الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

الدستور الليبي ... ذكرى تاريخية وآمال مستقبلية !

 

حمل شهر اكتوبر الجاري ، وتحديداً السابع منه ، ذكرى يفترض أن تكون عزيزة وغالية على الشعب الليبي ، وهى ذكرى إعلان الدستور ، الذي بموجبه ومقتضاه شرع الرواد الأوائل في بناء دولته المستقلة ، وإقامة مؤسساتها الشريعية والتنفيذية والقضائية ، التي حددت المسئوليات بين الحاكم والمحكومين ، من خلال إبراز حقوق وواجبات كل منهما في شكل نصوص ومواد ، حددت بوضوح حركة المسئولين ، ومستويات الرقابة المفروضة عليهم من المجتمع ، لتصحيح الأخطاء والتصدي للتجاوزات أو الحد من آثارها وتداعياتها الضارة التي تنشأ عن الممارسة غير السليمة للسلطة ونوازع انعدام الاستقامة وغرور النفوذ.

 

والغريب والمدهش ، أن هذه الذكرى مرت دون محاولة التوقف عندها ، لاستحضار عبرها وأهميتها وقيمتها التاريخية ( لدى الشعب الليبي ) ، الى جانب ما تقتضيه المناسبة من دواعي إعادة التقييم  بشكل علمي و صحيح وموضوعي ، لمعرفة الأسباب الكامنة وراء إسقاط دستور الدولة وبالتالي المجتمع من أول ضربة تلقاها على أيد غادرة وجاهلة فى عتمة ذلك اليوم التعيس من سبتمبر سنة 1969.

 

ومصدر الدهشة والإستغراب هذه ، ليست لقيمة وأهمية الدستور الذي يستحق من الجميع التقدير والإحترام والوقوف عند ذكراه لا تجاهله ، بحكم أنه أكثر الوثائق الدستورية تقدماً وطموحاً في زمانه ومحيطه ، ولكن مصدرها أن الجميع في ليبـيا ، ممن يعيش داخل الوطن أو من يعيش الوطن داخلهم ، عناصر النظام وأذنابه ، رموز المعارضة وبقاياها ... الجميع ينادون منذ سنوات بأهمية وجود دستور يحكم وينظم الحياة السياسية والاجتماعية في ليبـيا ، بإعتباره طوق النجاة من إنهيار الوطن وضياع كيانه ، في ظل استمرار سلطة سبتمبر الفوضوية برموزها وأوهامها وشطحات أفكارها وسط عالم لايسمح بمثل هذه الفوضى والممارسات السلطوية الجاهلة التي تجاوز عمرها الآن أربعين عاماً! 

 

لقد كان يجب لهذه الذكرى أن تكون مناسبة تتيح للجميع تأملها وإستحضار تاريخها لمعرفة جدوى وضرورة وجود دستور وحياة ديمقراطية ، بمفهوم وتطبيقات الآخر ، تكفل بلوغ مستقبلها الذي تنشده ويمنع وقوعها في براثن الفساد وسلطاوية فرد أو عصابة ، داخل مجتمع موغل في التخلف البنيوي ، و يعاني من هشاشة البناء الإجتماعي والطبقي.

 

ان الذي حدث ، وهو مترسب في الذاكرة ، والذي يحدث وهو مانراه أمام أعيننا اليوم ، يشير للأسف الى عكس ذلك ، فنحن كأمة بجذورها وأصولها الاسلامية نعتبر أن القرآن الكريم سيد الدساتير ، والذي تمتد عدالته وصلاحيته الى ان يرث الله الأرض ومن عليها ، غير أن التاريخ حدثنا أيضاً عن الاختلاف الكبير عند التطبيق والممارسة في الواقع السياسي والاجتماعي ، ومع إختلاف رجال كل عهد وعصر ، فمن المؤكد تاريخياً ماكان من تطبيقات وممارسات في عهد الفاروق عمر ، لم تكن هى التي حكمت المجتمع الاسلامي في عصر معاوية ، مع أن الاثنين مرجعيتهما واحدة ، فكان التباعد بينهما في التطبيق والممارسة بقدر إختلاف رؤية وتفسير كل منهما لنصوص ومحتوى المنهج الواحد المستمد منه شرعية سلطتهما ، ولماذا نذهب بعيداً الى هذا الحد ؟ فإذا نظرنا الى يميـننا وشمالنا وفي كل إتجاه من حولنا ، نرى دولاً تدعي وتزعم عن إنتمائها لأنظمة دستورية وديمقراطية تستمد منها شرعيتها السياسية ، بيـنما الواقع الفعلي يكشف لنا ان ممارساتها وتطبيقاتها ، أعطت المثال الصارخ لدكتاتورية القوانين وسيطرة النخبة الحاكمة ، وديمقراطية أهل السلطة والنفوذ والمال ، مما يعني أن أهمية وقيمة الحياة الديمقراطية والاساس الدستوري ، لا تستمد من النصوص والمواد مهما بلغت من الطموح والارتقاء ، ولكنها تعتمد وبدرجة كبيرة على مستوى وعي وثقافة المجتمع ، وإدراكهم لأهمية وجود دستور يحكم وينظم الواقع السياسي والاجتماعي داخله ، فالعقول التي تقوم بالتفسير والتأويل والممارسة هى التي تحدد صلاحية او مفسدة المرجعية ، وهى التي تحميها من الإنحراف عن مساراتها.

 

إذاً المشكلة تكمن في أننا مجتمعات تقوم على فلسفة الإستيراد والإنبهار بكل  ما يصنع أو ينتج خارج الحدود ، فنحن نأكل ونرتدي ونتنقل ونتواصل من خلال أدوات ووسائل نجلبها من خارج حدودنا ، وبدأت هذه الحالة في التطور والتراكم حتى أصبحت ثقافة تعيشها الخاصة قبل العامة ، وأصبحت الأفكار والصياغات والمصطلحات التي تحكم علاققاتنا الإجتماعية والسياسية أكثر يسراً وسهولة عند جلبها من خارج الحدود ، بدل أن تنتج داخل المجتمع من خلال التفاعلات الناشئة بين قواه وتياراته السياسية والاجتماعية حيث تحكمها ظروف وثقافة المجتمع التاريخية والمستقبلية. 

 

وقد ابعدتنا حالة الاستيلاب التي نعيشها عن النظر في الأسباب والشروط التي توافرت عند الآخر عبر صراعات مريرة وطويلة ، وتراكمات  تاريخية استمرت لأكثر من أربعة قرون واستندت الى خلفية ثقافية ، ساعدت على بناء النموذج الذي نراه امامنا اليوم ، ثم أن حالت الاستلاب هذه لم تقودنا فقط الى عدم فهم ومعرفة عوامل وتطور هذا النموذج ، بل قادتنا أيضاً الى تجاهل وتجاوز الكثير من تفصيلاته وجزئياته التي بها الكثير من الشوائب والمثالب ، وقدمته لنا على أنه النموذج الكامل والمكتمل الذي يصلح لكل الثقافات والحضارات على امتداد الزمن.

 

قد نبدوا ، ونحن كذلك ، أننا نغرد خارج السرب عندما نقول هذا الحديث ، إلاّ أننا نملك جرأة إبراز هذه الحقائق وتحسس واقع نعيش ونتفاعل مع عناصرة ومفرداته الداخلية والخارجية ، ونختزن تاريخه وأحداثه مما يجعلنا نصيغ أفكارنا وتصوراتنا وفق رؤية شاملة تأخذ في الإعتبار الظروف التاريخية والاجتماعية التي تلف الوطن والمجتمع ، فلا يكفي أن نحلم بقيادة طائرة ونحن لا نجيد السير على الأقدام ، فالقراءات والقياسات التاريخية الحالية تقودنا الى التأكيد على عدم نجاح حياة ديمقراطية سليمة وفعالة في ظل واقع مجتمعي متخلف يفتقد الى أدنى تقاليد التنظيمات السياسية والنقابية ، اختزلت علاقاته السياسية والاجتماعية في القبيلة والعشيرة وأندثر في ذهنية المجتمع مفهوم المواطنة ، الذي هو الدعامة الرئيسية للحياة الديمقراطية ، ناهيك على معاناة الحاجة الاقتصادية ، والفقر المعرفي والتعليمي ، وتفشي الفساد المالي والإداري ، وذلك بالإضافة الى سياسات وممارسات القهر والقمع من طرف سلطة سبتمبر المتخلفة ، فكلها هموم تثكل كاهل الوطن المواطن وتجعل من هذه الدعوة مهرباً وليس حلاً ، حيث أن عاملاً واحداً من هذه العوامل يجرد هذه الفكرة من مضمونها وقيمتها ، ويجعل منها اداة لاغتيال إمكانيات المستقبل في شكل إعادة إنتاج دكتاتورية جديدة بمسميات عصرية وجذابة.

 

إننا بهذا الطرح ، قد نوصم بأننا أصحاب دعوة تأييس وإحباط تسعى لابقاء المجتمع والوطن داخل هذا النفق المظلم ، أو في أحسن الأحوال نغيّر أونستبدال عناصره مع الاحتفاظ بمضامينه ، فالحقيقة تظهر جلياً من خلال هذا الحديث لمن يريد ان يعى ويفهم ، لا من ينوي التصيّد والتشكيك ، وهى أنها لا هدف لها سوى رصد الواقع ومحاولة فهمه وتحليله ، حتى نتمكن من تجازوه ، من خلال إمتلاكنا أدوات ووسائل معرفية حقيقية ، تحدد لنا أماكن القوة والضعف ، ونطاق الحركة والهدف.

 

فنحن بكل فخر من غلاة الدعاة الى حياة ديمقراطية سليمة ، وعدالة إجتماعية حقيقية ، تكفل لأبناء المجتمع دون تفرقة في المشاركة والمساواة ، وذلك لأن من عاش قسوة وغطرسة الإستبداد ودكتاتورية السلطة لايمكن أن يكون غير ذلك ، إلاّ أن الطموح الذي بداخل الجميع يصطدم بمعطيات واقع مرير وأليم يفرض قراءة جيدة لشروط وعوامل نجاح مفهوم الديمقراطية السليمة وتطورها عبر التاريخ ، فالعزل التعسفي لذلك المفهوم عن مساراته التراكمية ، ثقافياً وحضارياً واقتصادياً ، يحوله الى أداة تسلطية ويجعل منه شعاراً أجوفاً دون معنى ومضمون حقيقي.

 

صحيح أن التجربة الديمقراطية التي جسدها الآباء ، منذ ما يقارب من ستين عاماً في شكل دستوري عصري ، كان يمكن تفعيلها وتطويرها ، وتنقية شوائب الممارسة التي برزت عند بعض المحطات ، غير أن حالة الإجهاض التي تعرضت لها على يد زمرة من العسكر ، إرتد معها المجتمع والوطن الى المربع  الأول ، وبددت بسببها مكاسب تلك التجربة الوليدة ، وأصبح معها هموم المجتمع والمواطن هو البحث عن لقمة العيش ، والمعرفة الحقيقة والصحة الجسدية والعقلية ، وتحول مفهوم الديمقراطية لدى أغلب الناس الى مفهوم طوباي ( خيالي ) يستحيل تحقيقه في ظل تلك المعاناة.

 

وبما أن الزمن لا يمكن ان يتوقف أو يستعاد ، فإن علينا أن نبذل الجهد من أجل تهيئة الظروف والأرضية المناسبة ، لتجسيد حياة ديمقراطية داخل المجتمع الليبي ، تكون ركيزتها الأولى التوعية القائمة على رفض نظام سلطة سبتمبر برموزه ورجاله وأفكاره ، وإيجاد مشروع وطني دعائمه المشاركة والمساواة ، يشارك في صياغته الجميع ، ويأخذ في الإعتبار ظروف المجتمع الليبي ثقافياً وحضارياً وإجتماعياً ، ليصبح مظلة يستوعب جميع القوى السياسية والاجتماعية دون إقصاء أو إبعاد.

 

ان ساعة البدء والانطلاق الجاد والحقيقي نحو انعتاق الوطن والمجتمع الى مستقبله المنشود ، لم تبدأ بعد ، وحتى يحين موعدها التاريخي ، يفرض الواجب الوطني المسؤلية التاريخية على الجميع ، التخندق داخل مواقع ديمقراطية ، والتسلح بالوعي والمعرفة ، لتحقيق ما نطمح اليه ، في إقامة البديل الديمقراطي الذي يعطي السيادة لقيم الحرية والعدل وحقوق الإنسان.

 

ليبـيا الغـد

30 أكتوبر 2010