الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

أحمد منصور شاهد على عصر الكيدية :

دعوة الى موضوعية مفقودة !
 

اشاعة تتردد في أوساط الكثيرين من المثقفين والمفكرين حول أحمد منصور وهو أنه يفقد موضوعيته عندما يتعلق الأمر بجمال عبدالناصر.

فجأة يتحول الهدوء الى توتر والرزانة الى تعصب وحس النكتة الى استهزاء في غير محله.

وكنت دوما من المدافعين عن منصور معتبرا أن ضرورات الحوار الصحافي تقتضي من المحاور أن يستفز الضيف وأن يلعب دور " محامي ابليس " لكي يعطي دينامية مطلوبة لحلقته.

وبقي هذا حالي حتى شاهدت الحلقة الأخيرة من برنامج " شاهد على العصر " التي استضاف فيها منصور جمال حماد.

أولا لا أبوح بسر اذا ما قلت بأن اختيار حماد لا يبشر بالخير لأنه من المقربين جدا للنظام المصري الحالي وتحديدا لجهازه الاستخباري الذي يشغل ابنه اللواء برهان حماد منصب نائب رئيسه.

ونحن نعرف جميعا أن أجهزة الاستخبارات التابعة للأنظمة العربية تمتهن البروباغندا وغسل الدماغ الجماعي بالاضافة الى ملاحقة المعارضين والمقاومين والتنكيل بهم. ولكن مهما يكن من أمر فكل يدلي بدلوه والمواطن العربي يحكم على ما يرى ويسمع هكذا قلت لصديقي الممتعض الذي شاركني مشاهدة الحلقة.

فاذ بي أفاجأ بأن منصور بدلا من أن يحرج الضيف باسئلة نقدية لروايته عن أحداث مؤرخة وموثقة باستفاضة مثل ثورة تموز (يوليو) وحرب 56 وحرب 67 فانه تناغم مع روايته السطحية والأحادية لا بل ذهب أكثر من ذلك وحرضه على قول ما لم يرد قوله في أكثر من موضع وحور كلماته الى غير ما يعنيه.

تحامل مفضوح

ففي سياق الحلقة التي تناولت موضوع هزيمة 1967 وما سبقها نجد نقاط جديرة بالاهتمام والدراسة حول مشاكل ادارة الجيش المصري من قبل المشير عبد الحكيم عامر وابعاد الضباط الى مناصب مدنية والشللية التي كانت سائدة داخل الجيش الذي كان بارونية للمشير عامر وكلها اشكاليات فعلية وسوء ادارة حقيقي يتحمل مسؤوليته عامر ويتحمل جزءاً من مسؤوليته عبدالناصر لثقته المفرطة بالمشير وائتمانه على الجيش بشكل كامل.

وهذه المسؤولية لم يتبرأ منها عبدالناصر مطلقا لا بل أنه استقال على أساسها وأخذها كاملة.

مع أنه من الممكن القول بأن رئيس الجمهورية وقائد عالمي الاهتمامات من الطبيعي أن يوكل مهاما الى غيره ولو لم يفعل ذلك لكان اتهم بالأحادية المطلقة بالقيادة ولكن وفي نفس الوقت لا بد من الاعتراف بان علاقة عبدالناصر بعامر لم تكن مؤسساتية بل علاقة صداقة وأخوة طاغية مما سهل عملية الاستفراد وسوء الادارة من قبل عامر وهنا تكمن مسؤولية عبد الناصر.

الا أن الصدمة لم تكن نتيجة لانتقاد القائد عبدالناصر وهو أمر بناء اذا كان في محله ونشجعه في اطار رفضنا للشخصانية ولتأليه البشر.

 ولكن الصدمة بدأت عندما طرح أحمد منصور على حماد السؤال التالي وأنا أقتبس حرفيا : " كيف أعطى عبد الناصر إسرائيل المبرر للهجوم على مصر؟ ".

هل يعقل أن يوضع السياق التاريخي لحرب 1967 في اطار مماثل ؟ أين سمعنا كلاما مماثلا عن مقاومين وثوار يعطون مبررات لاسرائيل كي تهاجم بلادهم ؟ ألم نسمع هذا الطرح في تموز (يوليو) 2006 ؟ وألم نسمعه خلال حرب غزة الأخيرة ؟ وهل يحتاج المعتدي المتربص الى مبررات ؟ وهل هكذا يوضع العدوان في خانة المعتدى عليه ؟

نظر صديقي الي بابتسامة عريضة وكأنه يقول لي " ألم أقل لك؟ " فقلت له معطيا أحمد منصور أفضلية الشك حتى يقطع الشك باليقين : " انه سؤال صحافي استفزازي يطرح ".

الا أن منصور لم يطرح هذا السؤال على عبدالناصر ولا على مؤيد له ليحرجه بل طرحه على من ينتظر فرصة ليفتح النار عليه وهنا ارتكب الخطأ الصحافي الأول لأنه ومن منطلق الموضوعية المهنية عليه أن يكون صوت من لا صوت له في المقابلة وليس العكس.

و طبعا انتهز حماد الفرصة وفتح النار قائلا بأن طرد عبد الناصر للقوات الدولية وحشد الجيش المصري في سيناء وأغلاق خليج العقبة هي اجراءات استفزت اسرائيل.

وهنا نسأل هل كان المطلوب من عبدالناصر ألا يمارس سيادته على أرضه وأن يتعاون اقتصايا مع الكيان الصهيوني ويفتح المنتجعات  التي تحدث عنها أبو الغيط مؤخرا في مقابلة مع عمرو أديب على قناة " اليوم " بأنها فنادق في سيناء تدر ذهبا على مصر ( المقصود بمصر هو الحسابات المصرفية للشلة التي تحكمها )

فلماذا نزعل اسرائيل ونتسبب باغلاقها ، وهل من المطلوب أن يعطي عبدالناصر ضمانات للكيان الصهيوني؟ ولأن عبدالناصر اختار المواجهة والمقاومة هل يكون قد أعطى المبرر؟

كلا يا أستاذ منصور، لقد أخطأت هنا خطأ جسيما واستخدمت معايير مزدوجة وأنت المعروف عنك أنك ترفض هذا الطرح الانهزامي عندما يتعلق الأمر بقرار حركة حماس خوض الحرب.

وقد تقول بأن معركة حماس لم تتسبب بهزيمة ونحن معك ونحمد الله على ذلك.

ولكن لنفترض أنها انتهت بهزيمة فهل كان ذلك ليغير شيئا في مشروعيتها وعدالتها؟ هل المقاومة شرطها الانتصار؟ أم شرطها أولا وأخيرا الكرامة والعزة حتى ولو انتصر المعتدي بجبروته وآلته الحربية؟

خطأ أم مؤامرة؟

هذا على مستوى القرار السياسي ... على مستوى التكتيك العسكري كانت لحماد بعض التعليقات على ما اعتبره هو أخطاء تكتيكية.

وأنا لست بخبير عسكري لأرد عليه وقد تكون انتقاداته محقة وقد تكون خاطئة وبما أن الحرب انتهت بهزيمة الجيش المصري فعلى الأرجح أنها انتقادات محقة.

ولكن ما يهمني هنا هو تعاطي منصور مع ما سماه حماد أخطاء تكتيكية وأعود لأقتبس كلمات منصور في سؤاله حماد: " خطأ ولا مؤامرة " ؟

حماد تردد بالاجابة ثم قال بأنه لا يستطيع أن يتصور كيف تكون هنالك خيانة وهنا عاجله منصور بخطاب حول أن الخيانة ليست بالضرورة أن يكون الشخص عميلا مأجورا وأصر على الصاقه مفهوم الخيانة بهزيمة 67.

بغض النظر عن تهافت هذا الطرح فكريا وخطورة تهمة الخيانة في هذا الموقع فان منصور خرج هنا عن المألوف في الحوارات الموضوعية وعن مهنته كصحافي محاور وحاول بشكل واضح اسقاط رأيه على الضيف.

تابع حماد سرد تفاصيل تكتيكات عسكرية اعتبرها أخطاء ولم ينسق لمحاولة منصور اسقاط صفة الخيانة على الهزيمة ... ولكن منصور لم ييأس وسأله : " جمال عبد الناصر رغم إدراكه الشديد بعدم وجود قدرة عسكرية لدى عبد الحكيم عامر وبعدم وجود قدرة لدى مصر في الدخول في مواجهة مع إسرائيل حيث كانت القوات المدربة الرئيسية في اليمن " ولكن كان بيصعد للحرب ليه ؟

وكأنه يريد القول بأن عبدالناصر كان يريد لهزيمة 67 أن تحدث.

والأشكالية هنا بأن منصور يعتبر بأن عبدالناصر لم يكن يصدق تقارير المشير عامر التي كانت تقول بأن الجيش مستعد للحرب وقادر على خوضها.

صحيح أن عبدالناصر كان ضد احتكار عامر للجيش وطريقة ادارته له الا أنه لم يكن يشك بقدرة الجيش القتالية وكان يعتقد بأن الجيش قادر على الانتصار.

وهنا أخذ الحوار منعطفا خطرا عندما بدأ منصور بالترويج لنظرية المؤامرة السطحية التي أطلقها عبداللطيف البغدادي المعروف بعدائه لخط عبدالناصر والتي تقول بـأن عبدالناصر أراد ضرب الجيش ليتخلص من عامر وأنه كان يقامر بمصير أمة من أجل مجده الشخصي.

وبالرغم من أن حماد رفض الفكرة قائلا بأنها طرح غير معقول وغير منطقي والمفروض أنه هو الشاهد على العصر الا أن أحمد منصور الذي أصبح من الجلي عند هذه النقطة أنه هو الذي يشهد على كراهيته لعبدالناصر وصورته المشوهة عنه، أصر على الفكرة ولو مخففة بكونها " مقامرة " من طرف عبدالناصر.

وهنا حصلت تسوية وقبل حماد صفة المقامرة وقال بان عبدالناصر قامر بتأميم قناة السويس وكان كذلك يقامر في 67.

أين سمعنا هذا الكلام عن المقاومين من قبل؟ ألم يقولوا بأن حزب الله حفنة من المغامرين في 2006؟ وألم يقولوا نفس الكلام عن حماس؟

والغريب هنا أن التطاول وصل الى المساس بانجاز تاريخي مثل تأميم القناة والصمود والنصر المبين في حرب 1956 الذي هو وليس غيره أعظم نصر في تاريخ أمتنا العربية الحديث لأنه هزم ليس فقط الكيان الصهيوني ولكنه كذلك هزم معها فرنسا وبريطانيا أي القوى الاستعمارية التي ترعى هذا الكيان.

ونصر 56 المقامرة هذا هو لا شك الذي الهم الشعب العربي كافة ومن ضمنه الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني، وعلمه درس وفعالية حرب العصابات وحرب الفدائيين الشعبية.

تزوير التاريخ

ولكن تزوير التاريخ والدوس على تضحيات الشعب العربي المصري لم يتوقف عند هذا الحد ولكنه تخطاه الى أخذ منصور لدور الشاهد على العصر كليا عندما لم يشبعه رد حماد وقال له بعصبية بالغة :

" أحد اللواءات الذين شاركوا في الحرب روى لي أنهم جاءتهم معلومات مؤكدة قبيل الحرب بأن إسرائيل ستضرب في أول ضوء يوم 5 حزيران (يونيو)، روى لي مراد غالب في شهادته على العصر أنه نقل إلى جمال عبد الناصر نقلا عن السفير الأمريكي في موسكو أن إسرائيل ستضرب يوم 5 حزيران (يونيو) وقال إن تيتو أيضا أرسل إلى عبد الناصر وأكد لي أن إسرائيل ستضرب يوم 5 حزيران (يونيو)، ومع ذلك ترك الجيش المصري ليدمر ويحرق في 5 حزيران (يونيو)، وجيه أبو ذكر في كتابه " مذبحة الأبرياء في 5 حزيران (يونيو) " نقل عن كثير من قيادات الجيش ما الذي حدث في هذا اليوم روايات مؤلمة مؤلمة مؤلمة."

وهو يلمح هنا الى أن عبدالناصر كان يعتقد بأن الحرب لن تقوم أو الى أنه أخفى ذلك عن قيادة الجيش وعندها فاجأه حماد بالقول " هو جمال عبد الناصر فعلا في المؤتمر الأخير اللي عمله في القيادة قال لهم إن إسرائيل، بعد بقى ما جاءت له الأخبار من كل حتة هو بالأول كان بيقول لك مش حيحاربوا، فجاء في المؤتمر ده وقال إن إسرائيل حتحارب وحدد يوم 5 حزيران (يونيو) بالذات موعد الحرب " وهنا سقطت نظرية أحمد منصور

وتابع حماد أن عبدالحكيم عامر كان يروج بين الضباط بأن عبدالناصر مخطئ بتحديد 5 حزيران (يونيو) موعدا للهجوم الاسرائيلي وبأنه " ينجم ".

وهكذا شهد شاهد من أهلها واضعا مسؤولية الهزيمة والمفاجأة على عاتق عبدالحكيم عامر ومظهرا بشكل واضح أن عبدالناصر بلغ قيادة الجيش بضرورة توقع هجوم يوم 5 حزيران (يونيو) وهو جل ما يستطيع فعله كرئيس للجمهورية من المفترض أن لديه قيادة عسكرية على مستوى المسؤولية.

ثم تحول الحوار الى بحث يائس من قبل أحمد منصور لايجاد تهمة جديدة يلصقها بعبدالناصر فما كان منه الا أن تعلق بخشبة خلاص ظنها مفيدة وهي قول حماد بأن عبدالناصر طلب من قيادة الجيش أن تكون مستعدة لتحمل الضربة الأولى.

وهنا قدم منصور وضيفه صورة هزلية لهذا الطلب لا يقبلها لا عقل ولا منطق وكأن الطلب من القيادات أن تستوعب الضربة الأولى يساوي طلبا بأن تترك العدو يدمرها.

بينما معنى هذا الطلب هو العكس تماما، فحتى أنا المدني الذي لا يفهم بالعسكر أعرف أن أي مقاوم ينتظر عدوانا ولا ينوي المبادرة بالهجوم عليه أن يكون مستعدا لاستيعاب الضربة الأولى.

هكذا استوعب حزب الله الضربة الأولى خلال حرب تموز (يوليو) واستوعبت حماس الضربة الأولى الغادرة خلال حرب غزة ... واستعملت قيادات المقاومة في الحالتين التعبير نفسه الذي طلبه عبدالناصر من قادته العسكريين بشهادة حماد المعروف بعدائه لعبد الناصر عندما طلب منهم الاستعداد لاستيعاب الضربة الأولى وحدد لهم تاريخ الهجوم بناء على المعطيات الاستخبارية التي كانت بحوزته ... فكيف يكون هذا تهمة؟

ثم عاد منصور للاستشهاد بعبد اللطيف البغدادي الذي قال أن بعد الهزيمة لم يكن أمام عامر وعبد الناصر الا الانتحار ولغة جسده تلوم عبدالناصر أنه لم ينتحر.

مهلا يا أستاذ منصور مهلا، وأليس الانتحار حراما برأيك؟ وأنت المسلم الورع.

أكنت تود لو انتحر المسلمون بعد هزيمة أحد ما عاذ بالله؟ وأليس الأفضل بعد الهزيمة هو استخلاص العبر وبناء الجيش من جديد والمقاومة واستنزاف العدو؟ وألم يقم عبدالناصر بذلك كله؟

ثقافة كيدية

أكتفي بهذا القدر والقارئ لا شك فهم الرسالة.
 

فأنا لم أكتب هذه المقالة دفاعا عن عبدالناصر فذاكرة الأمة العربية هي التي وضعت ناصر حيث هو في وجدان الناس ليس فقط في وطننا العربي بل وفي أفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية.

ألا يكفي أن هوغو تشافيز قال في مقابلته على قناة "الجزيرة" وبالحرف الواحد خلال حرب تموز (يوليو) 2006 " أنا ناصري "؟.

ولم أكتب لأنني أنكر الأخطاء والهزائم فناصر نفسه لم ينكرها واستقال على أساسها وربما كان عليه أن يلتحق بصفوف الجماهير من جديد وهو كما يعرف من كانوا مقربين له كان يحلم بهذا ويخطط له.

انما كتبت لأنه يعز علي أن تكون ثقافة الكيدية بيننا نحن العرب قد وصلت الى درجة تجعل من أبناء هذه الأمة و اعلامييها عاجزين عن أن يتحلوا بالموضوعية التي هي مسؤولية قبل أن تكون ملكة، مسؤولية تجاه تاريخنا وتجاه ذاكرتنا الجماعية كأمة.

دياب أبو جهجه
18 فبراير 2009