الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

فوز قطر وفرصة التكامل الخليجي والتطوير

 

لفوز قطر باستضافة مونديال 2022 اكثر من دلالة جديرة بالابراز في الزمن العربي الراهن ، إذ هو فوز عربي وليس فوزا قطريا فحسب ، بدليل الفرحة التي استقبل بها على مدى الوطن العربي . وهو فوز على الدولة الاعظم ، ودون رضاها كما يتضح من ردة فعل الرئيس اوباما ، ما ينفي ما قد يذهب اليه القائلون بالمؤامرة في كل حدث امريكا طرف فيه . ثم انه فوز في مواجهة اربعة دول اثنتان منها تتصدران مجموعة الثمانية . وفي ذلك كله دلالة على قدرة العرب على المنافسة عالميا عندما يوظف صانع القرار امكانات قطره فيما يرى فيه تحقيقا لطموح ذاتي كبير .

 

     ثم إن فوز قطر في منافسة مع اربع من اكثر دول العالم قدرات سياسية ، وامكانيات اقتصادية ، وتقدما علميا ومعرفيا ، في زمن الشكوى المريرة من التخلف العربي عن مواكبة العصر ، مؤشر على أن التخلف الذي لا ينكر ليس قدرا محتوما . ولا يعود لعيب في طبيعة العرب كما يدعي العنصريون . ولا هو فقط نتاج التخلف الموروث عن المرحلة الاستعمارية وما سبقها من انحطاط واستبداد . وانما هو أيضا نتاج غياب الارادة السياسية والتوجه الجاد لتوظيف الامكانات المادية المتاحة والقدرات البشرية المتوفرة التوظيف الامثل في تطوير وتحديث المجتمعات العربية وتكاملها ، بما يدفع لمواكبة التقدم العلمي والمعرفي والمجتمعي متسارع الخطى . بل ويوفر فرصة استعادة الحضور العربي الفاعل اقليميا ودوليا . ما يعني ان آفاق التقدم العربي غير مسدودة إذا توفرت الارادة السياسية لتجاوز واقع التجزئة والتخلف والتبعية .

 

     ولقد اجمعت وكالات الانباء على ان الشيخة موزة بنت ناصر المسند اختطفت الاضواء وهي تقدم ملف قطر ، كما ابدت شعورا غامرا بالثقة في نظر مليارات المشاهدين على مدى العالم . مقدمة للشعوب ، وبالذات الاوروبية والامريكية ، صورة مشرقة للعربية والمسلمة ، مناقضة تماما لصورتها النمطية الغالبة في اجهزة الاعلام المروج لمعاداة الاسلام " الاسلامو فوبيا " . فضلا عن أن حضورها الذي فرضته على المشاهدين برهان ضاحد للتصور الشائع لمجتمعات الخليج العربي ، وشهادة حية لما حققته من تطور في مكانة المرأة خلال زمن قصير في أعمار الشعوب  .

 

     غير ان استضافة قطر لمونديال العام 2022 يرتب عليها كنظام وكمجتمع اعباء والتزامات لطالما حسبت حسابها دول كبرى نافست على استضافة الحدث الرياضي العالمي الاول . وهي اعباء والتزامات ممتدة الى ما بعد ايام المونديال المعدودة . وهذا ما يستدل عليه من انحسار المنافسة على الاستضافة بين الدول الكبرى ، برغم عائدها الاقتصادي الكبير . ولقد لجأت بعض الدول ، برغم وفرة مواردها وعظم قدراتها وتقدم بناها التحتية ، إلى مشاركة غيرها في عرض الاستضافة لتقتسم معها تحمل الاعباء والالتزامات ونصيبها من عوائد المونديال . وهذا ما فعلته اليابان وكوريا الجنوبية عندما استضافتا مونديال 2002 وما فعلته ايضا كل من اسبانيا والبرتغال ، كما هولندا وبلجيكا في التنافس على استضافة مونديال 2018 الذي فازت به روسيا . ولا ينكر ان لدى قطر وفرة مالية ، غير أن ما سوف تقيمه من ملاعب وتشيده من فنادق وغيرها من المنشأت ، التي يستدعيها استضافة ما قد يجاوز نصف مليون مشاهد ، ما يشكل عبئا ثقيلا على دولة محدودة المساحة وعدد المواطنين . وذلك في الوقت الذي تتوفر فيه لدى دول مجلس التعاون ما يوفر على قطر اقامة عدد من المنشآت التي تتطلبها استضافة المونديال . وقطر عضو في مجلس التعاون وبينها وبين اعضائه ما يتيح لها الاستفادة مما هو متوفر لديها . وليس من شك ان تحقق هذا الطموح قد لا تجيزه "الفيفا " ، حيث لم يسبق ان تقدمت قطر للمنافسة على الاستضافة باسم المجلس ، أو بالمشاركة مع احد الاعضاء . إلا أن من نجحوا في منافسة الولايات المتحدة واليابان لن يتعذر عليهم ايجاد حل لما قد يواجهونه في تحقيق ما فيه خير قطر حاضرا ومستقبلا ، فضلا عن آثاره الايجابية على تكامل دول مجلس التعاون وتعميق التفاعلات فيما بين مواطنيه .

 

      وتأتي استضافة قطر للمونديال ، وما تستدعيه من اعداد للملاعب وتطوير جذري لبنيتها التحتية وتشييد فنادق ومنشات عدة ، في زمن تعاني فيه الشركات الهندسية والانشائية في عدد من الاقطار العربية من تداعيات الازمة المالية العالمية . وغير يسير من هذه الشركات حققت خلال العقود الاربعة الماضية خبرة فنية وكفاءة ادارية تضاهي ما تملكه كبريات الشركات العالمية . وفي ظني ان عضوية قطر في مجلس التعاون وجامعة الدول العربية توفر لها فرصة منح الشركات العربية ، وبالذات الخليجية منها ، الافضلية على الشركات الاجنبية ، بحيث تتيح فرصة انقاذ هذا القطاع الحيوي من الاقتصاديات العربية . والامل كبير في سمو حاكم قطر ، صاحب المبادرات المبدعة على الصعيد العربي في زمن تراجع الفعالية العربية القومية ، بحيث تتاح للشركات العربية ورجال الاعمال العرب فرصة الاسهام في الحدث القطري الكبير .

 

     ولسوف تغدو قطر طوال سنوات الاعداد للحدث الكبير ، فضلا عن ايامه ، محط انظار العالم . ولن يقتصر الامر على ما سوف تقيمه من ملاعب ومبان وطرقات ، وانما قبل ذلك واهم منه على مستواها الحضاري وواقعها المجتمعي . ما يستدعي ان تجعل من العقد القادم عقد تنمية بشرية وتحديث شامل يستهدف مواكبة احدث ما في العصر علميا ومعرفيا واجتماعيا وثقافيا ، بحيث يتوازن البناء على الصعيدين المادي والانساني وتتكامل الصورة إشراقا في نظر العالم .

 

     وللاستفادة من الانشاءات الكبيرة في سنوات ما بعد المونديال ، بحيث لا تغدو عبئا من غير مردود ، بالامكان وضع برنامج طموح يستهدف ان يجعل من قطر موطن جامعات ومشافي ومراكز استجمام ذات كفاءة عالمية ، تستقطب العرب وجيرانهم ، مستفيدة من عشرات الآف العلماء العرب الذين يشغلون اعلى المناصب في جامعات ومشافي امريكا واوروبا . أخذا بالحسبان التزايد الطردي في اعداد العرب الباحثين عن الجامعات ما بين كندا واستراليا . وبذلك توفر قطر لما تشيده الإشغال المنتج بشكل دائم .

 

عـوني فرسـخ

10 ديسمبر 2010