الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

أخبار مقلقة وانتهاكات صارخة

 

تواترت أخبار عديدة عن "حرية الإعلام في العالم العربي" في الفترة الأخيرة مقلقة ومحيرة، تتناقض مع وصفها في الدساتير الوطنية والتشريعات الرسمية والأنظمة الداخلية للنقابات والمنظمات المدنية المختصة بكلمات معسولة وقواعد مشجعة على التطور والإبداع والالتزام بقوانين المهنة وخدمة الشعب والتواصل الحضاري والإنساني، وتشير الإخبار إلى ازدواجية معايير فعلية فيها. صحيح أن السلطات العربية تعودت عليها وعلى استخدام وسائلها القمعية دائما ضدها ولاسيما مع من هي خارج مطبخها الرسمي أو تحاول الاستقلال عنه بإشكال متعددة. مؤكدة على الصورة التي تحاول اغلب السلطات العربية تعميمها باستمرار عن حالة الإعلام وحقوق الإنسان لديها، خاصة في فترات الأزمات الداخلية أو الانتخابات أو الضغوط الخارجية. كيف يمكن الجمع بينها وبين هذه الإخبار؟ ولماذا حصل ما حصل؟ بل وما صحبه من انتهاكات جسدية وارتكابات ضد حقوق الإنسان عموما. ومقارنة بما نشر وأعلن عنه يكون الوضع العام باعثا للتشاؤم من أية عملية إصلاح وتحديث في تلك البلدان العربية التي تسربت عنها هذه الإخبار. وهي صورة سلبية للمشهد السياسي الرسمي والقول الفصل في رؤية السلطات العربية لآفاق التقدم والتطور على هذه الأصعدة. حيث اغلب السلطات في هذا الشأن تشبه الضفدعة في قعر البئر، لا ترى العالم إلا من فتحته المحدودة ولا يتسع أمامها ما يجري في العالم المحيط بها وإمكانيات التغيير الأخرى.

 

كل يوم يعلن عن إغلاق صحيفة ومحاكمة صحفيين، أو منع بث فضائية ووكالة أنباء وغلق لمكتب إعلامي أو حجب لموقع الكتروني وإصدار أحكام جائرة على العاملين في مهنة البحث عن المتاعب من اجل خدمة الشعب وقضاياه العادلة والمشروعة. وتدعي السلطات التي تمارس هذه الانتهاكات التزامها بالقانون وترفع شعارات الديمقراطية والدفاع عن الحريات العامة وتتباهى بحرية التعبير وتشجيع وسائل الإعلام بمختلف أنواعها. وفي الوقت الذي تتطور فيه تقنية الاتصالات وتتوسع استخداماتها، وتصبح المطالبة بتوفير وسائطها ومتابعتها إشارة للتقدم والتطور العلمي والثقافي، وعلامة على جدية السلطات العربية على مواكبة التطور العلمي والاستثمار فيه وتشجيع البحث والكفاءات المهتمة به، تنتشر مثل هذه الإخبار المقلقة متصاحبة مع انتهاكات صارخة وعاكسة لانتكاسات مختلفة في شتى المجالات، بدء من الحريات وانتهاء بالتقدم العلمي والاجتماعي والحضاري. بل أصبحت هذه الإخبار المؤسفة عرضة للتأويلات والتحليل السياسي عند من يرسم الصور والأحكام المسبقة عن العالم العربي ويساعد على انتشارها بسعة كبيرة برهانا له وفضحا معلنا عن تلك الإجراءات غير الإنسانية في كل الأحوال.

 

لا يمكن تبرير مثل هذه الإخبار في هذه الأيام. إذ أن التطور التقني في وسائل الإعلام منح فرصا واسعة للوصول إلى الناس والانتشار الكبير، لاسيما الفضائيات وشبكات الانترنت والبريد الالكتروني وبشتى الوسائل والبرامج الأخرى. وهذا التوسع في هذا المجال يصعب تكميمه بالوسائل القمعية السابقة له، وبالطرق السلطوية المقرفة والتي تكشف عورات السلطات إضافة إلى أفعالها المصاحبة لتلك الإخبار. وبات عليها ضرورة مراجعتها واحترام شعاراتها وتنفيذ ديباجات دساتيرها وقوانينها الوطنية التي تتعارض مع ما نشر من انتهاكات صارخة.

الاعتداءات الجسدية وعمليات الاختطاف، من بين تلك الإخبار الصادرة عن أكثر من بلد عربي، تعكس ضيقا من السلطات وفشلا سياسيا في إقناع الشعب بسياساتها قبل كل شيء. فضلا عن ارتكاب جرائم ضد القانون وحقوق الإنسان. الأمر الذي يفضح في هذه الممارسات أساليب السلطات التعسفية ويدينها قانونا وأخلاقا وعرفا ويبقى وصمة سوداء في تاريخها تدل على  تناقضاتها الأخرى. هذه الممارسات المدانة سلفا تستدعي العمل السريع على إيقافها والاعتذار من ضحاياها وتعويضهم عما لحق بهم من أضرار مادية ومعنوية، واعتبار الاختلاف بالرأي معها رحمة وفضيلة وقوة للحراك السياسي والاجتماعي والثقافي الوطني والقومي.

 

في الوقت الذي تقوم فيه وسائل الإعلام في العالم العربي، لاسيما المستقلة أو غير المرتبطة بأجهزة السلطات مباشرة، إلى التنافس مع مثيلاتها في عوالم أخرى ومواكبة التطور معها والتخلص من الأحكام المسبقة عنها واثبات نفسها في مجالاتها المتعددة وبكفاءات معروفة ومشهود لها، تتعرض من السلطات الرسمية، إلى هذه الكوابح والمعوقات، وتتعامل معها بضيق أفق وقصر نظر وتهاون غير مبرر، بدلا من الدعم والتشجيع وتسهيل مهماتها. كما تسهل الحديث عنها عبر تلك الإخبار المقلقة والمحزنة معا. ولا يمكن قبول مثل هذه الانتهاكات الصارخة ولا تبريراتها أو تفسيرها الرسمي. حيث كشفت حالات كثيرة بعد التحقيق فيها خلوها من المخالفات القانونية أو ما شابهها، وتبينت في معظمها أو جلها أنها في نطاق مجالات الخلافات في الآراء السياسية وسبل المعالجات للأوضاع المتأزمة والمتفاقمة في تدهورها فضلا عن احتكار القرارات فيها، أي أنها ضمن إطار المعارضات الفكرية والسياسية الشرعية والقانونية لأساليب الحكم والتصرفات السلطوية، لاسيما فيما يخص الشأن العام والمصالح الوطنية والقومية التي لا يمكن الصمت عنها أو الاختباء منها. أي أنها تصب في خدمة الصالح العام والعملية السياسية وبناء مؤسسات الدولة والشرعية الدستورية وتعزيز دور السلطات القانونية.

 

أثبتت تجارب القمع واضطهاد العاملين في هذه الوسائل عربيا فشلها في تحجيم دائم لتأثير وسائل الإعلام ونشر الآراء والمواقف المختلفة، بل ضاعفت من خسائر وظيفتها الرسمية بتحولها إلى ضغوط باسمها من الخارج في أكثر الأحيان، والتقليل من هيبة الدول العربية وقراراتها في الداخل وسمحت لظهور هذا التباين والقلق من أخبارها، لاسيما إذا كانت هذه السلطات في بؤرة الاستهداف الخارجي أو في حملة العلاقات العامة التي تعمل عليها بعض الدول الكبرى في محاولات تحسين صورتها عربيا وإسلاميا.

 

حرية الإعلام اليوم مظهر من مظاهر التطور والتقدم ومرآة تعكس مدى احترام الدستور والقانون وحقوق الإنسان الأخرى، وفي عالمنا العربي تظل ميزانا ومؤشرا واضحا للحكم على المشهد السياسي العربي المعاصر.

 

كاظم الموسوي

15 نوفمبر 2009

k_almousawi@hotmail.com