الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

الليلة الأخيرة من شهر أغسطس 1969

نجاح ومكيدة وتحقيق اختراق

       

انقلاب سبتمبر، وما أحدثه من آثار وانعكاسات سياسية واقتصادية واجتماعية، على ليبـيا وشعبها في زمن يقارب أربعة عقود، تناولته أدبيات المعارضة، وكذلك بالضرورة النفعية، أقلام وأصوات المساندين، من خلال منظور يقوم بالأساس على التعرض للسياسات والممارسات وآثارها، دون الخوض بالتحليل للدوافع الكامنة وراء ما حدث تلك الليلة، والذي شكل مخرجات النظام بعد عام 1969، حيث خلف تغيرات على البنـية الاجتماعية والاقتصادية، مع الاقرار بأن وزن هذه الحقائق والتغييرات لايمكن تجاهلها أو المرور عليها، ولكن أيضا لسنا مع الوقوف عند حدودها والتخندق حولها، ولكن لابد من الإجابة عن تساؤلات هامة وملحة من نوع مدى الحاجة والضرورة الداخلية التي كانت وراء تغيير نظام الحكم فى ليبيا، أو أنه جاء لتلبية ضرورات استراتيجية من خارج الحدود فرضها صراع أعمق وأشمل؛ على أن يكون ذلك من خلال رؤية تحليلية شاملة، وعميقة، للأسباب والدوافع والاهداف الاستراتيجية التي كانت وراء الانقلاب العسكري، مع استحضار تاريخي للاتجاهات والقوانين والتي فعلت وتفعل، فعلها إلى الآن في منطقتنا العربية، والتي لا يمكن أن تكون بمعزل عن واقع ثقافي وأقليمي لمنطقة تتعرض لاستهداف خارجي دائم ومستمر، في محاولة للوصول إلى السياق المنطقي والتاريخي، لفهم طبيعة وهوية الانقلاب الذي حدث عام 1969، ومن بعده النظام السياسي "الجماهيري" الذي يسيطر على القرار والحياة السياسية منذ ذلك التاريخ، وفي جملة أخرى، تحديد البناء المنطقي لاشكال ومظاهر الصراع، وأين موقع الحالة الليبية في سياقه، من حيث الاقتراب أو الابتعاد عن مركزه سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا، فإن فهم الديالكتيك الموضوعي الذي قام ويقوم بين الهادف والمستهدف، هو الذي يحدد مسارات انقلاب سبتمبر، والدور الذي يمكن أن يؤديه لصالح أي طرف من أطراف الصراع.

       

وفقا لهذه الرؤية كانت المملكة الليبية في تلك الفترة، موضوع اهتمام خارجي بهدف السيطرة والإخضاع، فقد كان الواقع السياسي والاجتماعي الليبي يعج بحركة نشاط دائم وصراعات خفية كثيرة، وظاهرة احيانا، من أجل تحديد الاختيارات وتوجيه المسارات والانحيازات، وقد أثر ذلك فى طموحات وتطلعات النخبة السياسية والحركة الوطنية الليبية، والتي لم تنسجم في بعض الاحيان مع حركة النظام السياسي وطموحاته، الامر الذي خلق هوة اخذت في الاتساع خطوة بعد اخرى، بين طوباوية ومثالية الحركة الوطنية، وبين واقعية وعقلانية النظام السياسي في ليبيا المملكة، فالجهود والقدرات والطاقات، افتقدت عنصر التعبئة والالتحام الذي يفترض أن يكون قائما بين القاعدة والقمة، فتاهت الممارسة، وضاع الهدف، ليرتد الجميع على أنفسهم، وتحول المشروع الوطني إلى برميل من البارود فجر تناقضات وصراعات داخلية، كانت مفرداتها اتهامات وتضخيم المثالب، وحالة من العداء والتربص بالأخطاء والنقائص، من جانب الحركة الوطنية للنظام، قابله إنعدام ثقة وفقدان محاولة رفع سقف الأماني والطموحات، فساد مناخ سياسي فتح المجالات والابواب للتسلل والاختراقات الخارجية، التي تمكنت من الجميع ونجحت في اجهاض مشروع وطني كان يتجه نحو التطور الديمقراطي الذي يمكن أن يكون له شأنا في منطقتنا، ونموذجا سياسيا تنعكس تأثيراته داخل دائرته الاقليمية.

 

إن المجال لا يسع من خلال هذه المقالة، إلى كشف الحقائق والارقام والتفاصيل، التي شهدتها تلك الفترة، حيث أن ذلك يفترض بحثا معمقا ومجالا أوسع، فهذه المقالة لم ولن تدعي أنها تقدم بحثا، أو مقدمة نظرية، رغم الآراء والاستنتاجات للمواقف التحليلية التي قد يجدها القارئ بين سطورها، أنما هي في الاساس تقوم على مجموعة من التأملات والقراءات التاريخية، التي قد يعيبها الكثير من الاخطاء والقليل من الصواب، إلا أنها محاولة للتفكير المكتوب، ورصد الصراعات والنزاعات الإقليمية، وتأثيرها على الواقع الليبي فى الماضي والحاضر والمستقبل، ومدى إسهامها في استيلاء سلطة سبتمبر على مقاليد الأمور في ليبيا واستمرار سلطتها وسطوتها منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، من عدمه.

       

فنحن لسنا من أنصار تبني نظرية المؤامرة كمحرك أولى وأساسي للتاريخ، مع أنها فعلت فعلها في التاريخ الانساني منذ نجاح الشيطان المعنوي في دفع أدم إلى التهام التفاحة، إلى نجاح الشيطان المادي في دفع صدام إلى إلتهام الكويت، كما أننا لسنا مع السذج الذين يروا في الصدفة التاريخية كصانعة للأحداث والوقائع وترتيب الاوضاع والمقادير، فإنه بالتأكيد هناك منطقة رمادية ترجمتها الدول الكبرى ذات المصالح الحيوية والاستراتيجية إلى مؤسسات فعالة في إدارة وصناعة الاحداث والقضايا إقليميا ودوليا، لأستثمارها والاستفادة منها، بالتطوير والتفعيل، أو بالاخماد والتجاهل، حسب مقتضيات الموقف والظروف ومتطلبات المرحلة والمصلحة.

       

وبالتأكيد أن منطقتنا العربية تحديدا بما تمثله من عمق تاريخي وثقافي وبعد استراتيجي وحيوي وامكانيات اقتصادية هائلة، لم تكن بمعزل عن الاهداف والاطماع الخارجية، وتكالب امبراطوريات استعمارية قديما وحديثا على اخضاعها والسيطرة عليها، بالقوة والعنف في كثير من الاحيان وبالمكيدة والخديعة في مرات عديدة أخرى، لعبت فيها اجهزة إدارة الازمات والصراعات الاستراتيجية لتلك الامبراطوريات، أدوارا مهمة وفعالة في التنشيط والتفعيل، من خلال التفتيش العميق عن بذور عدم الاستقرار والاهتزاز السياسي والاجتماعي من بين مكونات المجتمع محل الاخضاع.

       

ونحن لا ندري أن كان لحسن الحظ أو لسوء التوفيق، في أن المجتمع الليبي تمتع حتى عام 1969، بعوامل استقرار وثبات، أبعدته عن الدخول في ازمات داخلية من شأنها أن تهدد الكيان الاجتماعي، أو صراعات خارجية تقوض أمن وسلامة الوطن؛ وبنظرة خاطفة وسريعة، فيما بين الأنظمة السياسية، في المنطقة نجد أغلبها، وأن لم يكن جلها، يعاني أزمات أمنية واجتماعية، تعيق مسيرة التنمية والتحديث، وتهدد الاستقرار ووحدة التراب، خاصة في ظل غياب أو اغتيال المشروع القومي الموحد، والدافع نحو التلاحم والارتباط بين مكونات الامة، لتعطي الخارج الفرصة والذريعة التي يحتاجها لتنفيذ أهدافه فى الاختراق والتسلل محققا فى سهولة ويسر أطماعه وطموحاته.

       

فالتكوين الاثني في مجتمعات عربية مثل العراق والسودان ولبنان، والتقسيمات المذهبية والطائفية التي تزخر بها هذه المجتمعات، نراها الآن تشكل تهديدا، ومنعطفا خطيرا يسير بهذه الدول نحو التجزئة والتفتيت، ويهدد وحدة ترابها وتماسكها الاجتماعي والسياسي كوحدات سياسية ذات سيادة، كما أن التهديد الخارجي العسكري المباشر والمتمثل في دولة بني صهيون، يشكل ولا يزال عنصرا ضاغطا ومؤثرا على المجتمع والدولة في مصر وسوريا والاردن، بما يثيره هذا التهديد من قضايا وأزمات داخلية، شكلت في الماضي عائقا ومانعا رئيسيا أمام التنمية وتطوير تلك المجتمعات، لما تتطلبها المواجهة من استعداد، واستنزاف اقتصادي للقدرات والامكانيات، واذا ما انتقلنا إلى المغرب العربي فلن نجده أحسن حالا، فالانقسام العرقي والنزعات الحدودية بين دوله، جعلت منه هو الآخر فريسة سهلة وصيدا ممكن المنال، في الوقت واللحظة المرادة.

       

هكذا كانت الأوضاع والواقع القائم على تأجج اجتماعي، وتهديد خارجي، لدى الكثير من دول المنطقة ينذر بأكثر من أزمة وقضية، تفتح الابواب لتوغل خارجي متربص، ليعبث بالمصالح والاهداف الوطنية، في تجاوز للمحظور، بإقتحام فج للشئون والأمور الداخلية، كما أن ذلك يجعل من هذه المجتمعات والانظمة، في حالة دائمة من الارتباك والحذر وانعدام الثقة بين مكونات المجتمع، لتصبح هذه الدول ومجتمعاتها في حالة استنزاف دائم للقدرات والجهد، مما يـتيح الفرص أمام ظهور قوى سياسية، ونخب فكرية مرتبطة بالمصالح والأهداف مع الخارج، ليفرز هذا التزاوج نظاماً سياسياً تابعاً وخادماً للمشروع الخارجي، وقد أثبتت التجربة التاريخية أن مثل هذه المجتمعات في ظل غياب وفقدان المشروع الوطني، ليست مؤمنة ضد هذه الاخطار ووقوعها تحت السيطرة والاخضاع، وبأمكاننا أن نرى جيدا، في هذا الوقت بالذات، تأكيدا لهذا الحديث من خلال سيادة الخارج والسيطرة الشبه المطلقة، على المواقف والقرار السياسي، وجعله في خدمة مصالحه وأهدافه الاستراتيجية التي تحققت بفعل نفاذه من خلال تناقضات الداخل وتهديدات الخارج.

 

أما في الحالة الليبية نجد الأمور تختلف والاستراتيجية تتبدل وفق اختلاف الواقع والتركيب الاجتماعي والموقع الجغرافي لليبـيا؛ فقد أمتاز المجتمع الليبي، عن اشقائه في المجتمعات العربية الاخرى بتكوين اجتماعي وثقافي واحد، خاليا من التقسيمات والتناقضات، في ترابط وتماسك يصعب اختراقه أو تطويع تناقضاته السطحية، من خلال النفاذ بين مكوناته، فقد كان تمتع المجتمع الليبي عبر تاريخه، بعيدا عن تلك الانقسامات الاثنية، التي عانت منها الدول الاخرى، فبحكم التكوين الاجتماعي والثقافي يتكون من عنصرا واحد غالب (وأن وجدت أقليات صغيرة تختلف في الحجم والاتساع)، كما أنه تمتع بثقافة دينية واحدة خالية من الاختلافات المذهبية، التي تقسم ولا توحد، مما جعل منه مجتمع محصنا وعاصيا عن تدخل الخارج من خلال نافذة الاقليات واضطهادها المزعوم، حيث عطلت، بفضل هذا التماسك الاجتماعي أداة رئيسية ومهمة، استخدمتها القوى الخارجية لتجعل منها حصان طروادة جديد يقتحم قيم وتراث ووحدة وسيادة الدول.

       

وإذ ما أقتربنا من العنصر الاخر في استراتيجية الخارج، والذي يتمثل في التهديد والعدوان الخارجي نجد أن ليبيا تتمتع بجوار آمن وهادئ ومستقر، يدعو للتعاون وتوثيق العلاقات لا للصراع والنزاعات، فجل حدودها مع دول عربية شقيقة أو أفريقية صديقة، ليس بينها عداء أو نزاع حدودي يشكل تهديدا للوطن واستقراره؛ أو يعطي الخارج ذريعة التدخل السافر، ومن هنا فإن عاملي التكوين الاجتماعي والموقع الجغرافي كانا من أهم عوامل استقرار المجتمع الليبي، ولم يشكلا يوما عنصرا ضاغطا سياسيا أو اجتماعيا على النظام، فكانت منافذ الاختراق والتدخل من خلالهما معدومة، وتنذر بفشل أي تخطيط أو عمل خارجي يقوم ويرتكز عليهما، لإدراكه المطلق بمدى قوة تماسك البنيان الاجتماعي الداخلي، وأمن وسلامة العلاقات مع دول الجوار، وقد اتصل بهذان العاملان عوامل أخرى زادت من فرص الممانعة والانطلاق بالوطن والمواطن في ليبيا المملكة، نحو مستقبل أفضل، وتمثل ذلك في وجود نظام سياسي امتلك الاداء والرغبة بتدعيم وتعزيز الاستقلال الوطني، والقدرة على بدء مشوار التنمية والتحديث، فقد كان ثالوث القوة المتلاحمة والذي كان عنوانه الاستقرار الاجتماعي، والارادة السياسية، والقدرة الاقتصادية من أهم الاسلحة التي امتلكها المجتمع الليبي، وهو يخطو خطواته الأولى نحو أفاق المستقبل للالتحاق والامساك بركب العلم والتحديث، ويبشر ببزوغ نموذج اقليمي له تأثيراته وانعكاساته الاقليمية، خارج عن نطاق حدوده، حيث عمل النظام السياسي في دولة ليبيا المملكة ومنذ اليوم الأول للاستقلال، على تقوية هذه العوامل ومضاعفة تأثيراتها، من خلال تدعيم البناء الاجتماعي، وإزالة الشوائب القبلية والجهوية، التي قد تشل يوما حركته وتضعف من قوته ودوره وذلك من خلال تبديل الولاءات والانتماءات ، وإذابة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية ليصبح الكل منتميا ومرتبطا بالوطن بديلاً عن القبيلة أو المدينة والقرية، متمتعا بالعدالة والمساواة والمشاركة السياسية.

       

غير أن الطريق أمام هذه التجربة لم يكن بالسهولة واليسر، شأنها شأن التجارب الانسانية الأخرى، التي تنشد التحولات والتغيرات التاريخية، فكان الطريق وعراً وصعباً، والمتربصون على استعداد دائم وتصميم يقظ للانقضاض عند أول منعطف أو منحنى على الطريق، وصاحبت عمليات البناء والارتقاء الكثير من الأخطاء والهفوات والزّلات والعثرات، والتي قابلها وعي سلبي ورؤية ناقصة من قبل الحركة الوطنية والنخبة السياسية في ليبيا التي تأثرت بنظريات وأفكار، دون أن تخضعها للواقع التي تعيشه، وما يحمله هذا الواقع من خصوصية وخصائص تختلف بضرورة التكوين والظروف عن غيره من المجتمعات الأخرى، فوجد الخارج ضالته ليلة أول سبتمبر 1969، بعيداً وبديلاً عن التكوين الاجتماعي والموقع الجغرافي، فى حفنة من العسكر حقق بهم مراده وأهدافه فى السيطرة والإخضاع، وبدأ معه خريف ليبيا بتلك الليلة الأخيرة من شهر أغسطس؛ ولكن ليبـيا التي تمتد جذورها في أعماق الأزل، لابد لها من ربيع، وإن طال الخريف! فالنهاية قريبة، نهاية حقبة مظلمة في تاريخ شعب طيب، ونهاية طاغية أراد أن يزّيف وجه التاريخ، لينتهي طريداً ... لشعاراته ... تلاحقه لعنة الله، والناس، والتاريخ!

 

ليبـبا الغد

31 أغسطس 2007