الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

محنتنا ... عابرة لا تلبث أن تزول !

 

تحتفل هذه الايام سلطة سبتمبر بذكرى إغتصابها للسلطة في ليبـيا وهيمنتها الفوضوية على الحياة السياسية والإدارية والإجتماعية فيها ، ففى اليوم الأول من سبتمبر من عام 1969 تم السطو على مكتسبات الشعب الليـبي ، منذ الاستقلال ، وأغتيال حلم الليبـيين في بناء الدولة العصرية النموذج في المنطقة، الساعية الى تحقيق الارادة الوطنية في تثـبيت الاستقلال الوطني ، و تجسيد السيادة الحرة ، مع تحقيق مشاريع التنمية الاقتصادية والبشرية ، في تناغم وتوازن بين الطموحات والامكانيات المتاحة ، لتحقيق التطور التدريجي والطبيعي للدولة الحلم والمجتمع المتحضر .

ولكن شاءت الاقدار أن تسفه الأحلام وتخيب الآمال ، إذ إمتد الزمن بهذا النظام الفوضوي البائس ، لينهي الآن عامه الواحد والأربعين ، وهى فترة زمنية ثقيلة وطويلة ، حيث أصبح أكثر من ستين في المائة من مواطنينا لا يعرف ولا يعي ، تاريخ وطنه قبل ذلك اليوم المشئوم ، ولا تضحيات وعطاءات آبائهم من مدّ وجذر وانجازات وإخفاقات ، ومحاولات شجاعة وصبورة لرجال ذلك العهد ، في التعامل مع الواقع المحلي والاقليمي والدولي بهمومه ومشاكله وتعقيداته ، ومحاولات القوى المناهضة للنهوض الوطني وإجهاض التجربة الوليدة ، وذلك بواسطة عمليات تزييف الحقائق وتضليل عقل ووجدان المجتمع ، الذي مارسته وتمارسه سلطة سبتمبر الانقلابية منذ سبتمبر 1969 ، وقد ولدت للأسف ، أجيال من مواطنينا في خضم هذا الزيف وتلك الأكاذيب لباطل سلطة سبتمبر ، ونشأت في أجواء الحقد والغل والكراهية ، الذي مارسته هذه السلطة ، من خلال تشويها للحقبة التاريخية التي أتت بالاستقلال الوطني ، ثم حاولت بناء الدولة النموذج .

صحيح أن التصدي لهذا الحجم من الزيف والتضليل ، يحتاج إلى الكثير من الندوات والمناقشات ، والمزيد من الكتب والمقالات ، حيث أن مقالاً أو أثنين لا يمكن لهما تحقيق غاية التصدي وقصد التفـنيد ، غير أن ذلك أمر لاينبغي إهماله لأنه يهدف الى القاء الضوء على فترات من الماضي ، تضيء جزءا من ليل المواطن الليـبي الطويل ، وتكشف بعضاً من محاولات الثوار والثائرين ، من مفبركي تاريخ الأول من سبتمبر ، وما صنعوه من فساد وإفساد اقتصادي واجتماعي وهزائم وانكسارات سياسية وعسكرية ، وإمتهان وإذلال مجتمع ، انتشر فيه بسببهم وحدهم الفقر والجهل والجريمة .

إن الواجب الوطني الذي يفرضه التطلع الى المستقبل ، يحتم على الجميع النظر ، بمختلف توجهاتهم السياسية وانحيازاتهم الفكرية ، الى الاعوام  " الثمانية عشر "  من عمر ليبيا الحديثة ، بموضوعية وعمق ، وأن نحاول جميعاً استحضار هذه السنوات ، بعد أن عشناها من خلال سياقها التاريخي ، والظروف التي حددت حركتها الخارجية والداخلية ، ووفق ترتيب للأولويات التي حددتها القدرات والامكانيات المتاحة لديها لمواجهة عمليات البناء والتحديث .

قبل الأول من سبتمبر 1969 ، كان في وطننا نظام دستوري ، يقوم على المؤسسات السياسية المتعارف والمتفق عليها في العرف السياسي ، بين السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية ، والفصل بينهما في شكل يحقق التوازن والضبط السياسي في الادارة والتنفيذ ، ودون الدخول في جزئييات وتفاصيل تلك التجربة ، قد يختلف بعضنا حول سلبيات وإيجابيات مردودها ، ولكن لعلنا نتفق جميعاً على انها تجربة ، كان بالإمكان تطويرها مرحليا ، والدفع بها نحو الاقتراب من طموحات شعبنا ، ثم أليست هى اليوم بمفرداتها وتفاصيلها ، الحلم الذي يسعى اليه معظم التيارات الوطنية ، لا داخل وطننا فحسب ، بل على اتساع وطننا العربي الى تحقيقه ؟ آخذين في الاعتبار محاولة تطوير هذه التجربة الوليدة ، والدفع بها الى الامام ، وذلك عندما تبني النظام السياسي في ليبيا " الملكية " مبدأ الحراك السياسي والاجتماعي بمعناه الحقيقي ، وازالة العوائق والموانع بين فئات وطبقات المجتمع ، والتي تحول دون المساهمة والمشاركة في العمليات السياسية لكافة ابناء الوطن وجعل معيار الكفاءة والاقتدار شرطاً اساسياً في الدخول في العملية السياسية لا المحسوبية وأهل الثقة وأبناء العمومة والقبيلة كما يجري الآن في ليبيا  " الفاتح " .

بعودة متأنية لتلك الفترة التاريخية من عمر الوطن ، والبحث في إرشيف وملفات السلطات الثلاث ، نجد حجة هذا القول من حيث العناصر والاشخاص ، التي لعبت ادواراً في الحياة السياسية في ذلك الوقت ، من حيث التخطيط والتطبيق ، فكان في ذهن وعقلية النظام " الملكي " أن نجاح وتحقيق الاستقرار الوطني لا بد أن يكون مقروناً بنجاح عمليات التنمية الوطنية بطرفيها الاقتصادي والبشري ؛ ومع تحقيق الاكتشافات النفطية في ليبـيا ، وتحولها الى دولة منتجة للنفط ، ازدادت هذه الرغبة والنزعة ، والتي تمثلت في تحقيق التنمية الاقتصادية والبشرية ، وتحولت الى ارادة عبرت عنها سياسات اعادة توزيع الدخل الوطني ، بشكل يحقق العدالة الاجتماعية وينطوى عليه ايضا ،ً رفع مستويات أغلبية المواطنين تعليمياً وصحياً وثقافياً ، كما لم يغفل النظام أهمية القطاع الخاص ، ودورة في إنجاح التنمية الشاملة ، وحثه على مشاركة القطاع العام ، من خلال تبني سياسة أدت الى الحد من مشاركة قطاع الدولة في الحياة الاقتصادية ، وقصره على السيطرة لبعض المشاريع الاستراتيجية ، التي لها ضرورة حيوية وصلة مباشرة بالمواطنين ، مما حقق نتائج ايجابية لعمليات التنمية المستقلة ، بعيدة عن الاستغلال والاحتكار.

ولم يكن بعيداً عن توجهات وسياسات تلك الفترة ، أهمية وضرورة بناء علاقات دولية متوازنة من جهة ، والاندماج التدريجي والمتطور داخل محيط ليبيا العربي والاقليمي ، فكانت ليبيا من أوائل دول منطقتها واقليمها ، التي أقامت علاقات سياسية واقتصادية مع المعسكر الشرقي ، الذي كان احد الثنائية الدولية التي سادت النظام الدولي في ذلك الزمن ، لتنأى بوطنها وشعبها عن الدخول في تحالفات وتكتلات دولية تضعها فريسة للهيمنة الدولية ، وتضعف من أهمية وقيمة الاستقلال الوطني الذي سعت إليه ، ثم جاء الاتجاه الثاني في حركة " النظام الملكي " الخارجية اللازمة لحماية الاستقلال الوطني وتفعليه ، وهو الانخراط والاندماج في المحيط العربي بمشاكله وهمومه ... طموحاته وأحلامه ، وهناك  عاملان اساسيان ، لعبا دوراً هاماً في تبني هذا النظام لهذا التوجه ، الاول : الشارع الليـبي الذي كان ضاغطاً وبوتيرة متسرعة ، على النظام للسير في هذا الاتجاه ، والثاني : نجاح النظام في تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الداخلي ، ونجاح رؤيته ونظرته الحاكمة لتعاطيه مع المقاصد والاهداف التي يتبناها ، وهى الاعتماد على التطور التدريجي ، والمرحلي لكل مرحلة ، حتى يؤمن نجاحها ، والبعد عن سياسات حرق المراحل والقفز فوقها ، فكانت مشاركته ومساهمته العربية ، فعـالة وهامة ، وبخطوات مدروسة وواعية للظـروف الداخلية والدولية المحيطة به .

وكانت لسياسة الاندماج والانخراط في المحيط العربي ، تداعيات وآثار على سياسات واجراءات تحييد ليبيا ، والتي تبـنتها أطراف دولية أجنبية ، ارادت من خلالها اعتبار ليبـيا ، منطقة عازلة بين المشرق العربي ومغربه ، فكان لهذا الدور العربي لليبـيا  " الملكية " ، والنشاط الداعم لمحيطها العربي وقضاياه ، تبديداً لهذه السياسات ، وجعلها عديمة الجدوى ، في الكثير من الاحداث التي مرت على المنطقة في تلك الفترة.

واذ كانت مرحلة الخمسينات والستينات من القرن المنصرم ، هى مرحلة السعي من اجل تكريس الاستقلال  الوطني في بعده الشامل ، وتأكيد هوية الدولة والمجتمع الليـبي "  العربية " ، يقفز الى الذهن سؤالاً ويزداد الحاحاً على الجميع ، وهو كيف لنظام بهذا الطموح في الاهداف والوضوح في الرؤية والقدرة على الانجاز ، أن يسقط مع أول هجمة أو ضربة ؟! وبعيداً عن تبني دور وأهمية العامل الخارجي ، في تفسير الاحداث خوفاً من الاقتراب من تابو النظرية التأمرية ، التي يوصف بها كل من حاول تفسير وتحليل الاحداث ، من خلال محاولة فهم الدور الخارجي فيها ، مع انه حتى يكتمل التحليل والتفسير ، لايمكن اغفال هذا الدور وأهميته ، ولعل وجود مؤسسات وأجهزة مخابرات دولية ، وانتشارها وتعاظم دورها في كثير من الاحداث الدولية والاقليمية ، بغرض النظر الى هذا العامل ، كأحدى مدخلات العناصر اللازمة للتحليل والتفسير ، وبرغم كل ذلك ، فإننا ننحي ذلك جانبا ، ونرد على هذا التساؤل بسؤالين : أولهما منذ ومتى وقفت الشعوب الى جانب الدفاع عن منجزاتها ، ومكاسبها الوطنية عند حدوث ردة أو التفافاً على مسارها ، فلم يقف الشعب الفرنسي ، بجانب ثورته وانجازاتها الانسانية ، ولا الى جانب قيمها التاريخية ، حيث انتهت بعد عشر سنوات في يد ديكتاتور وامبراطور الذي هو نابليون ، وماجرى للثورة البلشفية ، وانهيار انجازاتها ومكاسبها التي تحققت للشعب السوفيتي ، دون أن يقف أحد في مواجهة هذه الردة الانعطافية التاريخية والتصدي لها ، ولعل مكاسب وانجازات الشعب العربي في مصر التي تحققت بفضل " ثورة يوليو " ، وما أصابها من انتكاسات واخفاقات ، لم تجد أحد يقف مدافعاً أو مانعاً لهذه الردة ؛ لقد علمنا التاريخ أن الشعوب في كثير من الأحيان لا تستطيع التصدي أو الوقوف في مواجهة هجمات الردة والانكسار ، ولا تستطيع الحيلولة دون وقوعها ، ولكنها لا تستسلم  لها أو تنهزم ارادة تصحيح المسار الوطني واعادته الى الطريق الذي اختاره الشعب والتاريخ ، وهو ماحدث لشعبنا في ليبيا منذ اليوم الاول لسلطة سبتمبر ، لم يقف للدفاع على هذه المكاسب والانجازات ؛ غير أنه لم يستسلم ؛ والسؤال الثاني : ما هى المكتسبات الوطنية والتغييرات الاجتماعية والاقتصادية ، التي اضافتها سلطة سبتمبر للمواطن ، التي يمكن ان تدفعنا الى القول بأن هناك حاجة وطنية ملحة فرضت الانقلاب العسكرى والسطو على السلطة الشرعية ؛ بنظرة الى الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية لليبـيا في ظل نظام سلطة سبتمبر ، نجد أن هناك نكوصاً على كل ما تحقق على يد رجال عهد الاستقلال ، فعرفت ليبـيا لأول مرة في تاريخها " المشانق " تنصب في الميادين والجامعات ، وأمتلأت السجون والمعتقلات بالشرفاء من ابناء شعبها ، كما زاد القمع والاستـبداد الى درجة إمتهان شرف  وكرامة المواطن ؛ فى الواقع ليس هذا كلاماً مرسلاً ، أو حديثاً من اجل ملأ الصفحات ولكنه حقيقة دونتها ممارسات سلطة سبتمبر مع كل يوم من عمرها .

واذا انتقلنا الى السجل السياسي والاجتماعي والاقتصادي لسلطة سبتمبر ، وأدائها الوظيفي والمهني فى ادارة العملية السياسية طوال هذه السنوات ، نجد تراثا كبيراً من الفـشل عبرت عنه مقولات سطحية ، وأفكار مريضة ، كانت عنواناً للجمود السياسي والثقافي ، والافتقار الفكري والانهيار الاقتصادي والفساد الاجتماعي ، فعمت الفوضى والفساد في المجتمع ، وأصبح الجميع يلهث وراء سراب الاصلاح ، وترميم ما أفسده النظام بعد هذه السنوات .

ولم يكن الحال أحسن على الصعيد الخارجي ، في حركة سلطة سبتمبر الخارجية فلازلنا بعد هذه السنوات ، نبحث عن الهوية الليبـية ، فتارة نحن ننتمي الى محيطنا العربي ، وتارة أخرى الى قارتنا الافريقية ، ومرة ثالثة نحن جزء من منطقة الشرق الاوسط ، فنحن بعد أربعون عاماً لا نزال نبحث عن شواطىء الهوية والانتماء حتى نرسو عليها ، ولا يخفى على الجميع اننا بفعل هذا التخبط ، قد تحقق لليبـيا ما أرادته الاطراف الدولية الأجنبية لها ، وهو كما سبق واشرنا اليه ، أن نبقى دولة حزام عازلة للمشرق العربي عن مغربه .

هذا قليل من كثير ، مما قدمته لنا سلطه سبتمبر من فشل مريع وهزائم مرة ، لكل المشاريع الوطنية والقومية ، طيلة سنوات سلطتها وسطوتها ، غير أن عزاءنا الوحيد ، أن عمر هذا النظام مهما بلغ من سنوات ، لن يذكر بعد الثانية الاولى من ساعة إعلان إختفائه عن المسرح السياسي في ليبـيا ، وسينظر اليه على أنه مجرد محنة عابرة وقد زالت ، لتستأنف ليبـيا طريقها القاصد الى الآفاق الممكنة للتـقدم والازدهـار .

 

ليبـيا الغـد

31 أغسطس 2010