، واختلاف المواقف حول ولاية المحكمة (هل هي اختيارية أم إلزامية ؟ ) ، والاعتبارات السياسية (وفي طليعتها مبدأ التشبث بالسيادة ، مع أن مفهوم السيادة لم يعُد ، في عصر التنظيم الدولي ، فكرة مطلقة لا تقبل التقيّد والخضوع لأحكام القانون الدولي) ، والاعتبارات المستمدة من موقف الدول العربية من الجامعة ، وهو موقف يتّسم بالسلبيّة واللامبالاة وعدم الاهتمام بعملية التطوير .

 

6-    وجوب توافر الإرادة السياسية لدى الحكام والمواطنين . وهذه الإرادة يجب أن تنطلق من :

أ‌-       إيمان عميق بضرورة الحفاظ على الجامعة كـ "بيت قومي لكل العرب" .

ب‌-  اقتناع تام بأن التكتلات الكبرى أصبحت سمة العصر ، وبأنه يستحيل على أية دولة عربية ، ولو ملكت مال الدنيا ، أن تواجه بمفردها التحديات الداخلية والخارجية وتحقق التنمية الشاملة لشعبها .

ج- تصميم صادق على الوفاء بالالتزامات العربية المنبثقة من العديد من مواثيق العمل العربي المشترك .

د- الانكباب السريع على تنفيذ المشروعات القومية الكبرى ، مثل الوحدة الاقتصادية ، والسوق العربية المشتركة ، والاستفادة من العقول والمواهب العربية المتميزة ، المقيمة والمهاجرة ، وإيجاد فرص العمل لأصحاب الاختصاص من العرب ، وتعزيز الموقف العربي في المفاوضات الرامية إلى إبرام اتفاقيات الشراكة مع القوى والتكتلات الأجنبية الكبرى .

 

************

 

          ونلاحظ اليوم ، ولاسيما منذ أحداث 11/9/2001 ، واتهام العرب والمسلمين بالإرهاب ، وتكشير الإدارة الأميركية عن أنياب الحقد ضد كل معارض لمخططاتها الإمبريالية ، أن بنية النظام الرسمي العربي تُعاني تصدّعاً وتفكّكاً ، وأن جامعة الدول العربية غائبة أو مغيّبة كلياً عن الأزمات والهموم العربية . فالفلسطينيون يُعانون القهر والقمع والقصف ، ولا أثر للجامعة . والعراق يتعرض للتفتيت ، ولا حضور للجامعة . ودول عربية تواجه الاعتداءات والهجمات والتهديدات ، ولا وجود للجامعة . ودول عربية تعترف رسمياً بكيان العدو الصهيوني وتتبادل التمثيل الدبلوماسي معه ، ولا اعتراض من الجامعة . ودولة عضو تُعلن ، حيناً بعد حين ، انسحابها من الجامعة ، ولكنها تحرص على حضور اجتماعاتها وتسفيه مواقفها ، فلا تجرؤ الجامعة على اتخاذ موقف حازم منها .

 

          وما يسترعي الانتباه في نشاط الجامعة أنها لا تتحرك لمناصرة القضايا العربية (ولو من باب رفع العتب) إلاّ بعد خراب البصرة . وإذا قُدّر لها أن تتحرك إزاء ما يرتكبه العدو من فظائع ضد العرب ، فإن أقصى ما تفعله هو الدعوة إلى عقد اجتماع متأخر وهزيل وعلى مستوى المندوبين الذين لا يملكون من صلاحيات التدبير والتقرير إلاّ ما يملكه موظفو الدرجة الخامسة في الإدارات العامة .

 

          ومع ذلك ، ورغم ترهّل الجامعة أو تقصيرها ، فإنها لا تزال عند القوميين المتفائلين محطّ آمالٍ متبقيةٍ لأمةٍ تبحث دائماً عن آمال ، وإنها استطاعت ، رغم الأعاصير ومعاول التهديم ، أن تحافظ على وجودها . ولكن استمرارها في النهج الذي تتّبعه قد يؤدي إلى إغلاق أبوابها وإعلان فشلها . ولعّل قيام بعض التجمعات الإقليمية العربية ، على هامشها أو إلى جانبها ، مثل مجلس التعاون الخليجي والاتحاد المغاربي ، ينطوي على ضعف الثقة بها .

 

د. محمد المجذوب2

1 أبريل 2009

-------------------

 2  رئيس المنتدى القومي العربي في لبنان

1  محاضرة القيت بدعوة من المنتدى القومي العربي في دار الندوة بتاريخ 27/3/2009