الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

نكسة الحل المرحلي

 

بصعوبةٍ بالغة وافقت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 على البرنامج المرحلي ، وأقرت استعدادها القبول بدولةٍ فلسطينية على الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1967 ، أو أي شبرٍ من أرض فلسطين يتم تحريره ، دون العودة إلى الشعب الفلسطيني صاحب القرار الشرعي والحق الحصري في القبول أو الرفض ، ومع ذلك هناك فرقٌ كبير بين الحل المرحلي الذي أقرته مؤسسات م.ت.ف وحل الدولتين الذي تدعو إليه الولايات المتحدة الأمريكية ، وتحاول إقناع الحكومة الإسرائيلية به ، والذي قبلت به السلطة الفلسطينية وتلهث وراءه ، رغم أنه حلٌ مسخ ، لا يرضي طموحات الشعب الفلسطيني ، ولا يحقق آماله وأهدافه ، ولا يرقى إلى مستوى عطاءاته وتضحياته وتاريخه النضالي ، فالحل المرحلي الذي وافقت عليه م.ت.ف كان يقوم على أساس دولةٍ فلسطينية مستقلة كاملة السيادة على الضفة الغربية وقطاع غزة ، وأن تكون القدس الشرقية عاصمةً لها ، دون تنازلٍ عن أي شبرٍ من الأرض التي فقدها الفلسطينيون في حرب النكسة عام 1967 ، ودون السماح للإسرائيليين بالاحتفاظ بأي جزءٍ من الضفة الغربية وقطاع غزة بحجة الحفاظ على المستوطنات وأمن المستوطنين ، وتسهيل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ، ولكن الحل المرحلي يقوم على أساس الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية ، ويعترف بحق إسرائيل في الوجود كدولةٍ مستقلة في المنطقة ، ويفترض التنازل عن الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1948 ، التي ستتشكل فيها الدولة العبرية المعترف بها .

 

ولو افترضنا جدلاً أن الحل المرحلي بصيغته الأولى كان يحظى بتأييد قطاعاتٍ مهمة من الشعب الفلسطيني ، ويلقى الدعم والقبول من بعض فصائل منظمة التحرير الفلسطينية ، فضلاً عن دعم وتأييد العديد من الحكومات العربية ، ذلك أنه كان سيحقق دولةً فلسطينية كاملة السيادة على الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية ، وسيرفع العنت والحرج عن كثيرٍ من الأنظمة الرسمية العربية ، ومن المفترض أن حلاً من هذا النوع سيخدم الدولة العبرية ، وسيجلب لها الاعتراف العربي والإسلامي بشرعية وجودها ، وسيجعل منها دولةً منسجمة مع النسيج العربي المحيط ، ولكن حل الدولتين المطروح اليوم على طاولة البحث ، والذي تبرزه الإدارة الأمريكية من حين لآخر ، وتصوره كأنه نصر أو إنجاز كبير ، فإنه يشكل نكسةً حقيقية للحل المرحلي ، وتنازلاً عن كثيرٍ من الحقوق والإنجازات التي حققها الشعب الفلسطيني ، إذ لا يتصور الفلسطينيون أنهم بعد سنواتٍ طويلة من النضال والمقاومة ، وبعد انتفاضتين عملاقتين ، وآلاف الشهداء ، أنهم سيقبلون التنازل عن أكثر من 40% من الضفة الغربية ، وهذا في أحسن الأحوال ، إذ أن مشروع الدولتين يعطي الحق للدولة العبرية بالاحتفاظ ببعض مستوطناتها في الضفة الغربية ، وبمواقعها العسكرية ، وطرقها الأمنية الالتفافية ، فضلاً عن احتفاظها بمساحاتٍ كبيرة من الضفة الغربية ذات المساحة الأكبر والكثافة السكانية الأقل ، هذا إلى جانب رفض القبول بتقسيم القدس كعاصمة للدولتين ، ورفض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم ، مع الإصرار بأن تكون الدولة الفلسطينية العتيدة دولةً منزوعة السلاح ، منقوصة السيادة ، خاضعة لكثيرٍ من أشكال الوصاية والمراقبة والمتابعة ، وكان الفلسطينيون بعد هزيمة يونيو 1967 أكثر تمسكاً بمواقفهم وثوابتهم رغم آثار النكسة ، فكيف بقيادة السلطة الفلسطينية اليوم ، وبعد تراكم الانتصارات التي حققتها المقاومة العربية  تريد من الشعب الفلسطيني أن يتنازل عن حقوقه وثوابته ، وكان الأجدر بها أن تركن إلى خيارات شعبها ، وإرادة أهلها ، وصمود مقاومتها، وتتمسك أكثر بحقوقها ، والتي أقلها دولةً فلسطينية مستقلة كاملة السيادة فوق الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 67 ، بما فيها القدس الشرقية كعاصمة للدولة الفلسطينية .

 

وإذا كان الحل المرحلي الأول يفترض قيام وحدة فلسطينية ، ويحقق تآلفاً فلسطينياً شعبياً ، ويرسي قواعد دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة ، فإن حل الدولتين يؤسس لانقسامٍ فلسطيني حقيقي ، وإذا كان تسويق الحل المرحلي قد تطلب تصفية بعض الشخصيات الفلسطينية المعارضة لطرح الحل المحلي ، فإن تسويق حل الدولتين سيقود إلى تصفياتٍ أشد ، وصراعاتٍ دموية أعمق ، بين خيارين متناقضين ، وسيدخل الفلسطينيين مرةً أخرى في حمأةِ تصفياتٍ داخلية قذرة ، تمولها وترعاها إسرائيل وبعض أنظمة المنطقة الإقليمية والدولية ، كما أن حل الدولتين يعطي الإسرائيليين ما لم يكن يحلموا به رغم معارضتهم العلنية له ، فهو يحقق لهم اعترافاً بشرعية كيانهم ، وقبولاً بدولتهم ضمن دول المنطقة ، واعترافاً بدورهم ونفوذهم وتأثيرهم في المنطقة كدولةٍ إقليمية قوية ، وإذا كان الحل المرحلي يقوم على رؤية استراتيجية واضحة ومحددة الأهداف ، إذ أنه يقوم على انسحابٍ كامل وواضح إلى حدود الرابع من حزيران ، فإن حل الدولتين يقوم على ضبابية شديدة الغموض ، ويدخل الفلسطينيين في نفقٍ مظلم غير محدد النهاية ، ويعطي الإسرائيليين الحق في استيلاد وخلق الحجج والحاجات والضرورات الأمنية والسياسية وحتى الاقتصادية لتبقي على الكيان الفلسطيني المقصود بصورةٍ مسخة ومجردة من كل عوامل الدولة والسيادة والبقاء .

 

وإذا كان طرح الحل المرحلي قد خلق طبقةً سياسية فلسطينية نخبوية ، تحرص على تحسين صورة الفلسطينيين لدى الغرب ، من خلال طرح مواقف وتصورات أكثر مرونة ، وأقرب إلى العقل الغربي ، من خلال الإعلان الصريح عن استعداد م.ت.ف للاعتراف بدولة إسرائيل ، فإن حل الدولتين وفق الصيغ المطروحة على أساس خارطة الطريق ومقررات أنابوليس ، سيخلق طبقة سياسية فلسطينية متآمرة على مستقبل القضية الفلسطينية ، وسيعمق الفجوة بين قطاعات الشعب الفلسطيني ، كما أن حل الدولتين يقوم على تصوراتٍ اقتصادية ، تخلق رفاهيةً معيشية فلسطينية ، الأمر الذي يعني خلق قططٍ سمانٍ فلسطينية جديدة ، تعيش على مقدرات الشعب الفلسطيني ، وتحرص على خصوصياتها وثرواتها ، حتى ولو كان مصدر ثرواتهم بناء المزيد من المستوطنات وتوسيعها ، وتمكين إسرائيل أكثر في الأرض الفلسطينية .

 

لقد رفض الفلسطينيون الاعتراف بدولة إسرائيل بعد هزيمة يونيو 1967 وهم في أسوأ الظروف ، ولم يقبلوا بتقديم أي تنازلٍ لصالح العدو الإسرائيلي مقابل الحصول على دولةٍ فلسطينية كاملة السيادة ، فوق الضفة الغربية وقطاع غزة ، فكيف يقبلون اليوم بتقديم كل هذه التنازلات ، وان يعطوا إسرائيل كل الضمانات التي كانت تحلم بها ، وهم – أقصد الفلسطينيين - في حالٍ أفضل ، وموقعٍ أحسن ، فهم في أرضهم صامدين ، ومعهم سلاحهم وعزمهم مرابطين ، والأمل يملأ قلوبهم ، والعزة تتراءى أمامهم ، والشهادة مطمع الكثير منهم ، وقد غادروا معسكر المنهزمين إلى معسكر الانتصار ، في الوقت الذي تعيش فيه إسرائيل ظروفاً أسوأ ، وحالةً من فقدان الثقة بنفسها وجيشها وقيادتها غير مسبوقة ، وهي خائفة على مستقبلها أكثر من أي وقتٍ مضى .

  

د.مصطفى يوسف اللداوي

16 يونيو 2009