الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

ليسوا لاجئين وانما مهجًرون بقرار وفعل صهيوني

 

أصدر الكونجرس الامريكي مؤخرا قرارا باعتبار المستوطنين الصهاينة ذوي الاصول العربية لاجئين ، مستهدفا التأثير سلبيا بحقوق قرابة سبعة ملايين لاجىء عربي فلسطيني بالعودة لديارهم واسترداد املاكهم المغتصبة ، والتعويض عليهم عملا بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 194 لسنة 1948 ، الذي والت تأكيده في عدة دورات تالية بحيث اكتسب قوة القانون الدولي . وذلك في تزوير تاريخي وتجاهل متعمد للتمايز الكيفي فيما بين دوافع وغايات عملية التطهير العرقي الصهيونية المتسببة بنشأة مشكلة اللاجئين العرب الفلسطينيين وتلك المعطلة تنفيذ قرار الشرعية الدولية على مدى السنوات الستين الماضية . وبين ظروف هجرة اليهود من الاقطار العربية وانعدام العوائق الموضوعية لعودتهم لارض آبائهم واجدادهم.

 

فالذي يجمع عليه المؤرخون الاسرائيليون الجدد ان القوات الصهيونية منذ مطلع نيسان / ابريل 1948 باشرت بتنفيذ قرار القيادة السياسية بزعامة بن غوريون بطرد العرب من مدنهم وقراهم ومنع عودتهم اليها . مقترفة في ذلك ما يربو على مائة مجزرة والعديد من حالات الاغتصاب ، ومثيرة اجواء من الرعب . بحيث اضطر للهجرة قسرا ما يجاوز الثمانمائة الف مواطن عربي فلسطيني كانوا يملكون ما يشكل 92 % من مساحة اسرائيل سنة 1949 . فيما يقدم المؤرخ الاسرائيلي توم سيغف – في كتابه الاسرائيليون الاوائل – دراسة مؤسسة على الارشيف الاسرائيلي ، للجهود الصهيونية الدبلوماسية والعملياتية لتهجير يهود البلاد العربية . ويذكر أن مبعوثي اسرائيل الدبلوماسيين واصدقاءها في واشنطن ولندن وباريس نشطوا من أجل تمكين اليهود من الخروج من المغرب والجزائر وليبيا ومصر والعراق واليمن . وفي ذلك ما يدل دلالة واضحة ، على انه ليس بين الدول العربية المذكورة من اعتمدت سياسة تطهير عرقي لمواطنيها اليهود ،  أو اقترفت بحقهم مثل الذي اقترفه الصهاينـــة بحق مواطني فلسطين العرب .

 

والذي يتجاهله الكونجرس الامريكي ان القيادة الصهيونية في الوقت الذي اخلت فيه فلسطين من مواطنيها العرب ، شرعت ابوابها على مصاريعها لاستقبال من ينجح عملاؤها في تهجيرهم من اليهود . ففي 20/9/1948 كتب وزير الهجرة شابيرا الى ضباط الهجرة في الخارج مشددا عليهم ان يشجعوا هجرة اليهود القادرين على بناء الدولة . وكانت وزارته قد اقامت مكاتب في دول عديدة ، عمل مديروها على اختيار المرشحين للهجرة ، وتفحص اوضاعهم ، وتنظيم سفرهم ، ونقل امتعتهم . وخلال سنوات 1948 – 1952 كانت العراق واليمن والمغرب مصدرا اساسيا للهجرة . والثابت ان يهود هذه الاقطار تعرضوا لضغوط صهيونية لحملهم على مفارقة اوطانهم العربية . فضلا عن ممارسة الضغوط الدبلوماسية على حكوماتها لتسهيل هجرة مواطنيها اليهود . وكمثال يذكر اصدار الحكومة العراقية سنة 1950 قانونا باسقاط الجنسية عن اليهودي الذي يرغب بالهجرة ، أو الذي غادر العراق بصورة غير مشروعة . وتشير وثائق مؤسسة الهجرة الاسرائيلية الى أن قرار البرلمان العراقي انما يعود ، من بين دوافع اخرى ، لنشاط مبعوثي الحركة الصهيونية في العراق ، وتهريبهم اليهود عبر الحدود مع ايران .

 

وإلى جانب مداخلات وضغوط سفراء وقناصل بريطانيا والولايات المتحدة ، لعب عناصر الموساد ومبعوثو وزارة التجارة الخارجية الاسرائيلية ادوارا مهمة للغاية في تيسير عملية الهجرة . إذ امكنهم باستخدام الرشوة الاستعانة بشبكة واسعة من العملاء ضمت قناصل بعض الدول ، وحتى وزراء ورؤساء وزارات بعضها الآخر ، فضلا عن ضباط الشرطة ومسؤولي الجمارك . ويذكر توم سيغف ص 119 و 120 – ان لقاءات جرت مع شاه ايران ، وإمام اليمن ، ونوري السعيد ، وتوفيق السويدي ، وقائد شرطة الاردن ، الذي سهل دخول يهود العراق الى فلسطين عبر جسر بنات يعقوب على نهر الاردن . وأنه في سنة 1949 نظمت شبكة في بيروت لتهريب اليهود من سوريا ولبنان عبر الحدود قرب المطلة ، بواقع 150 – 200 مهاجر أسبوعيا .

 

وتوضح أرقام هجرة اليهود من الاقطار العربية انها كانت محدودة للغاية قبل 1948 ، وانها نشطت بعد قيام اسرائيل وحتى العام 1952 ، ثم تراجعت بعد انكشاف زيف الادعاءات الصهيونية حول الخطر الذي يتهددهم في اوطانهم العربية . وفي رصد الظاهرة يقرر يعقوب خوري – في كتاب يهود البلاد العربية ص 40 – وهذا يدل بصورة قطعية على أن اليهود يتمتعون بكامل حريتهم في البلاد العربية . وانهم يحققون فيها ارباحا طائلة ونجاحا في اعمالهم" .

 

وبمناسبة استقلال المغرب كتب موشيه شاريت – في مذكراته ص 602 – يقول : "إن التجربة تدل حتى الآن على أن الدول العربية لا تضيق على الهجرة  . فحكومة اليمن لم تعرقل خروج اليهود باعداد كبيرة ، وحكومة العراق فتحت أبواب الخروج على مصاريعها ، وحكومة مصر تسمح لليهود بالخروج الى ايطاليا وفرنسا مع علمها بوضوح بأن وجهتهم هي اسرائيل . كما انه صدر عن حكام مراكش الجدد وعود رسمية لممثلي المؤتمر اليهودي العالمي بعدم التعرض لحرية اليهود في المغادرة .

 

ولقد وفرت عملية التطهير العرقي التي مورست ضد الشعب العربي الفلسطيني ، الفرصة للقيادة الصهيونية لاستيطان مئات الالوف الذين هجرتهم باسكانهم محل الذين هجرتهم من الاحياء والقرى العربية . فضلا عن ان المؤسسة العسكرية  - السياسية الحاكمة في اسرائيل وجدت في يهود البلاد العربية مادة بشرية قليلة التكلفة كايد عاملة وجنود في القوات المسلحة ، يوم كانت إسرائيل تعاني قصورا في عدد المستوطنين . ومع ذلك لم يسلم يهود البلاد العربية المهجرين من أن تطالهم العنصرية الصهيونية ، إذ تعامل معهم الساسة والمفكرون والجمهور الاشكنازي بمنتهى الازدراء والقسوة .

 

ولو فرضنا جدلا ان المستوطنين الصهاينة ذوي الأصول العربية " لاجئين "  ، كما قرر الكونجرس الأمريكي ، فان من حقهم العودة لديار آبائهم وأجدادهم التي رحلوا منها باعتبار ذلك حق لكل لاجىء بموجب شرعة حقوق الانسان . وعليه ما رأي السادة أعضاء الكونجرس لو تمت عملية مبادلة بين هؤلاء "اللاجئين" واللاجئين العرب الفلسطينيين . بحيث يعود هؤلاء للأقطار العربية التي هجرهم الصهاينة منها ، ويستعيدوا أملاكهم التي باعوها ، مقابل عودة اللاجئين العرب الفلسطينيين واستعادتهم أملاكهم التي تصرف بها حارس أملاك العدو الصهيوني . ولا أحسب الدول العربية المعنية تمانع في ذلك ، سيما ونحن نعيش زمن الصلح والتطبيع . أم أن هذا مرفوض امريكيا لتناقضه مع الاستراتيجية الاستعمارية بتهجير عرب فلسطين ويهود البلاد العربية ؟!!

عوني فرسخ
18 أبريل 2008