الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

ليست العلمانية درع الوقاية

وانما العروبة والديمقراطية

 

غداة غزو العراق قال الرئيس بوش إن إدارته ستجعل من العراق نموذجاً "ديمقراطياً" لإقامة " الشرق الأوسط الجديد".  وفي تبرير تمديد العدوان الاسرائيلي على لبنان قالت الوزيرة رايس " إنها آلام مخاض الشرق الأوسط الجديد".  وأن يفشل العدوان الصهيوني وتتأكد استحالة حسم الوضع في العراق المحتل عسكرياً، ليس معناه طي صفحة مخطط الانتقال بالوطن العربي من التجزئة القطرية الى التفتيت العرقي والطائفي، باعتبار ذلك الوسيلة المثلى لتواصل استغلاله موقعاً وموارد وأسواقاً في مصلحة قوى الهيمنة والاستغلال الكونية وأداتها الصهيونية.  ويبدو واضحاً السعي لتوظيف الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة لتحقيق ما عجزت عنه آلة الحرب الأمريكية وربيبتها الصهيونية.  فيما جندت أجهزة الإعلام الأمريكية والمتأمركة في تسليط الأضواء حول كل ما يستفز المشاعر ويحرش اتباع القبلة الواحدة، شركاء المسيرة والمصير، بعضهم على بعض.

 

        وفي مواجهة نذر الفتنة، التي تلوح في أفق أكثر من قطر عربي، دعا بعض المفكرين والإعلاميين العرب لاعتماد العلمانية، باعتبار أنها نجحت في اشاعة مناخات التعايش السلمي بين أتباع الكنائس الأوروبية المختلفة، وطي صفحة الصراعات الدامية بين أتباعها.  فضلاً عن أنها أسهمت في تعزيز التطور الديمقراطي بإسقاط الادعاء بالحق الإلهي بالحكم.  والسؤال المحوري هل إن ما حققته العلمانية في أوروبا يمكن اعادة انتاجه في الوطن العربي، أم أن هناك تمايزاً كيفياً بين الظروف الموضوعية في الوطن العربي عنها في أوروبا، كما في طبيعة الصراع والتحديات التي تواجه الشعوب العربية في الزمن الراهن، وبالذات شعبي العراق ولبنان، حيث تحاول أجهزة الإعلام إياها اضفاء اللون المذهبي على الصراع المحتدم، في تجاوز متعمد لدوافعه وغاياته !

 

        وفي الإجابة ألاحظ أن الصراع في العراق المحتل انما يدور مع قوى الاحتلال ومن جاء بهم، وموضوعه تحرير العراق واستعادة سيادته المنتهكة، والحفاظ على وحدة ترابه الوطني ونسيجه الاجتماعي.  والمقاومة فيه وطنية وليست من لون مذهبي واحد، ولا هي قاصرة على أصحاب الانتماء القومي العربي.  إذ يشارك فيها على مستوى القيادات والكوادر عراقييون من مختلف الأصول والمذاهب.  والطبيعة الوطنية للصراع في لبنان في غير حاجة لإيضاح.  وكذلك هي حال الجدل السياسي والحراك الوطني المتنامي في أكثر من قطر عربي.

 

        والذي يتجاهله دعاة العلمانية العرب أن الإسلام لم يعرف الدولة الدينية، وانما الدولة المدنية، وهذا ما يقرره " مجمع البحوث الاسلامية بالأزهر الشريف".  وبالعودة للأصول نجد أن الرسول، عليه الصلاة والسلام، تلقى بيعة النساء كما بيعة الرجال، مما يعني ممارستهن حقوقهن السياسية.  وفي " الصحيفة " اعتمد حقوق المواطنة لغير المسلمين من أبناء المدينة المنورة وساواهم بمسلميها في الحقوق والالتزامات المدنية.  فضلاً عن أنه لم يعتبر الانتساب السلالي جذر العروبة وانما الانتماء الحضاري بقوله:  "ليست العربية بأحدكم بأب أو أم وانما العربية اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي". – تاريخ إبن عساكر ج 2 ص 189 – مؤكداً بذلك ما عرفت به الثقافة العربية منذ بدايتها بانعدام المشاعر العنصرية، ومعززاً انفتاح العرب التاريخي تجاه الآخر دون أي تمييز.  كما اعتمدت " البيعة " في تولي الخلفاء الراشدين.  ولنا في تراث عمر بن الخطاب أكثر من مأثرة تؤكد الطابع المدني لدولة الخلافة، كما في تقبله قول الأعرابي:  لو وجدنا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، وتعقيبه على اعتراض امرأة على طلبه تحديد المهور بقوله:  أصابت امرأة وأخطاً عمر.  ومنذ العهد الأموي غدا التوريث سبيل تولي الحكم.  وليس بين الخلفاء على اختلاف سلالاتهم ومذاهبهم من ادعى بالحق الإلهي بالحكم، فيما لم يجاوز الفقهاء الاجتهاد ووعظ الخلفاء والولاة دون أن يكون لأي منهم سلطة زمنية.

 

        وحيث قضى الاسلام بأن " لا إكراه في الدين"، وأقر الحقوق الدينية والمدنية للمسيحيين واليهود، ولم يعرف التاريخ العربي " بابوية " تصدر " قرارات الحرمان " و "صكوك الغفران"، انتفت الحاجة للعلمانية.  بل وتعتبر الدعوة لها، حين يقصد بها محاربة التدين، عدواناً على حقوق الإنسان بحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية.  فضلاً عن إنها في هذه الحالة تحدث تناقضاً رئيسياً بين جمهور المؤمنين والسلطة المتعسفة في تطبيق شروط العلمانية، وهو تناقض ينتهي بها لممارسة الدكتاتورية كما هي الحال في تركيا وتونس.  في حين لم يرد للعلمانية ذكر في أدبيات رواد الفكر وقادة العمل القومي العربي من ساطع الحصري إلى جمال عبد الناصر، كما أنها لم تعتبر بين أهداف العمل القومي راهناً كما حددها " المؤتمر القومي العربي".

 

        وعلى عكس العلمانية شكلت العروبة تاريخياً أهم عوامل الوحدة الاجتماعية، إذ ينتمي لها العربي المسلم والمسيحي، أي كان مذهبه أو طائفته.  ثم إن بين العرب وأبناء وطنهم المتمايزين سلالياً وشائج قربى تراثية.  ذلك لإن غير يسير من بني قومهم اندمجوا في النسيج الاجتماعي العربي، كما بالنسبة للأمازيغ في المغرب والأكراد في المشرق، ونظرائهم أصحاب الوجود الطبيعي والتاريخي في الوطن العربي.  فضلاً عن أن هذه الجماعات عاشت، ولا تزال، في الفضاء الثقافي العربي، وكان لها إسهامها في الثقافة العربية وفي كل معارك العرب ضد الغزاة الأجانب، وهي في الواقع العملي عربية اللغة والثقافة وأنماط السلوك.  ثم إن أيا من هذه الجماعات لم تهمش في أي نشاط وإنما كان لها إسهامها في حدود ما تملكه من كفاءات.

 

        وفي دراسته للواقع العربي انتهى المفكر الاستراتيجي  د.  محمد عابد الجابري للقـول :

" ليس هناك جماعة في الوطن العربي تريد الانفصال، وكل ما هنالك المطالبة بحق الاختلاف داخل الوحدة، أي بحقوق الأقليات الاجتماعية والسياسية والثقافية ".  وحين يؤخذ في الحسبان انعدام المشاعر العنصرية في الثقافة العربية، وغياب نوازع الانفصال عند الجماعات المعتبرة أقليات، فإن التناقضات، إن وجدت بين أي من هذه الجماعات وبين الأغلبية العربية لا تعدو كونها تناقضات ثانوية لا تحتم الصدام، إن سلمت من المداخلات الخارجية.  وحلها بالتالي رهن باعتماد الديمقراطية، والالتزام الصادق بحقوق الانسان وسيادة القانون، والحرص على تعزيز روابطها التراثية بالأمة العربية، المتميزة بأنها ذات طبيعة تركيبية تضم التنوع ضمن إطار الوحدة.

 

        وعليه يغدو جلياً أنه في مواجهة مخطط طمس الهوية العربية، والتفتيت العرقي والطائفي، وإثارة الفتن المذهبية، وإذكاء النزاعات فيما بين شركاء المسيرة والمصير، تشكل العروبة والديمقراطية درع الوقاية والحماية، وليست العلمانية هي الدرع بحال من الأحوال.  وبالتالي يغدو في مقدمة تحديات المرحلة الراهنة العمل لتعزيز الانتماء القومي العربي والديمقراطية، والإقرار بحق الاختلاف ضمن حدود الالتزام بوحدة التراب الوطني والنسيج الاجتماعي في كل قطر عربي.   

 

عوني فرسخ
12 أبريل 2007