الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

المسكوت عنه في خطاب الرئيس بوش في انابولس

 

     لا تقف أهمية الخطاب السياسي عند ما ينطق به ، وإنما عند ما يسكت عنه أيضا . وكثيرا ما كان المسكوت عنه أهم وأخطر ، فيما المنطوق به ستار خادع للمستهدف من الخطاب ، وفي خطاب الرئيس بوش في لقاء انابولس ما هو مسكوت عنه  أشد خطورة على حاضر ومستقبل شعب فلسطين وأمته العربية مما افصح عنه على خطورته ، ولما كان السكوت في معرض الحاجة بيان فلسكوت شهود الحفل العرب على ما نطق به الرئيس وما سكت عنه دلالات خطرة كذلك .

 

     وحين يتزامن عقد لقاء انابولس مع الذكرى الستين لصدور قرار تقسيم فلسطين ، ويشارك فيه ممثلو الامم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن الدائمون وأكثر من ثلثي دول الجامعة العربية ، مع تجنب عقده في رحاب الامم المتحدة ، ففي ذلك دلالة اعادة تأكيد التزام القوى الراعية للمشروع الصهيوني بالغاية من اقامته مع تقصد استبعاد  المنظمة الدولية كمرجعية في الحكم على تنفيذ ما هو مستهدف في المرحلة المقبلة ، كما انه في قول الرئيس محمود عباس بأن  ما قبل انابولس مختلف عما بعدها ، وأنها فتحت الباب لمفاوضات جادة حول قضايا الحل النهائي ، ما يؤشر الى أن ما قاله ولم يقله الرئيس بوش ، وما سكت عنه شهود الحفل العرب ، إنما يؤشر لمعالم طريق المفاوضات التي يبشر بقرب بدئها الرئيس أبو مازن ، والاجراءات التنفيذية الملازمة لها .

 

    فالرئيس بوش أعطى الاهمية الاولى لتأكيد التزام إدارته باسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي ، مستخدما ذات الصيغة الواردة في تصريح بلفور قبل تسعين عاما ، وإذا كان الوزير البريطاني قد تجاهل الهوية القومية لعرب فلسطين واسقط حقهم في تقرير المصير ، فإن الرئيس الامريكي تجاوز الامرين على خطورتهما ، إذ في تأكيده الالتزام بإسرائيل وطنا قوميا لليهود تجاهل وجود 1.3 مليون مواطن عربي ، هم وحدهم أصحاب الوجود التاريخي والطبيعي والمشروع داخل ما يسمى الخط الاخضر ، فضلا عن أن في تغييبه ذكرهم قبولا ضمنيا بالتطهير العرقي ومؤشر سكوت ادارته المسبق على اجراءات التسفير القسري "الترانسفير" التي سيتعرضون لها .

 

     وحين يقصر الرئيس بوش مطالبة اسرائيل على انهاء احتلال عام 1967 فانه بذلك يضفي المشروعية الامريكية على ما كان محتلا قبله ، متجاهلا  أن اسرائيل تحتل 50 % من القسم العربي بموجب قرار التقسيم ومعظم منطقة القدس الدولية ، وان 92 % من الارض القائمة عليها املاك شخصية لمواطني 530 مدينة وقرية عربية ، هجر 85 % من أهاليها باعتماد القيادة الصهيونية ، بزعامة بن غوريون ، سياسة التهجير القسري ، كما يؤكد ذلك المؤرخون الاسرائيلون الجدد ، فضلا عن كون استعادة اصحابها لها مشمولة بالقرار 194 الذي قبلت اسرائيل عضوا في الأمم المتحدة باعلانها الالتزام بتنفيذه .

 

     والرئيس حين يعيد تأكيد التزام إدارته برسالة الضمانات التي اعطاها لشارون سنة 2004 ، المتضمنة الغاء حق العودة ، فانه بهذا يضيف لاهداره حقوق عرب الارض المحتلة سنة 1948 إهدار حقوق 6.5 مليون لاجىء ، أعادت  الجمعية العامة للامم المتحدة تأكيد حقهم بالعودة في كل دورات انعقادها المتوالية حتى العام 1991 ، بحيث صار حقا مشمولا بالقانون الدولي العام في نظر العديد من فقهاء القانون الدولي ، وبالتالي يكون الرئيس الامريكي قد أهدر حقوق 7.8 مليون مواطن عربي فلسطيني .

 

      ثم إنه حصر مطالبته  اسرائيل بعدم توسيع الاستيطان وبازالة البؤر الاستيطانية "غير المرخصة " ، مما يعني قبول ادارته بالمستوطنات ، وبالحزام الاستيطاني المحيط بالقدس الشرقية ، وبالتبعية بالطرق الالتفافية ، في مخالفة صريحة لقرارات الامم المتحدة واتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 التي لا تجيز تغيير الواقع في الارض المحتلة ، فضلا عن تجاهله وجود نصف مليون مستوطن ، مدربين عسكريا يمتلكون (240) الف قطعة سلاح ، ومسكونين بثقافة عنصرية شديدة العداء للمواطنين العرب وحقوقهم المشروعة .

 

    كما أنه لم يشر لرفع حصار الجوع المفروض على قطاع غزة  ، والمتوقع تشديده بالالتزام بما تقضي به خريطة الطريق المعتمدة مرجعية للمفاوضات المقبلة  ، ثم إن الرئيس لم يأت على ذكر جدار الفصل العنصري ، الذي أدانت إقامته محكمة العدل الدولية ، فضلا عن أنه لم ينبس ببنت شفة حول ما تشكله ترسانة اسرائيل النووية من خطر قائم ، ولا أعلــن تأييده لدعوة تجريد المنطقة من كل سلاح ذري موجود او قد يوجد .

 

     وفي تأكيده أن تكون فلسطين وطنا قوميا للشعب الفلسطيني ، لم يبين حدود "الدولة " القائمة عليها رؤيته ، متجاهلا انه بإقراره مشروعية ما احتل قبل 1967 ، والمستوطنات والطرق الواصلة فيما بينها وبين ما سبق احتلاله ، لا يتبقى من "الدولة" سوى معازل "ابرتهايد " متناثرة . فضلا عن أنه مطلوب من سلطتها ، حتى تفوز بالرضا الصهيوني والقبول الامريكي ، ان تخوض حربا ضروسا مع قوى المقاومة المشروعة في القانون الدولي وشرعة حقوق الانسان ، مما يعني في التحليل الاخير أن "دولة" رؤية الرئيس الامريكي لن تخرج عن كونها استنساخ اكثر بؤسا لسلطة حكم الذات التي تمخضت عن اتفاق أوسلو .

 

     وفي مخاطبته ممثلي الدول العربية ورد قوله : "يجب ان تقوم الدول العربية بمد اليد لاسرائيل والعمل اتجاه تطبيع العلاقات معها ، والاثبات بالقول والفعل ان اسرائيل وشعبها لهم وطن دائم في الشرق الاوسط "  ، متجاهلا ما تميز به العرب تاريخيا من انفتاح غير محدود على مواطنيهم اليهود ، ولم تعرف أي من اقطارهم "معاداة السامية" .

 

     كما أنه تعمد تجاهل أن  العداء القائم انما يعود لكون اسرائيل دولة غير طبيعة النشأة والدور ، فرضت عنوة على الارض العربية ، لتكون اداة قوى الاستغلال الكوني في تأصيل واقع التجزئة والتخلف والتبعية ، لكي يتواصل استغلال الوطن العربي  موقعا وموارد واسواقا وقدرات بشرية ، وكنتيجة لذلك تفجر الصراع ولسوف يتواصل ما دامت مسبباته قائمة ، ثم انه لم يشر للجولان المحتل بكلمة مجاملة لممثل سوريا التي دعاها استجابة لالحاح "أصدقائه" العرب كما قال ، والسؤال الاخير : بعد الذي قاله وسكت عنه الرئيس بوش أي صدقية أبقى لمسوقي أوهام الرهان على الدور الأمريكي في الصراع العربي الصهيوني ؟!!

 

عـوني فرسـخ

10 ديسمبر 2007