الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 


بين التجاهل وضرورة التناول !

 في بعض الأوقات، يجد المرء نفسه " مكرهاً " على تناول " تهدريز وقطاف " وخطابات معمرالقذافي بالتأمل والتحليل، في محاولة لفهمها، وتفسير بواعثها ومراميها، على الرغم قناعة الجميع، ونحن منهم، بتفاهتها وسطحيتها، وتناقض الأفكار والرؤى بينها، وفي كثير من الأحيان، يصل هذا التناقض حتى بين مقدمة الحديث أو التصريح وخواتمه، ومع إدراكنا الى محدودية تأثير وفعالية هذه " التصريحات والأحاديث "، وعدم تجاوزها نطاق مشيخة القذافي، حيث الحقل الخصب الذي تنمو داخلــه هذه التصريحات، لتتحول الى أفعال، وممارسات، ترتـدْ على الوطن والمجتمع أضرارهــا وشرورهــا، وذلك لأن تأثيرها وتحكمها في مصير ومسيرة شعبنا ووطننا، هى التي تدفعنا الى تجاوز حقيقة الترهات، والسخافات، التي ينطق بها " القائد الملهـم "، وإعتبارها راياً سياسياً، ووجهـة نظر عقلانية، جديرة بالإهتمام والمناقشة، للبحث عن الصواب - إن كان هنـاك صواباً - والخطأ فيها، وعملاً بالمثل القائل " أهل مكه أدرى بشعابها "، فنحن الليبيون، من يقع على عاتقهم دون غيرهم، مسئولية تصحيح وكشف مثل هذه الترهات والمغالطات، بإعتبارنا جزءاً من هذا الشعب البائـس، الذي يتجرع منذ أربعين عاما، مرارة وحسرة ونتائج مثل هذه التصريحات، لأن قربنا من الأحداث، والتداخل معها، يجعلنا نرى التفاصيل والجزئيات، أكثر وضوحاً ممن يرى الصورة العامه من الخارج، فوجودك داخل الغابة يجعلك أكثر معرفة بحشراتها وثعابينها ووحوشها، ممن يقف خارجـها، فلا يرى منها سوى أشجارها الباسقة ونباتاتها الخضراء الزاهية!

 وتأتي التصريحات والأحاديث، التي أطلقها " الملهم "، في رحلته الموسمية الي افريقيا، من ضمن تلك الترهات التي لا تنقـطع ولا تزول عنه، وحاول من خلالهـا طرح افكاره المشوشة و رُؤاه السياسة المبهمة، مستهدفاً نقل تجربته ونهجه في أسلوب وإدارة الحكم الفوضوي الى تلك الدول، ودفعها الى تبني، ذلك الأسلوب والنهج والأسس التي تقوم عليها جماهيريته التعيسة، والتي ترتكزعلى حكم الفرد، مطلق الإرادة والرغبة، ونبذه واحتقاره لكل أشكال القوانين والدساتير المقيدة لتلك الإرادة والرغبة، وتكشفت تلك التصريحات موقف القذافي الدائم، تجاه المؤسسات والهياكل الديمقراطيــة، ورغبته في تعطيل حركة البناء المؤسسي والديمقراطي، الذي تقوم به هذه الدول منذ سنوات؛ وليس غريباً عن " الملهم "، وهوصنم الفاشية، فكراً وتطبيقاً، موقف الازدراء والتحقير لمفهوم الدستور، واعتباره على حـد قولــه، مجرد حبرعلى ورق، جاهلاً للمعاني والأبعاد الاجتماعية والنضالية والتاريخية لتلك المفاهيم، والتي تكونت وترسخت في الوجدان الانساني، وعبر عنها الدستور كعقد سياسي وإجتماعي، يحدد ويقرر حقوق و واجبات المجتمع والحكام؛ إن إختزال ذلك كله في حبر و ورق، لايصدرالاّ عن " جاهل مغرور "، لا يؤمن بغير ذاته، ولا يعتقد في غير قدراته، باعتباره الواحد القهار، ومصدر الكون والتاريخ، وعلى قاعدة ناقل الكفر ليس بكافر، فنحن لسنا بكافرين، حين نردد حقيقة ما يؤمن به ويعتقده " الملهم "، ولعل الألقاب التي وصف بها ذاته في إجتماع الدوحة مؤخراً، تأكيداً على وحدانية " الملهم "، فهو القائـد الأممى ... وهو ملك الملوك ... وكذلك إمام المسلمين، فمن يستطيع أن يكون تقدمي ... ورجعي ... وعلماني ... و مؤمن؟ غير دجّال مدّعي، يعتقد أنه مصدر المعرفة ومحور الكون، وتتجمع فيه صفات الألوهية !

 إننا - في واقع الحال - أمام شخصية نرجسية دموية تكررت عبر أزمنة مختلفة، وأماكن متفرقة، عرفتها شعوب الفرنجة، ورعايا سلاطين وخلفاء المسلمين، تؤسس سلطتها وتدعم سطوتها على القوة والقمع والغطرسة والجنون، وذلك ماتجلى واضحاً في تصريحات وأحاديـث القذافي اثناء زيارته الموسمية الأخيرة الى افريقيا، فهى وإن تترك إنطباعا أولياً عند المتتبع لها، بأنه أمام شخصية مشوشة الأفكار، ومتناقضة الإتجاهات، إلاّ أنها تعطينا مؤشراً وقياساً حقيقاً، للرابط والجامع الفعلي بين تناقضاتها، التي تشكل المرتكز الأساسي والرئسي لهذه الشخصيـة؛ ففي حين يقف في النيجر بجانب تعديل الدستور، بحجة توافق ذلك مع إرادة الشعب، نجده في موريتانيا، يدافع عن الانقلابين ويدعم العسكر، الذين أطاحوا بالنظام الدستوري والشرعي، الذي اقامته وفرضته إرادة الشعـب الموريتاني.

 وقد يبدو العنوان في سطوره الأولى، أننا أمام موقفان متعارضان صدرا عن شخص واحد، لم يفصل بينهما الزمان، وإن كان المكان قد فصل بينهما، غير أن هذه القراءة الخاطئة، قد تبعدنا عن فهم مكنونات هذه الشخصية وأبعادها، لأن هذا التناقض والتعارض الظاهري، الذي يبدو على تصريحات ومواقف " الملهم "، يفسره إختلاف زاوية الرؤية للفعل والحدث السياسي لديه، والذي يقرره ويحدده موقع القوة، حيث أن فهم القذافي لحركة التاريخ وتطوره، وبالتالي التحكم والسيطرة على الفعل والعمل السياسي، يقوم بالمطلق على إيمانه بمفهوم القوة بأبعادها الشاملة، والسعي الى إمتلاكها، وموقع الآخرين منها، وهذا الاعتقاد المؤسس لوعى وادراك " الملهم "، والذي أعطته التجارب والاحداث التي مر بها، رسوخاً، ذلك وحده ما يحدد ويقرر الإتجاهات والمواقف والسلوك السياسي الذي يتخذه ويتبناه، لأن مفهوم القوة والسعي الى امتلاكها، هو العنصر الفاعل والمتحكم عند القذافي، والذي تندرج تحته بقية القيم والمفاهيم الأخرى، مثل العدالة ... المساواة ... الحرية ... الكرامة ... الشرف ... الخ من القيم والمفاهيم الإنسانية، تصبح وتتحول عنده بغير القوة الى شعارات وشطحات مثالية، ومواقف تبشيرية فارغة من كل مضمون ومعنى  اجتماعي وسياسي وتاريخي، فكل قيمة أو مفهوم لايجد جوهره ومعناه لديه، إلاّ إذا إرتبط بالقوة التي تبرزه وتجسده على أرض الواقع.

 إن خطوات ومواقف القذافي، خلال فترة حكمه الطويلة، تؤكد وتبرز هذا البعد المعرفي عنده، والذي تدور في فلكه أجراماً أخرى من المفاهيم والقيم، تتبدل وتتغيير، وفقا لتبدّل أوتغيّر موقع القوة منها، فهوعندما إغتصب السلطة، ووصل الى سدة الحكم في ليبـيا، كانت الدبابة والبندقية، تعبيراً عن القوة - فى شكلها المباشر - التي استباحت له الأرض والشعب، وأزاحت من أمامه قيمم ومفاهيم الديمقراطية والدستور، حين فقدت القوة اللازمة للدفاع عنها، وبعد ذلك، رسخ دعائم نظامه وسطوته بقوة القمع والإستبداد، من خلال منصة المشنقة ومعسكر الإعتقال، فالقوة مرة ثانية تنتصرعلى قيم الحرية والتضحية في معركة تثبيت وتدعيم النظام والسلطـة، ثم جاء الدور على القوة في بعدها الاقتصادي والمالي، عندما هزمت قيم الشرف والضمير الوطني والقومي في معركة إضفاء الشرعية والدور الاقليمي، وتسابقت الأقلام والأفكار الوطنية والقومية، في تنافس محموم من أجل الدينار والدولار، لتبشر وتروج للباطل وتجعل منه عنواناً ورمزاً للاقتداء والقدوة؛ وكانت لقوة الترويع والرعب التي يمتلكها الآخر، والتي تجلت فى إحتلال العراق، واقعاً مفزعا في قلب وأوصال " الملهم "، فيـبست العروق وجفت الدماء، وهزمت داخله قيم العزة والكرامة، حين ساقته الى مواقف الإمتثـال والإنصياع المذل.

 كثيرة هى الأمثلة، التي تدلنا على حقيقة موقع القوة وتأثيرها، في نهج وعقل القذافي، فأين يكون موقعها يكون المسلك والخطاب، إما قمعي ودموي، أو ودي وإصلاحي، فهى وحدها التي تحدد وتفسر الاختلافات والتناقضات التي تظهر في سياسات وتصريحات " الملهم "، وهى الجوهر المشترك لكل تصرفاته وأفعاله، في الداخل والخارج، فقد صنعت لديه الأحداث والتجارب قوانين وشروط عامة، يتعاطى بواسطتها ومن خلالها مع الآخرين، ولعل هذا البعد المهم في عقلية القذافي، يتيح لنا وضع أيدينا على الخط الرئسي الذي يربطه بالكيان الصهيوني، إدراكاً وممارسة، ويفسر لنا أيضاً محاولة البعض، استكشاف طبيعة وحقيقة الروابط بينهما وأسرارها، فالنظر الى القوة كمفهوم متحكم ومسيطر على العملية السياسة، هو الرابط والجامع بين القذافي والكيان الصهيوني، في بعده المعرفي، وهو أيضاً يدفع الى التنسيق والتعاون، في بعده الحركي، وحتى نمتلك القوة اللازمة والرادعة، التي يفهمها ويعيها " القائد الملهم " بإقتدار، سوف نظل نفسر ونحلل، ويبقى هو وزبانيته، ينظر ويقمع !

ليبـيا الغـد
8
أبريل 2009