الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

دلالات أزمة دخول حجاج غزة وانفراجها

 

حين اتخذت حكومة اولمرت قرارها بعدم السماح لحجاج قطاع غزة العودة من معبر رفح وأصرت على دخولهم من معبر كرم أبي سالم "ايريز" وإخضاعهم ، للتفتيش والتدقيق في انتماءاتهم السياسية ، لم تبال بعدوانها الصارخ على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، الذي يقضي بحق المواطن بالخروج والدخول الحر لوطنه . فضلا عن عدم مراعاتها لكون الألفين ومائتي حاج وحاجة مدنيين عائدين من أداء فريضة هي الركن الخامس من أركان الإسلام . وبهذا يدلل صناع القرار الصهيوني على استحالة انعتاقهم من الثقافة العنصرية الرافضة الآخر وقيمه ومبادئه .

 

وعلى مدى أسبوع ممانعة الحكومة والأجهزة الصهيونية وصمود حجاج القطاع وصناع القرار في حركة حماس ، لم يصدر عن لجان حقوق الإنسان وهيئات المجتمع المدني الأمريكية والأوروبية ، كما عن الإدارة الأمريكية والحكومات الأوروبية ، التي طالما ملأت أجواء العالم صراخا حول حقوق الإنسان ، أدنى إدانة للمنع الصهيوني أو تأييد للصمود الفلسطيني . وفي ذلك دلالة صحة القول بأن عدوان المشروع الصهيوني يحظى بما لم يحظ بمثله عدوان أي مشروع استعمار استيطاني عنصري آخر ، لكونه أداة تخدم مصالح قوى الاستغلال والهيمنة الأمريكية والأوروبية في الوطن العربي . فضلا عن أن في ذلك دلالة  على ازدواجية المعايير الغالبة على المواقف الرسمية والشعبية الأمريكية والأوروبية تجاه شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بشكل عام والعرب والمسلمين منهم بصفة خاصة .

 

وحكومة اولمرت حين اتخذت قرارها بفرض ارادتها على دخول حجاج قطاع غزة لم يخامرها أدنى شك بخضوعهم لأحكام الأمر الواقع الذي أرادت فرضه . وما كانت لتقرر فرض الدخول من المعبر الذي لها عليه سلطة مطلقة لولا يقينها بأن ليس لدى العرب ما يفعلونه ، وقد شلت إرادة صناع قرارهم المعنيين بالأمر بما ألزمتهم به اتفاقات كامب ديفيد 1979 واوسلو 1993 ، والتي مكنت صناع القرار الصهيوني من امتلاك زمام المبادرة الاستراتيجية في العلاقة مع شركائهم العرب الشددي الحرص  على الوفاء بما فرضتاه عليهم  برغم عدم وفاء اسرائيل باي التزام مقابل . ولا أدل على ذلك من توالي اللقاءات الحميمة مع اولمرت وأركان حكومته ، وإشاعة أجواء التفاؤل بقرب العودة لماراثون المفاوضات ، فيما تتواصل معاناة الحجاج العالقين على الحدود . بل ولم يتردد  بعض الناطقين بلسان سلطة الرئيس محمود عباس في تحميل قيادة حماس المسؤولية لأنها سمحت لحجاج القطاع بالخروج من معبر رفح. وبهذا تكون ازمتهم قد عرت ليس فقط الاتفاقات غير المتكافئة وإنما أيضا الذين لم يزالوا يتباهون بالانجاز العظيم الذي حققوه بتوقيع الاتفاقات سيئة السمعة .

 

ويبدو جليا أن صناع القرار السياسي والعسكري الصهيوني ، كما المهرولين للصلح والتطبيع على مدى الوطن العربي ، لم يدركوا بما فيه الكفاية المتغيرات والمستجدات في ميزان القدرات والأدوار ، الذي لم يعد مختلا لصالح التحالف الأمريكي الصهيوني ، بعد التطور الكيفي في أداء المقاومة في العراق ولبنان وفلسطين . ويكفي التذكير بأن أكثر من محلل سياسي معروف يقول بتسارع انحسار مرحلة التغول الأمريكي والعربدة الصهيونية ، مقابل صعود فعالية المقاومة وتقدمها نحو امتلاك المبادرة الاستراتيجية في الصراع الممتد . بل وأن قوى الممانعة والمقاومة غدت أقوى وافعل من قوى المساومة والتفريط المستسلمة للإرادة الأمريكية – الصهيونية .

 

وهناك من ينظر للقرار المصري السماح بالعبور الحر من معبر رفح كردة فعل وطنية على موقف أنصار إسرائيل في الكونجرس الأمريكي الذين حسبوا أن باستطاعتهم تطويع الإرادة الوطنية المصرية بالدولارات ، التي لم تعد بالخير على الشعب العربي بمصر . فيما يرى آخرون أنه كان للقلق الشائع في الشارع المصري بفعل الواقع المأزوم ، كما لمكانة القضية الفلسطينية في الوجدان المصري ، تأثيريهما في القرار الذي أثلج صدور العرب ما بين المحيط والخليج . إلا أنه ليس مما يجافي الحقيقة القول بأن إصرار الحجاج على ممارسة حقهم المشروع بالدخول من معبر رفح ،  وتصميم قيادة حماس على تحمل التبعة السياسية لأي حراك يحقق هذه الغاية ، كانا أهم ما أولته القيادة المصرية الاعتبار .

 

ولقد كان للفضائيات العربية ، وإن بدرجات متمايزة ، دورها في إذكاء القلق والسخط في عموم الشارع العربي ، الأمر الذي كان له تاثيره الايجابي في سرعة التحرك الرسمي العربي ، على خلاف ما هو معهود من صناع قرار النظام الإقليمي العربي . غير أن فعالية الإعلام إنما كانت نتاجا لإصرار الحجاج وصمود قيادتهم السياسية . والقرار الرسمي العربي كما الفعالية الإعلامية تؤشران لما هو ثابت تاريخيا من علاقة جدلية فيما بين الحراك الوطني الفلسطيني والاستجابة العربية ، رسميا وشعبيا ، للتحدي الاستعماري الصهيوني . فالنهوض الفلسطيني كان يستدعي دائما فعالية عربية ، والعكس كذلك . إلا أنه في كل مراحل التراجع وطنيا وقوميا شكل نهوض المقاومة في فلسطين ومحيطها العربي رافعة للاستجابة الرسمية والشعبية العربية في مواجهة التحدي الإمبريالي - الصهيوني . وهذا ما يضحد مزاعم تحميل قصور النظام الإقليمي العربي مسؤولية تخلف الأداء السياسي للنخب الفلسطينية المحتكرة صناعة القرار . كما أن فيه تعرية الاحتجاج بالقصور العربي ، الذي لا ينكر ، في تبرير التقصير المريع في تطوير الحراك الوطني الفلسطيني بحيث يشكل رافعة لقوى الممانعة في المحيط العربي وتفعيل دوره التاريخي كعمق استراتيجي داعم لشعب فلسطين في تصديه لقوى الاستغلال والهيمنة التي تستهدف الأمة العربية من بوابتها الفلسطينية . وهذه في اعتقادي أهم دلالات أزمة دخول حجاج القطاع وانفراجها .

 

ولقد تزامن صمود الحجاج ودخولهم الحر قطاع الممانعة والمقاومة مع تضافر الجهود لفرض تصفية كامل الحقوق الفلسطينية المشروعة . فإسرائيل صعدت عدوانها مستهدفة إنهاك قوى المقاومة في الضفة والقطاع على السواء . والإدارة الأمريكية وظفت لقاء انابوليس لدعم الرئيس محمود عباس ووعدت سلطته بمليارات الدولارات لشراء حق العودة بثمن بخس . إذ أن ما رصده مؤتمر باريس لثلاث سنوات لا يعادل ثلث ريع أملاك اللاجئين لسنة واحدة . والسؤال الأخير : إذا كان حجاج القطاع المحاصر قد حققوا بإصرارهم الدخول الحر من حيث أرادوا فهل يكتب لمخطط التصفية الأمريكي النجاح إن التقت كل القوى على تكامل الجهود لتحقيق الوحدة الوطنية والقيادة الجماعية على قاعدة الالتزام بالتحرير والعودة خيارا استراتيجيا ؟ سؤال اترك الإجابة عنه لمن اسندوا مباشرة مفاوضات "قضايا الحل النهائي" لمن ادمنوا تقديم التنازلات بحجة الواقعية .

 

عوني فرسخ
12 يناير 2008