الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 


مواجهة حصار غزة .. الضرورة والإدعاء

 

إنتهت رحلة سفينة المساعدات الليبـية، وإدعاء تحديها للحصار الصهيوني المفروض علي غزة، إلي نهايتها المحتومة والمصير المقرر لها وهو الفشل والانكسار، حيث لا يزال نظام سبتمبر التعيس يكرر مواقفه السابقة في التراجع والاستسلام عند بلوغ ذروة الصراع والتحدي، ابتداء من معركة خليج التحدي ... إلي معركة الاحتفاض بأراضينا في إقليم أوزو ... إلي أزمة ( لوكربي ) ... وإنتهاء بمحاولة تحقيق التحول التكنولوجي والتطور النووي ... ، فكثيرة التحديات والمواجهات التي خاضها نظام الاستبداد ، وأنتهت إلي الفشل والهزيمة ، ويتحمل شعبنا دفع ثمنها من كبريائه وكرامته وتاريخه.

       

إن محاولات الكذب وإدعاء مواقف التحدّي قد تقود فى بعض الأحيان ، بعض الأنظمة إلي تحقيق أهدافها الدعائية وتنطلي على شعوبها المخدوعة ، ولكنها عندما تصطدم بتحديات حقيـقية ، وخطوط يعتبرها الأخر حساسة وإستراتيجية فلن يسمح لها بالمرور ولو دعائيا ولا يمكن الا أن تنكشف وتصاب بالفشل والفضيحة ، وذلك هو ما حدث ويحدث لنظام القذافي في كل ما أقدم عليه من تحديات وهمية  وصراعات مزعومة ، ولعله لم يفهم ويعي هذا الدرس جيداً إلي هذه اللحظة ، ولذلك يلجأ النظام الى الكذب الفاضح لتبرير الفشل والفضيحة  ويضطر أحد المسئولين ، عن الجهة التي تبنت تسيير هذه الرحلة ، الى الادعاء بأن قرار التراجع عن استكمال سير الباخرة إلي شواطئ غزة ، وتحويلها إلي ميناء العريش ، فرضته دواعي أمن وسلامة ركابها من أعضاء اللجان الثورية الذين أعلنوا تحديهم لكسر الحصار الصهيوني ! ؛ فماذا كان ينتظر هذا المسئول وهؤلاء " الأشاوس " المتواجدون على ظهر الباخرة ؟ هـل كانوا ينـتظرون أن يستقبلهم الصهاينة بالورود وأغصان الزيتون حاملين صور سيدهم وربهم الأعلى ؟! مثلما حدث في الماضي القريب عندما تم استقبال حجيج اللجان الثورية من قبل الصهاينة ، بالورود وأكواب المشروبات الطيبة والمسكرة ، في إحدى المحاولات المذلة التي أقبل عليها نظام سبتمبر لكسر الحصار المفروض عليه أثناء أزمة ( لوكربي ).

 

إن الفارق والاختلاف بين طبيعة وأهداف وأدوار كل من الحصارين، حصار لوكربي وحصار غزة ، تفرض أساليب ووسائل وأدوات مختلفة عند التعامل معهما، فالحصار الأول كان الطرف الصهيوني هو المنقذ والملاذ بالنسبة لنظام القذافي للتغلب علي أزمته وقتها ، ولذلك جاء الاستقبال بالورود ومشاعر الود من طرف الصهاينة ، عند قدوم عناصر اللجان الثورية القذافية طالبين العون والمساعدة في موقف يعبر عن إستجداء وإمتـثال وذل ومهانة ؛ أما الحصار الثاني ، حصار غزّه ، كان الطرف الصهيوني  فيه هو الفاعل والمجرم ، ومن هنا كانت بوارج الصهاينة وبنادقهم في استقبال المغاوير ومحاولاتهم البائسة ، حيث في هذه المواقف لا يمكن السماح لنظام يحاول اليوم أن يلعب أدوار الرجال ، وكان بالأمس مهزوماً ومستسلماً، لاسيما وأنهم يعرفون جيدا ما وصل اليه  نظام القذافي  من هزال وتفاهة وافلاس .

 

إن هيبة ومصداقية قبول التحدي شيء ينشأ من حقائق مادية ومعنوية، يعكسه ويعبر عنه واقع المتحدّي ومواقفه الدولية التي جرت في الماضي، فلا يمكن لنظام أضاع هيبته وكبرياؤه الوطني في كثير من المواقف الدولية ، أن تكون له مصداقية قبول التحدي من خلال التظاهر والإدعاء ؛ فالحقائق ... والظروف ... والأفعال السابقة لأي نظام في المجال الدولي وحركته تحدد وتنبئ بالمسار الذي ينتهي إليه موقفة في أي أزمة يتصدي لها ، فالنظام العربي عامة ، ونظام سبتمبر خاصة ، فقد الكثير من مصداقيته وجديته في اتخاذ مواقف حازمة وصارمة وقوية تتصدي لسياسات عدوانية تمس أمنه وسلامة مشاريعه الوطنية ، وقضية الحصار المفروض علي قطاع غزة منذ سنوات ، نموذجاً واضحاً في مثل هذه المواقف المتخاذلة والمستسلمة ، والتي تعتمد علي الوقت والتطورات ، لعلها تأتي بانفراجة أو حلاً يحفظ البقية الباقية من كرامتهم ، فجاءت المحاولات البائسة لكسر الحصار من خلال سفن المساعدات الإنسانية ، كمحاولة لكسر هذا الحصار، متفقة مع نهج وعقلية القادة السياسيين العرب بصفة عامة ونظام القذافي بصفة خاصة ، فيظهرهم من جانب أنهم في موقف المقاوم والمتصدي لهذه الجريمة الإنسانية ، متحملين للمسئولية الوطنية والقومية التي تفرضها عليهم الظروف والأحداث ، دون أن تكون لهذه المحاولات تكاليف سياسية قد يضطر لدفعها عند اتخاذ مواقف أكثر جدية وفاعلية ، قد تغضب أسيادهم من جانب آخر ، فكانت هذه المحاولات كنجدة للنظام العربي السياسي تتفق مع نهج الادعاء والتظاهر لمواجهة متطلبات الداخل ، والوداعة والخنوع والاستسلام لمواجهة أخطار وضغوط الخارج !

 

إن حالة الضعف والفشل الذي يعاني منه النظام العربي ... والرفض الشعبي المتزايد الذي افقده شرعيـة وجوده علي قمة الهرم السياسي لا يتركان لهذا النظام خيار سوى تبني هذه السياسات المتخاذلة والمتفقة لأبعد الحدود مع أهداف ومصالح الخارج ، فالاندماج العضوي بين المقاصد والمصالح الذي يجمع بين الاثنـين ، لم يترك هامشاَ مستقلاً تتحرك من خلاله القيادة السياسية العربية ، فأهدافها بالإمساك بالسلطة السياسية مرهونة بتحقيق مصالح وسياسات الخارج ، والتي من بينها ضرورة الحفاظ علي قطاع غزة محاصرا ومعزولاً عن العالم الخارجي ، حتى تنكسر إرادة البقية الباقية من رجال الأمة المدافعين عن كرامتها ووجودها.

 

إن دعم ومسانده أهلينا في غزة ، من أجل كسر الحصار وتحقيق مطالبهم المشروعة والإنسانية في حياة كريمة داخل وطنهم ، لا يمكن أن يتحقق من خلال هذه المحاولات البائسة ، والتي من نتاجها النهائية تكريس هذا الحصار وتحقيق سياسات العدوان والقرصنة الصهيونية ، فمع فشل كل محاولة للاختراق والوصول إلي شواطئ غزة يولد الإحباط واليأس داخل المقاومة ويتلاشي معها الأمل والتصدي والمقاومة ، ومن جانب آخر يتعاظم الزهو والغطرسة الصهيونية ، والإحساس بقدرتها  علي فرض إرادة القوة أينما تريد ومتي تشاء ، ومع استمرار هذه المحاولات وتكرار الفشل ، يتحول هذا الإحباط واليأس من جانب وتعاظم الغطرسة من جانب آخر إلي إستسلام ورضوخ للأمر الواقع ، والقبول به كواقعاً مفروضاً بقوة الإرادة التي لا يمكن أن تقاوم أو تهزم ، ويجب أن نتذكر أن هناك فوارق واختلافات بين مواقف الأصدقاء والنشطاء الأجانب ، ممن ذهبوا إلي أقصي حدود المساندة والتعاطف مع غزة ، بنهجهم هذا النهج ، فهم يستحقون منا كل تقدير واحترام علي مواقفهم الشجاعة إلي جانب الحقوق المشروعة لشعبنا الفلسطيني ، وبين موافق أصحاب القضية وإطراف الصراع ، الذين اختاروا نهج التعاطف والمساندة عوضا عن التصدي والمقاومة الحقيقية ، فالمواقـف المساندة والتعاطف قد تكون مقبولة من الأصدقاء والحلفاء ، غير أنها تتحول إلي مواقـف استسلام وتخاذل عندما تصدر من أطراف الصراع الحقيقيون ، الذي يفرض عليهم دخوله بكل الوسائل والأساليب

 

إن مواجهة الغطرسة والقوة الصهيونية لا تكون من خلال الاعتماد علي مواقف المجتـمع الدولي والرأي العام العالمي الذي أثبت تاريخ صراعنا الطويل زيف وكذب هذه المقولة ، فالمجازر والمذابح التي ارتكبتها الصهيونية في حق شعبنا العربي منذ جريمة دير ياسين وبحر البقر " وأبو زعبل " " وقانا " الأولي والثانية وجرائم اغتيال قادة المقاومة والسياسيين " الشيخ ياسين " الرنتيسي " " المدبوح " والحريري " وغيرها من الجرائم التي ارتكبت ، لم يحد منها أو يردعها مواقف المجتمع الدولي والرأي العام العالمي ، بل علي العكس قد نذهب إلي القول بأن كثير من مواقـف المجتمع الدولي والرأي العام العالمي شكل الغطاء السياسي والساتر الدبلوماسي لكثير من هذه المذابح والمجازر.

 

إن ما يردع القوة الغاصبة إلاّ مواجهتها بالقوة ، فنخن لا ندعي أننا وحدنا نعي ونفهم هذه الحقيقة أو تملك بناصيتها ، فإن الجميع يعرفها ويعيها ، وقادتنا الأشاوس هم أول من يفهم ويعي هذه الحقيقة ، غير ان هموم ومشاغل الحفاظ علي السلطة وتوريثها ، أكبر وأهم من هموم ومشاكل مصير أوطانهم ، وقمع واستبداد شعوبهم ، أهم لديهم من مواجهة المخاطر التي تحيط بأوطنهم.

 

أبشروا يا عرب ، بمزيد من الفشل والهزائم ، طالما كانت المواجهات وقبول التحدي ، تتم علي قاعدة التـظاهر والادعـاء.

 

ليبـيا الغـد

31 يوليو 2010