الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

التوظيف البريطاني للقضية الكردية في استعمار العراق

 

    لم يكن قرار مجلس الشيوخ الامريكي باقامة ثلاثة اقاليم "فيدرالية" على أسس عرقية وطائفية في العراق المحتل سوى اعادة انتاج لدعوات استعمارية توالى طرحها منذ بداية القرن التاسع عشر لتفكيك البنى الاجتماعية العربية وطمس انتمائها القومي . ولقد اعتاد صناع القرار والمفكرون الاستراتيجيون الاوروبيون – والامريكيون من بعدهم - محاولة استغلال كون الامة العربية ذات طبيعة تركيبية تضم التنوع ضمن اطار الوحدة ، في تجاهل متعمد لعوامل الوحدة التراثية والثقافية فيما بين مختلف الجماعات ذات الوجود الطبيعي والتاريخي في الوطن العربي . وذلك ما انعكس على الادبيات الاستشراقية التي غالت في تسليط الاضواء على خصائص الجماعات محدودة النسبة العددية في المشرق والمغرب العربيين مقابل تكثيف الظلال حول روابطها التراثية والثقافية والاجتماعية مع محيطها العربي . وبتجاهل متعمد لتعايشها السلمي مع مواطنيها العرب باعتبارها من بعض النسيج الاجتماعي الوطني على مدى القرون السابقة للمرحلة الاستعمارية ، ويذكر د. جورج قرم – في كتابه انفجار المشرق العربي ص 105 – أن المشرفين على اطروحات الدكتوراه في الجامعات الاوروبية والامريكية يشجعون طلبتهم العرب على ابراز قضايا الاقليات في اقطارهم ، وانهم يرغمونهم احيانا على ذلك بهدف ابراز التمايزات الاجتماعية حيث وجدت .

 

    وكانت بريطانيا ، من قبل احتلالها العراق سنة 1917 ، قد اولت القضية الكردية " اهتماما خاصا ، محاولة ابقاءها احتياطيا تكتيكيا عندما تنشأ اشكالات مع بغداد أو طهران . وتعود صلات الانجليز بالاكراد الى الربع الاول من القرن التاسع عشر بتدخلهم في صراع العثمانيين مع الامارتين الكرديتين الصورانية والبابانية . وكان بارزا في السليمانية عشية الحرب العالمية الاولى كزعيم كردي الشيخ محمود البرزنجي الذي يعود بنسبه لرجل صالح عربي الاصل اقام في السليمانية ونال مكانة قدسية بين الاكراد . وعندما اخلى الاتراك كركوك امده القائد التركي علي احسان باشا بالذهب لتنظيم حرب عصابات خلف خطوط الانجليز ، وعندما وقعت الهدنة طلب احسان باشا من قائد حامية السليمانية تسليم الشيخ محمود زمام الادارة وحكم السليمانية باسم الاتراك وليكون الفوج التركي المرابط هناك تحت امرته . غير أن البرزنجي ابرم صفقة مع الانجليز ، سلمهم بموجبها المنطقة وضباط وجنود الفوج التركي ، لقاء تعيينه حاكما للسليمانية يعاونه مستشاران انجليزيان اداري وعسكري ، وعلى أن يحكم كممثل للحكومة البريطانية " التي يجب عليه ان ينفذ تعليماتها ويحترم ارادتها " .

 

     وما إن تراجعت اهمية الشيخ محمود حتى عين الميجرسون حاكما للسليمانية في آذار / مارس 1919 ،  الأمر الذي رد عليه في 20/5/1919 باعلانه تولي السلطة المطلقة في السليمانية ، واعتقال الضباط الانجليز في بيوتهم ، وقطع الاتصال السلكي مع كركوك ، والاستيلاء على حلبجة ، لكن المناطق الكردية لم تستجب لحركته ، إذ تعهد بعض الزعماء بالتعاون مع الانجليز . وأمام الهجوم البريطاني والخلاف في أوساط "النشابه " الكردية ابدى استعداده للمفاوضة ، إلا أنه اعتقل وحكم عليه بالاعدام ثم خفض الحكم للسجن عشر سنوات ، واخيرا نفي وبعض خاصته الى الهند . وكان شمالي العراق قد شهد بداية 1919 تحركا كرديا في منطقة الحدود مع تركيا ، حيث تقيم قبائل الزيباريين والبرزانيين ، شارك في قيادته الشيخ احمد البرزاني وشقيقه مصطفى ، اللذان اضطرا مع غيرهما من الزعماء القبليين للجوء الى الجبال تحت ضغط الهجوم البريطاني ، فيما قرر الانجليز ترك الحدود مع تركيا ، بما فيها العبادية ، خارج سيطرتهم .

 

     وكانت القوى العراقية الوطنية حينذاك تصعد مطالبها بالاستقلال ، ووحدة العراق ، وبحكومة عربية دستورية . في حين وجدت بريطانيا في التحرك الكردي ، وفي قضية الموصل ، عاملي ضغط قوي . ففي 8/10/1921 اصدر المندوب السامي بيانا اعاد فيه تأخير الموافقة على قانون الانتخاب الى "الاشكال الحادث في ايجاد حل موافق للمصالح الكردية في مناطق مختلفة بحسب معاهدة سيفر " . وكان ذلك اول توظيف بريطاني للحراك الكردي ، وتكرر الامر حتى وقع الملك فيصل معاهدة 1922 ، ثم عندما وقعت الحكومة العراقية معاهدة 1924 ، ثم في توقيع معاهدة 1930 .  وفي ذلك ما يدل على ان قادة التمرد الكردي كانوا ، بوعي منهم او لاوعي ، مجرد بيادق شطرنج في خدمة الاستعمار البريطاني للعراق .

 

     وغداة توقيع معاهدة 1936 تقدم بعض زعماء الاكراد بعرائض وبرقيات احتجاج على استقلال العراق لكل من : الملك فيصل ، والمندوب السامي البريطاني ، وسكرتيرية عصبة الامم ، مطالبين "بتحقيق ما جاء في قرارات عصبة الامم بشأن تأسيس دولة كردية" . وبعد أن تدارست العصبة الطلب أصدرت قرارا جاء فيه انه ليس للطلب من مستند في اعمال العصبة ، ولا يمكن تأييده الا بتفسير خاطىء للقرارات التي توصل إليها مجلس العصبة في 16 كانون اول (ديسمبر) 1925 عندما الحقت المناطق التي يعيش فيها اصحاب العريضة بالعراق " . وعلى ذلك أوصى المجلس برد عريضة الزعماء الاكراد .

 

     ولم يقتصر دور الانجليز في "القضية الكردية " على استغلال تحركات البرزنجي والبرزاني ، وغيرهما من زعماء القبائل الكردية ، وانما بذلوا كل ما يقوي إبراز "ذاتية كردية" على نحو مختلف جذريا عما كان عليه الحال في القرون الممتدة من فجر الإسلام وحتى احتلال البصرة سنة 1914 . ففي تقرير قدمته بريطانيا لعصبة الأمم في 24/2/1926 ورد القول : " اما بخصوص استعمال اللغة الكردية فيجب الا يغرب عن البال ان الكردية قبل الحرب لم تكن مستعملة كواسطة للمخابرة لا بصورة رسمية ولا خصوصية . ولقد كان هناك كمية لا يستهان بها من المؤلفات في الشعر ، إلا أن التطور الذي حدث في لغة الكتابة وجعلها واسطة للمخابرة انما يعود الى مساعي الموظفين البريطانيين ، وكان المستعمل سابقا الفارسي والتركي والعربي ... ويتخذ الان كل تدبير ممكن لا لاعطاء الحرية في استعمال اللغة الكردية فقط بل للتشويق على استعمالها بكل فعالية . كما ورد في التقرير ذاته القول : "وكان الإنقاص جاريا بصورة تدريجية في عدد الموظفين غير الاكراد المستخدمين في مناطق كردية ، وإن سياسة استخدام الأكراد فقط دون غيرهم حينما يوجد من له اهلية ورغبة في الاستخدام جارية بكل مواظبة" .

 

     وفي انفراد رئاسة إقليم كردستان بالترحيب بقرار التقسيم الامريكي ما يدل على استعداد الزعامات الكردية المعاصرة إعادة إنتاج وظيفة بيادق الشطرنج في تنفيذ مخطط التفتيت الامريكي – الصهيوني .

 

عوني فرسخ
16 أكتوبر 2007