الصفحة الرئيسـية  

شـؤون عـربيـة

 

 

  

ما هو مصدر الصراع في المنطقة وكيف ومن يحدده؟

 

انتهت قمة الحكومات العربية في سرت وأصدرت بيانات وتصريحات انشغلت بها وسائل الإعلام العربية وترددت أصداؤها بين تعليق أو تحليل، وهذا أمر جيد وإيجابي يعود في أغلبه إلى توسع هذه الوسائل وحاجتها الدائمة إلى المواضيع التي تشغلها وتملأ برامجها رغم بهوت الجوانب الرئيسية في تناولها وتحليلاتها. وفي كل الأحوال تتطلب البيانات حول مصدر الصراع الرئيسي في العالم العربي وجواره الإسلامي والأجنبي قراءات جدية تعيد الأمر إلى موقعه الصحيح. واللافت هنا تصريحات لجون بولتون، المندوب الأمريكي السابق في الأمم المتحدة، صرح بها في وقت متواز مع أعمال القمة. وجون بولتون معروف بمواقفه وأفكاره ودوره السياسي، وقد يستحسن التذكير بعلاقاته وأصدقائه العرب وهداياهم له رغم انه لا يفتخر بأي منها قدر تفاخره بدوره في إلغاء قرار الأمم المتحدة اعتبار الصهيونية حركة عنصرية، أو تحديده لمصدر الصراع في رأيه وموقفه، وهو أمر واضح، والمستغرب تطابقه مع بيانات وتصريحات شخصيات سياسية مسؤولة في قمة الحكومات العربية في سرت. قال جون بولتون، (في مقابلة أجرتها معه إذاعة الجيش "الإسرائيلي" يوم 28/3/2010) إن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما ستوافق على إيران نووية وأن الخلاف الحالي بين الإدارة الأمريكية وحكومة "إسرائيل" ليس نابعا من البناء الاستيطاني وإنما من رؤية الإدارة الحالية لدور "إسرائيل" في الشرق الأوسط ومنعها من مهاجمة إيران. وقال بولتون "إنني قلق من أن إدارة أوباما ستوافق على إيران نووية ولهذا السبب يمارس البيت الأبيض ضغوطاً على "إسرائيل" الآن لكي لا تشن هجوماً ضد إيران، ولهذا السبب تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً على “إسرائيل” في قضية المستوطنات". ورأى أن "أوباما يؤيد الفكرة السائدة في أوروبا والتي تقضي بأن حل الصراع "الإسرائيلي" - الفلسطيني سيؤدي إلى حل جميع الصراعات في الشرق الأوسط وبينها الصراع الإيراني" .

 

وعبر جون بولتون عن معارضته لهذه الفكرة واعتبر أن "الافتراض وكأن الصراع "الإسرائيلي"- الفلسطيني هو مصدر جميع الصراعات في الشرق الأوسط خاطئ".  وأضاف أن "مصدر الصراع في الشرق الأوسط هو البرنامج النووي الإيراني ودعم طهران للتنظيمات الإرهابية".

 

مواقف بولتون واضحة ولا تحتاج إلى تعليق، فهو صريح في أقواله ومعروف بتشدده وتأييده المطلق للسياسات الصهيونية ولكن السؤال عنها هنا يكمن في تطابقها مع مواقف وبيانات صدرت من عواصم عربية وقمة سرت، أو لا تختلف كثيرا عنها إذا لم تتطابق معها، فما يعني هذا؟ هل هو توارد خواطر وأفكار؟ أم أن في الموضوع ما هو ابعد منه، وهو في مواقفه مازال معبرا عن مواقف اليمين الأمريكي الصهيوني، ويحرض على إدارة باراك اوباما في مواقفها التي أشار إليها.

 

في البيان الختامي للقمة تكرار التزام "بالموقف العربي بأن استئناف المفاوضات الفلسطينية ــ "الإسرائيلية" يتطلب قيام "إسرائيل" بتنفيذ التزامها القانوني بالوقف الكامل للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية ورفض كل الذرائع والتبريرات الإسرائيلية تحت أي مسمى للاستمرار في نشاطها الاستيطاني غير المشروع". وأشار قرار القمة إلى "تأكيد ضرورة الالتزام بسقف زمني محدد لهذه المفاوضات، وأن تستأنف من حيث توقفت وعلى أساس المرجعيات المتفق عليها لعملية السلام".

 

بولتون رأى ان الأزمة بين حكومة "إسرائيل" والإدارة الأمريكية نابعة من خلاف جوهري بين مواقف نتنياهو ومواقف أوباما، وأنه في الوقت الذي يفصل فيه نتنياهو بشكل واضح بين "التهديد الإيراني والصراع "الإسرائيلي"- الفلسطيني فإن أوباما لا يفصل بين القضيتين" وأضاف أن الأزمة الحالية بين "إسرائيل" والولايات المتحدة "ليست حول الوحدات السكنية (الاستيطانية) في القدس وإنما لدينا هنا أزمة حول وجهات نظر مختلفة تماماً". وأشار بولتون الى إن "الزيارة الأخيرة لنتنياهو إلى أمريكا يجب أن تبين لمواطني "إسرائيل" مدى صعوبة السنوات الثلاث المقبلة في مواجهة إدارة أوباما"، وأضاف أنه "لا ينبغي أن يكون لدى أحد أوهام بأن مصدر الخلاف هو “الاستيطان”، ومصدر الخلاف يتعلق بالطريقة التي يرى فيها أوباما دور "إسرائيل" في الحيز الإقليمي".

 

أكد البيان الختامي للقمة، التي أطلق عليها اسم "قمة صمود القدس"، "الرفض القاطع لسياسة الاستيطان المستمرة التي تمارسها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة ودعوة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى التمسك بموقفه المبدئي والأساسي الذي دعا فيه إلى الوقف الكامل لسياسة الاستيطان في كل الأراضي المحتلة، بما في ذلك النمو الطبيعي وفي القدس الشرقية باعتبار الاستيطان يمثّل عائقاً خطيراً أمام تحقيق السلام العادل والشامل".

 

طالبت القمة "اللجنة الرباعية بعدم قبول الحجج "الإسرائيلية" لاستمرار الاستيطان والاعتداءات المستمرة على القدس لتهويدها والضغط على إسرائيل للوقف الكامل للاستيطان".

 

دعا البيان إلى "طرح الإجراءات "الإسرائيلية" غير المشروعة في القدس والأراضي المحتلة على محكمة العدل الدولية ومجلس حقوق الإنسان والجمعية العامة للأمم المتحدة والدول الأطراف في اتفاقية جنيف". كذلك أقرّ البيان خطة دعم صمود القدس، وتنص خصوصا على تخصيص 500 مليون دولار لصندوقي القدس والأقصى اللذين أسسا عام 2001 في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية الثانية. ( أين المخصصات السابقة؟!).

 

أكد الأمين العام لجامعة الحكومات العربية عمرو موسى، في مؤتمر صحافي، استمرار التمسك العربي في المرحلة الراهنة بمبادرة السلام، مضيفاً إن "الشيء الوحيد الذي يمكن تطويره أو سحبه أو عدم التمسك به هو موضوع الدولتين". وأضاف "إذاً ثبت أن إسرائيل لا تترك مجالاً لقيام دولة فلسطينية حقيقية فاعلة وذات سيادة، هنا ربما ننظر في أنه إذا لم تكن هناك فائدة من دولتين، يصبح الحل دولة واحدة، ما يعني أنها لن تكون دولة يهودية".

 

مقارنة النصوص بين تصريحات جون بولتون وبيانات قمة سرت وتصريحات ومواقف أخرى تكشف أمورا خطيرة عربيا وإقليميا، خصوصا حول مصدر الصراع وخطره وتحديده، تتطلب الانتباه لما تحمله الأيام القادمة.

 

كاظم الموسوي

10 أبريل 2010

k_almousawi@hotmail.com