الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 


 

مشهد إعدام صدام ... قراءة متأنية للأبعاد والتداعيات
 

ها نحن اليوم، على بعد عدة أسابيع، من  مشهد إعدام صدام حسين، الذي أصبح " مشهد إعدامه " في عصر الصورة وتأثيراتها، من أكثر المشاهد السياسية التي بقيت فى أذهان الناس تبعث مختلف المشاعروتثيروجهات نظرمتناقضة، وتتسبب فى ارباك العقل، وتعطيل المنطق المفروض استحضاره  في مثل تلك الأحداث المفصلية في تاريخ أي أمة تجتاز مرحلة تاريخية دقيقة،  وتعيش مخاطر وتهديدات خارجية، فى الوقت الذى تسعى فيه بكل قواها وقدراتها وراء  طموحاتها الوطنية وتجسيد مشروعها القومي، في مواجهة مشاريع إقليمية ودولية تحيط بها وتحاصرها من كل جانب، وتدير الحياة السياسية والاجتماعية داخلها أنظمة عشائرية وقبلية مستبدة، همها الأول حماية عروشها وتوريث سلطاتها.
 

ويبدو أن المشهد قد أخذ الآن فى الابتعاد، ولعله بذلك يزداد وضوحا وتزداد العواطف والانفعالات التى عاشته، هدوءا، ولعل من المفيد أن نعود للحديث عنه بموضوعية، في محاولة متأنية للكشف عن النوايا والمقاصد التى أرادها المنفذون الحقيقيون لهذا الحدث - دون تهويل أو تهوين -  في محاولة استثماره لخدمة استراتيجية قديمة يعي أبعادها وأهدافها كل من يحمل طموحات وآمال مناقضة لها، دفعته إلى حالة تصادمية معها عبر صراع طويل، بدأ مع ولادة حلم الوطن المستقل عن النفوذ والدوائر الاستعمارية، وأخذ هذا الصراع أشكالا وأساليب متعددة ومتنوعة من مواجهات عسكرية كانت حرب السويس تعبيرا لها، ومشاريع تآمرية استهدفت إجهاض فكرة دولة الوحدة، وانهيارها وما جره الانفصال ( 1962 ) من تداعيات  ونتائج، وانتهت بمشاريع قطرية أصبحت عنوانا مهما في منطقـتنا، ومؤامرات انقلابية استهدفت إسقاط الحكومات الوطنية الدستورية، وإقامة أنظمة عسكرية عميلة تختفي وراء شعارات صاخبة وقيم مزيفة، كما حدث في المملكة الليبية عام 1969، ووصول هذا الصراع إلى ذروته بالاحتلال العسكري المباشر الذي نشاهده في العراق منذ عام 2003.
 

كان مشهد إعدام صدام حسين إحدى مفردات وجزئيات ذلك الصراع - ولم يكن الرئيس صدام حسين في الواقع يمثل شموخ وكبرياء الأمة في مواجهة المد الاستعماري، كما يردد البعض، بل على العكس من ذلك، كان صدام حسين في كثير من الأوقات، يخدم المشروع التآمري حتى وإن لم يكن يقصد ذلك -  بسبب استثمار واستخدام ذلك المشهد لسياسات واجبة الاستحقاق في منطقـتنا العربية، رأينا بوادرها الأولى مع الزيارة الأخيرة التي قامت بها كوندوليزا رايس، وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية للمنطقة، واجتماعاتها مع وزراء خارجية دول الخليج ومصر والأردن، ونعتـقد وربما هناك الكثير ممن يشاركوننا هذا الاعتـقاد، أن مثل هذه الاجتماعات والاتصالات لايمكن أن يتمـخض عنها شئ  مهم وحيوى  يسـتهدف صالح الأمة وقضاياها الاستراتيجية، فبعد فشل سياسة " شرق أوسط جديد "، والتي رأت رايس مخاضه في العدوان الصهيوني على لبنان في يوليو من العام الماضي، بفضل الصمود البطولي والمقاومة العنيدة التي بذلها حزب الله اللبناني وقيادته المتمثلة في السيد حسن نصر الله، في مواجهة الغطرسة العسكرية الإسرائيلية، وبعد الأداء الرائع والتصدي الذي أفزع العدو وفرض عليه التراجع والتقهقر، وإن أردنا أن نمد الخط على استقامته يمكن القول بأنه حقق الانتصار المبين على تلك الهجمة البربرية، غير أننا نكتفي بالقول أن هذه المقاومة استطاعت ان تحبط المخططات الاسرائيلية الامريكية في المنطقة، وأنها بفضل دماء شهدائها وتضحيات ابنائها ونسائها ازاحت ارثا عدائياً، وتاريخا مشوها، حمله المسلم السني والشيعي عبر قرون عديدة، دون البحث في أسباب ودوافع نشأته الدينية والسياسية، فجاءت هذه المواجهة لتوحد الجهد لاسقاط المخطط الأمريكي الصهيوني، حيث برز سيد المقاومة حسن نصرالله الرجل المسلم الشيعي كرمز مناهض ومقاوم عنيد للمشروع الامريكي الصهيوني.
 

وأمام هذه التطورات والاحداث التي خلقت مأزقا سياسيا وعسكريا لقوى الاستكبار ومشروعها الاستعماري، كان لابد من إعادة ترتيب الأوراق وتوزيع الادوار بشكل يتفق مع هذه النتائج التي ترتبت من جراء هذا العدوان، جاءت هذه الزيارة لوزيرة الخارجية والاجتماعات المصاحبة لها كضرورة فرضتها التداعيات الحادثة في المنطقة، والاثار المترتبة على فشل العدوان الاسرائيلي، بقصد  حشد طاقات وقدرات دول المنطقة وبمشاركة أنظمتها الصديقة بشكل فعال وحيوي في مواجهة المشروع الايراني (المشارك في العقيدة والتوجه مع المقاومة الشيعية اللبنانية) والتصدي لسياساته ونفوذه الاقليمي الذي بدأ يتسع في السنوات الاخيرة وأصبح يشكل تهديدا صريحا للمشروع الامريكي الصهيوني (يلاحظ هنا غياب المشروع العربي كطرف رئيسي في الصراع)، وأقتصر دور القيادات العربية والتيارات العربية على المساندة لهذا المشروع أو ذاك. ومن هنا كان ترتيب الاوراق وتوزيع الادوار يتطلب أمرين مهمين.
 

الأول ضرورة المشاركة الفعالة في الجهد العسكري والدعم اللوجستي والغطاء السياسي وفقا لتطورات الصراع وأولويات استراتيجيته، والثاني تعبئة وتهيئة الرأي العام العربي بهدف دعم ومساندة متطلبات الصراع وتطوراته، وإن كان الأمر الأول لا يتطلب تحقيقه سوى اصدار الاوامر لهذه القيادات لتظهر تلبية سريعة ورغبة حقيقية للتـنفيذ والامتثال، غير أن الأمر الثاني يتطلب الكثير من الجهد والدسائس والمؤامرات حتى يقتنع المسلم السني أن المسلم الشيعي هو العدو الرئيسي الذي يهدد أمنه وأمن ابنائه ومستقبل حياته، فجاء مشهد اعدام صدام حسين كمحاولة مكشوفة ومفضوحة تستهدف ايقاظ الفتن وزرع بذور الانشقاق داخل مكونات الامة بمختلف طوائفها ومذاهبها، بعد أن تبلور بفضل المقاومة الشيعية الاسلامية في لبنان، أفكاراً توحيدية ومفردات نضالية، من شأنها خلق واقع جديد لا يتفق مع الأطماع والمشاريع الاستعمارية التي تعززها وسائل تتنامي، واندفاع يعدل نفسه ، بإصرار واستمرار نحو مبتغى مطلوب.
 

فمثل ما حدث في السابق من توظيف المال العربي، والدعم العسكري لصالح الولايات المتحدة في حربها الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، عندما قدمته لنا بأنه يمثل قوى الشر والإلحاد، والخطر الحقيقي على الاسلام، وبعد استنفاد الغرض من هذا التوصيف بهزيمة الاتحاد السوفيتي، تقدم لنا المد الشيعي والطموحات الايرانية كتهديد مستقبلي للمنطقة وشعوبها، ليتدنى هذا الفرز المبرمج وفق رؤية شيطانية، فمن مواجهة بين الاسلام وقوى الكفر، إلى مواجهة بين أبناء الدين الواحد والعقيدة الواحدة، تحت مسمى التطرف والاعتدال.
 

وللأسف، أن البعض منا ينزلق بإرادته  المضللة، نحو الفخ المنصوب له بعناية واقتدار، دون أن نتعلم من الماضي القريب جدا، فجاءت ردود الافعال المختلفة (المرحبة والرافضة) لمشهد إعدام صدام حسين من قبل النخبة السياسية والصفوة الفكرية تجسيدا لهذا النهج، وقبولا للدخول في نفق التعصب الديني والصراع المذهبي، فكلانا، بجهل البعض، وتعمد البعض الاخر، قام بتبرئة الشيطان المدبر والمنفذ لعملية الاعدام، وإلصاقها بمذهب معين ، ليتحمل وزر وتبعات ومسئولية فعل ارتكبه حفنة من ابنائه العملاء والخونة، ارتضوا أن يكونوا أدوات تنفيذية صغيرة لمخططات تستهدف مذهبهم قبل أمتهم!
 

 ان الخيانة والخسة لم تكن يوما مرتبطة بدين ولا طائفة أو مذهب، فالتاريخ السني والدرزي والشيعي والمسيحي وحتى البوذي فيه من باع ضميره الوطني وعقيدته الدينية، وارتمى في احضان اعداء امته وملته ليكون احد الادوات والدميات التي يحققون بها ومن خلالها اهدافهم وغاياتهم.
 

فمن هنا لابد من ضرورة الفصل بين ما قام به أشخاص، وبين أنتماءاتهم الدينية والسياسية، لتجنب الوقوع في تفسيرات وتحليلات تبعدنا عن فهم الابعاد الحقيقية لهذا الحدث، ولقد لمس سيد المقاومة العربية حسن نصر الله، بحسه ووعيه الوطني الابعاد والاخطاء التي تحدق بمنطقـتنا من وراء هذا الحدث، وتدفعها إلى شرك اثارة الفتن والنعرات الطائفية وتأليب فريق ضد الاخر، وذلك من خلال طرحه لعدة تساؤلات تكشف الاجابة عليها، عن دور قوى الاحتلال ومسئوليتها الكاملة في عملية الاعدام، فسير الاحداث والتطورات في العراق منذ عام 2003 يؤكد مسئولية الولايات المتحدة الامريكية فيما يجرى هناك، بصفتها دولة احتلال تسيطر على الحياة السياسية والعسكرية وتدفع بها في اتجاه مصالحها، وفق مخططات وسياسات لا يشارك في وضعها العراقيون بشكل فعلي وحقيقي، وأن كان دورهم يقتصر على التنفيذ في بعض الظروف والاوقات.
 

ولهذا  فإن محاكمة صدام حسين وبالتالي إعدامه، لا يمكن ان تشذ عن هذه القاعدة، أو تخرج من سيطرة الادارة الامريكية، والتي كانت تحتجز الرئيس  صدام حسين وتبقيه تحت قبضتها منذ اليوم الاول لاعتقاله، وحتى تسليمه قبل ساعات قليلة من توقيت تنفيذ الاعدام إلى الزمرة المنفذة، كما أن مسلسل اجراءات تشكيل المحكمة واستبدال هيئتها وصدور حكمها والتصديق عليه وأخيراً تنفيذه، كل ذلك تم تحديده بعناية لخدمة أغراض لها دلالاتها ومعانيها أكدتها تسريب وبث صور تسجيل لحظات التنفيذ ... إن كل ذلك لا يمكن أن يتم بمعزل عنها أو ضد ارادتها ورغبتها، غير أننا معشر العرب لا نحب أن نرى الاشياء والمواقف كما هي أو نفهم الحقائق والمسلمات كما يجب أن تفهم، حيث أننا ادمنا العيش في خداع وأوهام، أثرت على طريقة تفكيرنا، وأفرزت ازدواجية ظاهرة في خطابنا السياسي والاجتماعي، تجلى ذلك في الفهم الخاطئ للمعاني والدلالات الحقيقية لعملية إعدام صدام حسين، وفي المبالغة الزائدة في الاشادة والفخر بالمشهد الاخير في حياته، وبالمواقف التي اتخذتها جهات وشخصيات أقل ما توصف أنها متخاذلة وجبانة، فجاء فهمنا لهذه الدلالات والمعاني متسقا مع المخططات المرسومة لنا، بتبني تقييمات اختزلت مرحلة تاريخية ماضية، وأحداث قادمة في موقف ومشهد أعدت تفاصيله بدقة وأخرجت أحداثه بطريقة هوليودية، فالعبرة التاريخية وتسجيل المواقف الوطنية لا يمكن أن تبنى على الخواتم واللحظات الاخيرة في حياة الاشخاص، فلا أحد يستطيع أن ينكر أو يجادل في أن الراحل صدام حسين - رحمه الله -  كان جسورا وشجاعا في مواجهته لمصيره، غير أن الربط بالمطلق بين الشجاعة والجسارة والشموخ والكبرياء، وتحويل صاحبها إلى اسطورة قومية كلاما يجافي الحقيقة والمنطق.
 

فكثير من القادة والزعماء السياسيين في تاريخنا الانساني، ممن وصمت أيامهم وعهودهم بالممارسات الاستبدادية والاجرامية، واجهوا مصيرهم المحتوم ولحظات حياتهم الاخيرة بشجاعة وجسارة ابتداء من النازي هتلر وانتهاء بسفاح صربيا ميلسوفيتش، كما أن محاولة تحويل مواقف الضعف والبكاء والحداد إلى مواقف بطولية جسورة لا يقوم بها إلا أمثال القذافي حاكم ليبيا، حيث أن هذه المواقف لا يقدم عليها في اعرافنا وتقاليدنا - على الاقل - سوى النساء والعذاري، أما الرجال الحقيقيون هم من تسبق افعالهم اقوالهم، وأن يكون ردهم يوازي ما يتلقونه من لطمات وطعون، فالقذافي الذي قال بالأمس أن صدام حسين فرط في الشرف والكرامة الوطنية وأقدم على نزع ملابسه الداخلية، يصفه اليوم بالمقاتل العنيد والبطل القومي، فصاحب مثل هذا الموقف لن تقوى يداه المرتعشة وارجله المرتجفة الا على لطم الخدود وشق الصدور.


فشجاعة اللحظات الاخيرة ومواقف النحيب والبكاء، ليست من شيم القيادات الوطنية القادرة على المواجهة والتحدي والعطاء، الذي تبرز فيه معاني وقيم عظيمة، ويحمل معه آمال وأماني تاريخية، وتتحقق بفضله طموحات وانجازات وطنية مشروعة، فمثل هذه الاراء والافكار والتي تمجد المشاهد واللحظات الاخيرة، وتعتز وتفتخر بمواقف صغيرة وردود أفعال قاصرة، أفسدت حياتنا السياسية والاجتماعية، وافرزت قيادات تسلطية استبدادية تتحمل وحدها مسئوليات وتبعات ما يجري داخل وطننا العربي من مآسي، وما أصابنا من ضعف وهوان اعادنا إلى عصر استعماري توهمنا يوما أننا خلصنا منه، فلعل مشهد اعدام صدام حسين، يعطينا الفرصة التي تمكننا من الفهم الصحيح والرؤية الواضحة دون عواطف وانفعالات في وصف الحقائق والاحداث، وفهم معانيها ودلالاتها بوضوح، في رؤية تحدد لنا القوى الداخلية والخارجية المتربصة بنا، والتي تعترض المسير نحو مشروع عربي قادر على التصدي لهذه الهجمات الشرسة التي تستهدف ثوابت ومصالح امتنا العربية، وتحقيق الغد الافضل الذي ننشده منذ زمن طويل.
 

ليبـيا الغـد
6 فبراير 2007