الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

قراءة في خطاب نتنياهو

 

لم يكد نتنياهو ينهي خطابه في جامعة بارإيلان الاسبوع الماضي حتى سارع البيت الابيض للترحيب به واعتباره خطوة مهمة الى الامام . مما يعني إقرار ما انطوى عليه من ادعاءات وتبني ما تضمنه من الشروط وما قاله نتنياهو وما صدر عن إدارة اوباما وضعا النخب العربية السياسية والفكرية ، وبخاصة المشاركة منها في صناعة القرارات ، في مواجهة مراجعة جذرية لمواقفها ومقولاتها وسلوكياتها العامة والخاصة . والارتقاء بمستوى فعلها وقولها بما يؤمن تقديم الاستجابة الفاعلة تجاه التحديات التي حفل بها خطاب نتنياهو ، من تنكر لحقائف التاريخ ، ورفض للقرارات الدولية ، وعدوان على الحقوق العربية المشروعة ، وتعاط غير موضوعي مع معطيات الواقع . كما يتضح بالوقفة الموجزة مع ابرز ادعاءات وشروط نتنياهو التالي بيانها .

 

فالادعاء بوجود اليهود التاريخي في فلسطين منذ ثلاث آلاف سنة ، على الرغم من كون غالبيتهم الساحقة من اصول لا تمت لفلسطين بأي صلة ، فهو ادعاء يتنكر للوجود الطبيعي والممتد للشعب العربي في فلسطين منذ بداية العمران الانساني . الأمر الذي يستدعي نهوض مفكري الامة العربية ، والفلسطينيين منهم خاصة ، لضحد الادعاء الصهيوني استنادا لحقائق التاريخ وشهادات أبرز المؤرخين المختصين .

 

ومطالبة الفلسطينيين خاصة ، والعرب عامة ، الاعتراف باسرائيل "دولة يهودية" ، وهي المطالبة المؤيدة امريكيا واوروبيا ، فإنما تعني فرض القبول الضمني بتهميش مليون ونصف مليون مواطن عربي ، وإهدار حقوقهم السياسية ، والمس الخطر بحقوقهم الدينية والوطنية . فضلا عن أنهم بذلك يغدون تحت تهديد التطهير العرقي بالتهجير القسري "والترانسفير" الذي يدعو له ليبرمان والعديد من شركاء نتنياهو بالحكم .

 

أما إعلان رفض عودة اللاجئين بحجة ان ليس فيما تحتله اسرائيل من أرض فلسطين متسعا لهم ، بعد أن بلغ مستوطنوها الصهاينة ستة ملايين ، فهو رفض لا يقتصر  فقط على التنكر لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 194 ، الذي قًبلت اسرائيل عضوا في المنظمة الدولية عندما اكدت التزامها به ، وإنما أيضا على تجاهل ان كل مستوطن صهيوني فيها انما يقيم في مدينة او قرية هجر منها اللاجئون العرب تحت تهديد السلاح في حرب 1948 – 1949 ، وانهم لما يزالوا يمتلكون 92 % من مساحة الدولة الاسرائيلية برغم اجراءات حارس املاك العدو . ثم إن إهدار حق العودة لا يمس فقط في الصميم  حقوق اللاجئين بالعودة لديارهم والتعويض عليهم ، وإنما له أيضا تداعيات خطرة في الاقطار العربية المضيفة للاجئين . وهذا ما يجب أن يأخذه في حسبانهم صناع القرار الرسمي العربي المتهاونون بحق العودة .

 

ولم يعتبر نتنياهو الضفة الغربية أرضا عربية محتلة ، وإنما هي في زعمه "يهودا والسامرة" و"الارض اليهودية التاريخية " . وبالتالي فمواطنوها العرب ليسوا في نظره سوى سكان أجانب مقيمين فيها بحكم الأمر الواقع . وبقاؤهم رهن بقرارات سلطة الاحتلال الصهيوني صاحبة السيادة الفعلية على الارض العربية المحتلة . وهو قول ينطوي على رفض غير معلن للعودة لحدود 1967 .

 

وفي تأكيد نتنياهو اعتباره القدس الموحدة عاصمة ابدية لاسرائيل ، فإنه وإن قال بحرية زيارة الاماكن المقدسة لغير اليهود ، إلا أنه بهذا التأكيد يتنكر اولا لقرار الامم المتحدة باعتبار منطقة القدس دولية ، ثم لقرار مجلس الامن بعدم جواز ضم القدس الشرقية فضلا عن المساس الخطر بحقوق مواطنيها العرب أصحاب الوجود الطبيعي والتاريخي فيها ، وما تتعرض له مقدساتها الاسلامية والمسيحية ومعالمها الاثرية من عبث كنتيجة لعملية التهويد الجارية فصولها في المدينة المقدسة دون مبالاة  بالقرارات الدولية التي تحظر ذلك .

 

ولقد اشاد نتنياهو بالمستوطنين في الضفة والقدس المحتلتين ، باعتبارهم في نظرة يقومون بعمل صهيوني مجيد . وهو وإن قال بعدم الاقدام مستقبلا على مصادرة اي ارض للاستيطان ، قاصدا بذلك الاملاك العربية الخاصة ، فإنه لم ينف احتمال ذلك في الارض الاميرية واملاك الغائبين ، فضلا عن التزامه وحكومته بما يسمونه النمو "الطبيعي للمستوطنات القائمة . وليس فيما قاله ما يوحي باستعداد حكومته الالتزام بالقرارات الدولية الرافضة للاستيطان في الاراضي المحتلة ، ولا بالمواقف الامريكية والاوروبية المنددة بالتوسع الاستيطاني .

 

ولم يفت نتنياهو التأكيد على أهمية الحصول على ضمانات "أمن" الكيان الصهيوني ، والاقرار بحق "اسرائيل" بالوجود ، وتأمينها ضد اشكال المقاومة العربية المشروعة في القانون الدولي . بل إنه بدا مطالبا المحتلة ارضهم بالاسهام في قمع كل نشاط مقاوم ، واعتبار ذلك في مقدمة شروطه للتفاوض مع السلطة الفلسطينية .

 

ولا ينكر انه قال بحل الدولتين ، ترضية لادارة أوباما ، غير أن المواصفات التي اشترطها لما اسماه "دولة " فلسطينية ، من حيث تجريدها من السلاح ، وفقدانها السيادة على ترابها الوطني وسماتها وحدودها ، وحصر السيادة بسلطة الاحتلال الصهيوني ، لا يبقي منها سوى محمية سكانية لا ترقي حتى الى مسخ دولة .

 

ومع ان حديث السلام الاقتصادي والسياحي ، والدعوة للقاء القادة العرب في اي من عواصمهم ، احتلا مساحة ملحوظة من خطابه على قصره ، إلا أنه تجاهل تماما مبادرة القمة العربية كما تجاهل ، خريطة الطريق – التي سبق ان وضعتها الادارة الامريكية بمنظور صهيوني . وهو حين يفعل ذلك فإنه يعبر عن طموحه لانتزاع تطبيع عربي مجاني ، وفرض الاستسلام على انظمة التسوية برغم واقع كيانه المأزوم .

 

ونتنياهو بخطابه عالي النبرة العنصرية ، والادارة الامريكية بترحيها بالخطاب برغم ما حفل به من ادعاءات وما تضمنه من شروط ، يعيدان الصراع للمربع الاول باعتباره صــراع وجود ولا وجود مع استعمار استيطاني عنصري إجلائي المعركة مع "مباراة صفرية " ، مستحيل فيها الوصول الى السلام . وهذا يشكل تحديا مصيريا لصناع القرار العربي العام ، والفلسطيني منه الخاص ، بعد أن سُدَت في وجوههم كل آفاق التسوية التي طال رهانهم عليها وبدا جليا عبثية انتظار موقف متوازن من الادارة الامريكية ، الحليف الاستراتيجي للعدو الصهيوني . وبالتالي لم يعد امام العرب سوى المقاومة ، بكل اشكالها ، باعتبارها الاستجابة الفاعلة والمجدية لكل من يريد الاحتفاظ بدور يذكر له في تاريخ الصراع الممتد الذي فرض على الامة العربية من بوابتها الفلسطينية  والسؤال الاخير : هل يرقى من أدمنوا الرهان على الخارج لمستوى تفعيل ما تختزنه شعوبهم من إرادة الممانعة والمقاومة ؟ أم أنهم باتوا أسرى أوهام ليس لهم منها فكاك .

 

عوني فرسخ
11 أغسطس 2009