الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

حدثني صديقي من الأشرفية :

لماذا تجهيل الفاعل في تهجير مسيحيي الشرق؟

 

روى لي صديقي، ابن الأشرفية المقيم في باريس منذ 34 عاماً، حواراً جرى بينه وبين رجال أعمال أمريكيين التقاهم في مجال عمله، حيث قال لهم محذراً من مغبة استمرار سياسة بلادهم في منطقتنا: "بيتي في بيروت لا يبعد عن مرفأ العاصمة بأكثر من 500 متر، وأذكر أنه في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي، كانت تأتي إليه سفن حربية أمريكية وحاملات طائرات، فنذهب إلى المرفأ ونستقل "حسكة" صغيرة في البحر ونتجه نحو تلك السفينة، ونصعد على متنها، ثم نقفز إلى الماء منها، كل ذلك كان يتم بسلام وأمان... فأين اليوم من الأمس... فبوارجكم تستطيع أن تصل سواحلنا ولكنها مدججة بكل أنواع الحماية... والاقتراب منها ممنوع بل ومستحيل... لقد بتّم محاطين ببحر من العداء في هذه المنطقة".

أجابني أحد الأمريكيين قائلاً: "ولكن حالكم أنتم المسيحيون في الشرق ليس بأفضل منا، فالأقباط في مصر يتعرضون للاضطهاد، والمسيحيون في العراق للتهجير، وأنتم في لبنان بتّم أقلية..."

ضحكت ساخراً من كلامه وقلت: لماذا لم تذكر مسيحيي فلسطين؟ لقد كانوا يشكلون حوالي ثلث المجتمع الفلسطيني قبل الاحتلال الإسرائيلي، ولكن عددهم اليوم لا يتجاوز ال 1 % ...

"إن قصة تهجير مسيحيي الشرق بدأت من فلسطين وعلى يد الكيان الصهيوني الذي سهلت دولتكم وحلفاؤها قيامه، ووفرت له ، وما تزال، كل الدعم والمساندة، وتنحاز إليه بشكل مطلق، ولا تحاسبه مرة واحدة على مجازره وجرائمه... وآخرها ما جري في غزة والقدس، والخليل وبيت لحم وصولاً إلى دبي...

"أما في مصر، واستطرد صديقي في حديثه: "حيث محاولات إشعال الفتنة بين المسلمين والأقباط مستمرة منذ سنوات، فلو عادت بنا الذاكرة قليلاً إلى الوراء للاحظنا دون صعوبة تزامن مشروع الإيقاع بين المسلمين والأقباط في مصر مع توقيع معاهدتي "كمب ديفيد" مع العدو الصهيوني في نهاية السبعينات من القرن الماضي، وكأن "الصلح والتطبيع" مع العدو يتطلب فتنة وانقساماً بين المصريين وبين العرب... وكلنا يذكر كيف عزل الرئيس السادات الأنبا شنودة، الذي اعتكف بدوره لسنوات في دير في سيناء، وكيف حرّم هذا المرجع المسيحي المشرقي الهام زيارة الأقباط إلى القدس المحتلة.."

"وفي العراق"، أضاف صديقي لمحاوره الأمريكي: هل تستطيع أن تنكر إن موجات تهجير المسيحيين التي سبقتها عمليات تفجير وقتل واستهداف كنائس، مع غيرها من بيوت العبادة، قد بدأت مع احتلالكم العراق في ربيع 2003، وأن مسيحيي العراق عاشوا على مدى ألاف السنين كجزء طبيعي من نسيج المجتمع العراقي، ولعبوا دوراً مميّزاً في حياته السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية والاجتماعية.

"وإذا أتينا إلى لبنان"، يضيف صديقي ابن الأشرفية العتيق فيقول للأمريكي: "كل اللبنانيين يعرفون أن التهجير الكبير للمسيحيين من بيوتهم وقراهم، إنما حصل بعد عام 1982، أي بعد الغزو الصهيوني الأكبر للبنان، الذي تمّ برعاية إدارته ودعمها، ففي عام 1983 و 1984 جرى تهجير مئات الآلاف من مسيحيي الجبل وساحل الشوف وشرقي صيدا، وهي مناطق لم تعرف التوتر طيلة سنوات الفصل الأول من الحرب الأهلية (1975 – 1982)، وقبل الدخول الإسرائيلي المباشر على خط هذه الحرب..."

وختم صديقي، ابن العائلة البيروتية العريقة، حديثه قائلاً: أستغرب تغييب الترابط والتزامن بين تهجير المسيحيين من الشرق العربي وبين مخططات الاحتلال والغزو والتدخل الأجنبي، بل بين هذه المخططات ومشاريع الفتنة والاحتراب الأهلي على أنواعها، وبكل مستوياتها، والتي لا يشتد أوارها وتلتهب نيرانها إلا مع ازدياد الوجود الاستعماري والتدخل الأجنبي.. فلماذا تجهيل الفاعل هنا ؟... علماً أن الفاعل معروف ومعروف جداً...

وهنا يتساءل صديقي (وهو يتجول معي في أرجاء منزل الآباء والأجداد في حي مار نقولا بالأشرفية، والذي يعود بناؤه إلى 300 سنة، ويرفض صديقي وشقيقه المحامي المبدئي بيعه بأغلى الأثمان): لماذا لم يهجّر مسيحيو سوريا مثلاً على غرار أخوانهم في بلدان المنطقة، أليس لأن دمشق بقيت عصيّة على الاختراق والاحتلال والنفوذ الأجنبي...

وفجأة انتفض صديقي وكأنه تذكر شيئاً، قائلاً: أتعلم ما هي الخطة الصهيونية الاستعمارية من تهجير مسيحيي الشرق عموماً، ومسيحيي فلسطين خصوصاً؟ أنها محاولة لإظهار الصراع في المنطقة وكأنه صراع بين الصهاينة والمسلمين بهدف استدراج "مسيحيي الغرب" على المستوى الشعبي للتحالف مع الصهاينة بوجه "الإسلام"، (باعتباره أن هؤلاء يشكلون جزءاً هاماً من الرأي العام العالمي)، خصوصاً وأن التحالف بين الغرب الرسمي والمشروع الصهيوني هو "تحالف وجود" يعود إلى أكثر من قرن ونصف، حيث كان واضحاً دور "الغرب" في "إيجاد" الكيان الصهيوني نفسه، ثم في حماية وجوده ودعمه في حروبه العدوانية...

وختم صديقي ضاحكاً، محاولاً دغدغة عواطفي، أتعلم أن مخطط تهجير مسيحيي الشرق قد سبقه مخطط ضرب مشروع العروبة كهوية جامعة للأمة، يكفي أن نتذكر أنه في عهد جمال عبد الناصر لم نسمع بحادثة طائفية واحدة في مصر...

 

معـن بشـور

11 مارس 2010