الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

المسكوت عنه في خطاب محمود عباس

 

الخطاب السياسي لا تنحصر اهميته عند الموجه اليهم ولا دلالته على مقاصد صاحبه بما يعلنه فقط وانما ايضا بما يسكت عنه وله صلة بموضوعه . وكثيرا ما يكون المسكوت عنه هو الاكثر اهمية عند متلقيه والابلغ دلالة على المقاصد الحقيقية لمن صدر عنه ، وقديما قيل "السكوت في معرض الحاجة بيان" . وتكمن اهمية ما لم يأت على ذكره ابو مازن في خطاب اعلانه عدم رغبته بالترشيح لانتخابات رئاسة سلطة حكم الذات في الضفة والقطاع المحتلين ، بكونه لما يزل رئيسا لكل من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، واللجنة المركزية لحركة فتح . ما يعني أنه باق لاعبا اساسيا على مسرح السياسة الفلسطينية ، بل وصاحب القرار الاول في مؤسستين لا تقاس بهما أهمية رئاسة هيئة لا تخرج عمليا عن كونها مجرد إدارة مسؤولة عن بعض شؤون مواطني الضفة المحتلة بالوكالة عن سلطة الاحتلال وتحت رقابتها واشرافها .

 

فمنظمة التحرير الفلسطينية ، وإن مسخ فريق اوسلو ميثاقها ، واعتاد تسخيرها في تمرير ما يبصم عليه من اتفاقيات مطعون بها وطنيا ، لما تزل تعتبر الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني , وبالتالي محسوب عليه ما تقره وتبرمه دون مشاركته في مناقشته واقراره . وحركة فتح ، وإن امتهن الفريق إياه تاريخها وهمش من لا يزالون اوفياء لدوافعهم الوطنية التي حفزتهم للانتساب اليها ، إلا أن فتح لا زالت صاحبة دور في الحراك الوطني الفلسطيني يتبناه قطاع غير يسير من النخب والجماهير غير المطعون بوطنيتها ، وإن تغلبت لديها العصبية الفصائلية والمصالح الذاتية على الوعي بخطورة الدور الذي يمارسه باسمها فريق اوسلو بقيادة محمود عباس .

 

وكان ابو مازن قد هدد بالاستقالة من رئاسة السلطة احتجاجا على تكثيف عملية تهويد القدس ، وقد ذهبت به الظنون ان يكون لتهديده صداه عند الادارة الامريكية . غير أن لقاءه الاخير مع وزيرة الخارجية السيدة هلاري كلينتون خيب ظنونه . مما دفعه لاعلان عزمه على عدم الترشيح لانتخابات رئاسة السلطة ، التي كان قد حدد موعدها مستهدفا بالدرجة الاولى احراج حماس وبقية فصائل المقاومة . غير أنه ليس في خطابه ، وما صدر عنه في اعقابه ، ما يستدل منه على أن صدمة سقوط رهانه على الترياق الامريكي حفزته لاجراء مراجعة جذرية للنهج الذي تمخض عن توقيع اتفاق اوسلو بالصيغة التي جاء عليها ، وما ترتب على الالتزام به من نتائج كارثية .

 

ويأتي في مقدمة ما يتطلب مراجعة جذرية في تجربة فريق اوسلو ، والذي اوصله للطريق المسدود الذي عكسه خطاب السيد محمود عباس ، القراءة الخاطئة لحقائق الصراع وعدم اخذ متغيرات ومستجدات ميزان القوى في الحسبان . فاتفاق اوسلو ما كان ليأتي بالصيغة التي انتهى اليها لولا أن المفاوضين الفلسطينيين كانوا مسكونين بشعور الهزيمة ، بحيث قبلوا بكل ما فرضه الصهاينة ، دون ان يتنبهوا الى المأزق الذي كان يعانيه التجمع الاستيطاني الصهيوني . فحكومة رابين ما كانت لتقبل المشاركة في مؤتمر مدريد على قاعدة "الارض مقابل السلام" أو لقاء ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في اوسلو ، لولا أن آلة حربهم فشلت في قمع انتفاضة اطفال الحجارة ، التي عرت العنصرية الصهيونية وفضحت عجزها امام إرادة أطفال فلسطين  .

 

وفي كل تجارب حركات التحرر الوطني احتلت الجبهة الوطنية الملتزمة بالثوابت المتفق عليها حجر الزاوية في الاستجابة للتحديات الخارجية والداخلية على السواء . ودائما كان تقديم التناقض الرئيسي مع العدو على التناقضات الثانوية بين شركاء المسيرة والمصير مقياس سلامة النهج ومصداقية المواقف . وبدلا من أن تكون صدمة الاستهانة الامريكية بأبسط مطالب رئيس السلطة حافزة للانفتاح على حماس ودعوة مختلف القوى للالتقاء على قواسم وطنية مشتركة ، استهل خطابة بالهجوم على ما اسماه "الامارة الظلامية " ، متجاهلا أن ما اوصله الى المأزق الذي يعانية ليس "الانقلاب الظلامي " لحماس ، كما قال ، وإنما لكونه في مواجهة ظلامية تلمودية لا تجاريها اي سلفية اسلامية عبر التاريخ مهما اتهمت به من تشدد وانغلاق .

 

ثم إن خطاب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية سكت سكوت أهل الكهف عن المحرقة الصهيونية في قطاع غزة ، والحصار الدولي والعربي على القطاع ، والتواطؤ مع العدو الصهيوني على عدم ادخال المواد اللازمة لاعادة اعمار ما دمرته آلة الحرب الصهيونية في عدوانها الآثم . وهذا السكوت عن الواقع الذي يعاني منه مليون ونصف مليون مواطن فلسطيني ، وذاك الهجوم المستهدف تعطيل اي امكانية للمصالحة المبنية على التزام بالثوابت الوطنية ، يحملان على الظن بأن غاية خطاب السيد الرئيس تأكيد التزامه بالتعليمات الامريكية بمنع اي اتفاق للمصالحة غير مؤسس على التزام حماس بشروط الرباعية .

 

والذي تعكسه حوارات الفضائيات العربية ، وما تزخر به شبكة الانترنت من رسائل ومقالات ، اتساع دائرة النخب الفكرية والسياسة الفلسطينية خاصة ، والعربية عامة ، المشغولة الفكر والوجدان بالقضية الفلسطينية . ذلك ان سقوط الرهان على المفاوضات العبثية ، واتضاح انسداد آفاق التسوية ، فسحا المجال لحوارات وطنية حول سبل تقديم الاستجابة الفاعلة للتحديات التي تواجه الشعب العربي الفلسطيني في وطنه المحتل من النهر الى البحر وفي الشتات العربي والدولي .

 

ويأتي في مقدمة ما هو مطلوب الوصول إليه صياغة استراتيجية شاملة لادارة الصراع مع التحالف الامبريالي - الصهيوني تؤسس لاعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وكل مؤسساتها بدءا بالمجلس الوطني ، واحياء ميثاقها بالصيغة التي جاء عليها سنة 1964، وتفعيل دروها . بحيث تعود كما اريد بها عند تأسيسها حاضنة لمختلف الوان الطيف السياسي والفكري الوطني الفلسطيني ، الملتزمة بالتحرير والعودة وخيار المقاومة بكل اشكالها سبيلا لذلك ، والتفاعل مع العمق العربي ، خاصة قواه الملتزمة بدعم استراتيجية التحرير والعودة  بما يطور قدرات المقاومة ماديا ومعنويا ، بحيث توالي أداءها بما يعمق المأزق الذي بات يعانيه التجمع الاستيطاني العنصري الصهيوني ، بعد عدوانه على لبنان صيف 2006 وفشله امام الصمود والمقاومة في قطاع غزة مطلع العام الجاري . وهذا هو التحدي الذي تواجهه النخب الفلسطينية ، فهل تراها ترقى لمستوى المسؤولية التاريخية ؟

 

عوني فرسخ
14 نوفمبر 2009