الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 


الثاني من مارس ... إعلان قيام سلطة الفرد !
 

 

يحتفل القذافي اليوم بذكرى إعلان قيام ما يسميه ( سلطة الشعب ) وهوبرنامج مشروعه الخاص الذي استكمل به ومن  خلاله عملية إخضاع الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ليبيا لمشيئته المطلقة ، وأرادته الخالصة ، ترجمتها صيغ وممارسات البطش والهيمنة والعصبية، في رفض صارخ وصريح، لكل أشكال النظم السياسية، وأساليب إدارة شئون الحكم، التي أنتجها الفكر الإنساني عبر مراحل تاريخية طويلة، ووفق مناظير سياسية وفلسفية واجتماعية، من هذه النظم من حافظ على الاستقرار والاستمرار، ومنها من ساد وانهار، إلا أن الأرضية الفكرية التي انطلقت من خلالها كانت واحدة، على مر العصور، وهي الإجابة على سؤال يحدد بإبعاده السياسية والاجتماعية، العلاقة بين معطيات الواقع وطموحات المجتمع، كما أنها أى النظم اشتركت جميعها في احترام وتقديس كل النتائج التي وصلت إليها وارتضتها، لتكون حاكما للعملية السياسية، وتحمّل المؤمنون بها (قولا وعملا) المسئولية في السعي والجهد، نحو تحقيق المقاصد والأهداف، التي عبرت عنها اختياراتهم.

 

ومن هنا برز دور المرجعية، سواء كانت دينية أو دستورية أو حزبية، وأهميتها في ضبط إيقاع المجتمع وحركته السياسية والاجتماعية، عبر الرقابة على الأفعال والممارسات، ومن خلال تصحيح المسارات والتأكيد على القيم والمبادئ التي يحتضنها المجتمع، ففي كل الحالات وعلى اختلاف الأساس الفلسفي والسياسي الذي تستمد منه المرجعية سلطتها وسطوتها، لم تمنح أي منها الحق المطلق وتضعه في يد " شخص " يتمتع بصلاحيات واختصاصات تفوق في سلطتها وسطوتها المؤسسات والهيئات السياسية والقانونية القائمة، حتى تلك النظم السياسية التي تعبر عن قناعات أيدلوجية وقوالب سياسية جامدة، نجد قيودا لدورها، وهامشا محدودا لاستقلاليتها، داخل الإطار الفلسفي والسياسي الذي يحكم المجتمع وحركته، كالنظم الشمولية والديكتاتورية أو ذات الأبعاد الدينية.

 

بل حتى نموذج ( دولة العائلة ) الذي يحتل مكانة مهمة ونموذجية في التكوين النفسي والسياسي لدى القذافي، تعتبر تقاليد ومصالح الأسرة والعائلة المرجعية النهائية، في إدارة اتجاهات العملية السياسية داخليا وخارجيا، كما أنها تحدد مهمات ومسئوليات أفراد الأسرة في الحياة السياسية . فالواقع السياسي ينطوي على حقيقة جامعة، هي أهمية المرجعية داخل الحياة السياسية، كشفت عنها تجارب التاريخ، قد تنتقص في فترة تاريخية أو أنها لا تعكس آمال وتوقعات مجتمع ما، عند المقارنة مع غيره من المجتمعات، أما التمسك بأفكار ومواقف لا تنسجم مع التاريخ كما يصنع نفسه، تؤدي في المحصلة النهائية الى أزمات سياسية واجتماعية وحالة من الانهيار وتردي الاوضاع داخل المؤسسات والهيئات السياسية والاجتماعية، حيث تصبح المواقف والافكار التي تمثل نظريات مثالية وقيم طوباوية، وتفرزها رؤى وأضغاث احلام خاصة، لأنها تفتقد الى الأساس التاريخي والاجتماعي، الذي يعطيها أداة ضبط وربط الواقع بالطموحات، تصبح المعطل السياسي والاجتماعي للواقع ومسيرة المجتمع، وتفضي الى أشكال مختلفة ومتعددة من الخيبة والفشل والتخبط.

 

وعند الاقتراب من الحالة الليبية بعد تسع وعشرين عاما من إعلان سلطة القذافي (الشعب تجنيا)، نستطيع أن نرى بوضوح هذا الارتباط في العلاقة بين المواقف والافكار الخاصة من جهة، والاوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى، والتي ترجمتها حالة من الاخفاق السياسي والفشل الاقتصادي، والتخلف الاجتماعي، وانعدام الإحساس بالثقة في الحاضر والمستقبل، كنتيجة لفقدان المرجعية التى تشكل وجدان وثقافة وتجارب المجتمع من جانب، وتركيز العملية السياسية والفكرية حول فرد، ليصبح مركزها والمصدر الملهم الذي يعطي المجتمع الأمن والأمان من جانب آخر، على هذا النحو صارت جماهيرية القذافي طيلة تسع وعشرين عاماً، تحول خلالها المواطنون إلى عبيد وأقنان، يأتمرون ويتحركون وفق مشيئة سيد واحد يحكم ويتحكم، ويعيشون واقعاً مريراً يمتهن كرامتهم، ويحبط  معنويتهم، ويهدر مواردهم، بفعل أفكار وممارسات استبدادية تتحكم فيها غرائز سلطوية وتغذيها نوازع جاهلة بحقائق التحول الاجتماعي التاريخي وقوانينه الحاكمة، والتي تحدد اتجاهاته والقوى الفاعلة فيه، لأن فقدان المعرفة والوعي لتلك الاتجاهات والقوى، بجانب عدم القدرة على العمل معها، والتي ميزت شخصية القذافي الاستبدادية، لم تكن انعكاساتها واثارها السلبية المفجعة تقتصرعلى الوطن فحسب، بل تنال  من شخصه هو أيضاً، لتحوله من قائد وزعيم ثوري (كما يتوهّم هو نفسه)، إلى مهرج وبهلوان سياسي يتندر الجميع على مواقفه ويسخرون من آرائه، وان كان يضفي بهذا التهريج ، على أجواء التوتر الدولي وقضاياه الملتهبة، قدراً من البهجة والمرح!! وقد أوقعه هذ التهريج فريسة سهلة للابتزاز المالي والسياسي من قبل بعض الدول والهيئات الاعلامية والسياسية، ومن سماسرة الفكر والسياسة، وحوله مع مرور الوقت إلى أداة اقليمية جديدة وعنصر فعال  في استراتيجية معادية للمنطقة ومشروعها الخاص للتقدم .

 

أن قدراً يسيراً  من البصيرة النافذة، والوعي الناضج والقدرة على التحرر من الأوهام والتصورات الخيالية، ونبذ الرغبات والنزوات الوهمية، واستبدالها بوعي منظم للواقع بمعطياته وتطوراته، كانت كفيلة بتجنب الكثير من المصائب، وتحاشي العديد من النكبات التي حلت بالوطن والمواطن، منذ إعلان مارس الذي جعل من النظام السياسي في ليبيا والقائمين عليه، موضوعا للسخرية والابتزاز، وأصبح طريق  التعاطي معه دوليا ذا  اتجاهين : التخويف والترهيب عندما يراد انتزاع موقف  سياسي ، أو التمجيد الكاذب و التكريم المزيف، عند تحقيق مكسب  اقتصادي أو مالي ؟

 

وعلى المستوى المحلي، جعل إعلان مارس من الوطن والمواطن موضوعا للاضطهاد السياسي والافقار الاقتصادي، ففي ظله وبفضله يعيش المواطن سنوات القهر  وغياب المشاركة السياسية الحقيقية لغياب المؤسسات السياسية والنقابية الفعالة القادرة على ترجمة اتجاهات الافراد والقوى الوطنية إلى مواقف سياسية تستهدف صالح الوطن والمواطن، وتخدم غاياته الاستراتيجية، وتحقق آمال شعبنا في قيام الديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية، كما أن الفساد المالي والاداري الذي يضاف إلى انجازات وعطاءات إعلان مارس، انتج حالة اقتصادية متخلفة وابقى البلاد حتى الآن تأكل وتلبس وتعالج من خارج الحدود، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد فحسب، بل كان إعلان مارس سببا رئيسيا في تفشي أمراض إجتماعية وأخلاقية عرفت طريقها داخل معظم فيئات المجتمع، فكانت الدعارة والبطالة والرشوة وزيادة معدلات الفقر بين المواطنين التي تفاقمت على يد إعلان سلطة القذافي (الشعب) فهذه الشرور الاجتماعية التي ضربت بجذورها مجتمعا كان آمنا ومتماسكا مستقرا، تعد انجازاً بارزاً لها، لم ولن يتحقق سواه مهما ارتفعت صيحات ودعاوى الاصلاح والترميم، أو اتخذت بعض السياسات والاجراءات التي قد تستهدف تصحيح المسار وتصويب الاخطاء،  إننا لا نقول ذلك من مواقع تشاؤمية أو رافضة، ولا محاولة للتشكيك في  المستقبل وتطوراته، وانما من خلال فهمنا لتجارب التاريخ،  واستيعاب حقائق موضوعية سابقة، حكمت بالفشل على كل محاولات تصور الواقع من منظور شخصي، وتطويعه بغية تحقيق مقاصد وأطماع خاصة.

 

فالخلل هنا لا يكمن في التطبيق والأداء لتصبح عمليات التصحيح والتصويب قادرة وفاعلة، وانما في الطرح بجزئيته وعموميته النظرية، الذي يتجاهل قوانين واتجاهات الواقع الموضوعي، بجانب اعتماده على خيارات وإنحيازات وأحكام خاصة، تتبدل وتتغير حسب المزاج والمواقف، اللذان أصبحا مرتبطان أرتباطا وثيقا بهذا الطرح في حالة تحكم كامل، وسيطرة مطلقة، في الاتجاهات والتطبيق، الأمر الذي جعل من التناقضات في العملية السياسية، وتفريغها من المضمون الحقيقي، من سمات النظام السياسي في ليبيا، فاقدا للمصداقية في الخطاب السياسي والاجتماعي وفي المقولات والقيم التي يتبناها، بجانب اتسامه بالازدواجية في السلوك السياسي، والانفصال بين ما يقول من شطحات نظرية ومواقف تبشيرية، وبين ما يفعله و يمارسه على أرض الواقع من أفعال وممارسات.

 

فنجد، على سبيل المثال لا الحصر، التبشير بسلطة الشعب وعصر الجماهير التي تمتلك مصيرها، والتي بيدها وحدها دون سواها سلطتها وسيادة قرارها، الفكرة الرئيسية والهامة في البناء النظري لاعلان مارس، وما يناقضها ويخالفها تماما ليس من الجانب التطبيقي فقط، بل في المحتوى النظري أيضاً، عندما قرر الشعب فجأة وبدون مقدمات اعتذاره عن تحمل تلك المسئولية واعلان زهده في السلطة، وأصدر بإرادته الحرة وثيقة تنازل فيها عن حقوقه السياسية والاجتماعية للمواطن معمر القذافي، لتصبح توجهاته وتوصياته وهمساته أوامر وقوانين ملزمة للجميع، حتى في حالة تضاربها واختلافها مع قوانين واجراءات أخرى سابقة، أو قد تصدر مستقبلا عن (مؤتمر الشعب العام)، الذي يعتلي قمة الهرم السياسي نظريا في اعلان سلطة القذافي (الشعب)، ليتضح زيف وخداع مقولات لا يؤمن بها او يحترمها نظريا على الاقل حتى أصحابها، أو من يحاول تسويقها داخل المجتمع، فحولت هذه الوثيقة، إعلان مارس، عمليا ونظريا، إلى مجرد حروف مطبوعة على ورق، لا تعادل أثمان الحبر المستخدم  في كتابته، وإذا ما أضفنا إلى ذلك سلسلة من الوقائع والممارسات والتطبيقات المتعارضة والمتناقضة، مع سلطات واختصاصات تشريعية وتنفيذية وقضائية يفترض أن تتحقق من خلال إعلان مارس للشعب الليبي، ندرك عمق النكبة التي يتعرض لها الوطن، وفشل التجربة التي يعيشها، والممارسة المتخلفة المسيطرة والمهيمنة على الحياة السياسية والاجتماعية كل هذه العقود.

 

فلقد كشفت هذه التجربة والممارسات عن اختيارات وسياسات سلبت الشعب أبسط حقوقه في الاختيار والقرار، في مسائل وأمور تعد من صميم سلطته واختصاصه، فأنتزع حقه الطبيعي في اختيار اسم الوطن الذي يعيش فيه، والنشيد الوطني الذي يعكس تاريخه وطموحاته المستقبلية، والراية الوطنية عنوان سيادته وعزته، وفرضت عليه صراعات ومغامرات عسكرية دون أن يعرف أسبابها أو أهدافها، وعلاقات ومعاهدات سياسية ومالية دون أن تعود عليه منافعها وفوائدها، كل ذلك وغيرها من المسائل والأمور، التي لا يتسع المجال لذكرها، تمت بمعزل عن إرادة الشعب وضد رغباته ومصلحته، وفي اطار من قرارات وسياسات ساذجة، ومكررة، ومملة، تستمد شرعيتها من مفاهيم معلنة في إعلان مارس، لا تتناقض وتختلف مع الواقع الموضوعي الذي تعمل من خلاله فقط، بل أنها غير منسجمة مع المقولات والافكار التي تحملها، وتعمل على تحقيقها، فإن الافكار والاعمال التي تلغي تجارب تاريخية وتطورات إجتماعية، وتنطلق من أفكار ومواقف شخصية تستهدفة تحقيق رغبات وأطماع فرد، حتى وأن تصل إلى شعارات جذابة، ومفاهيم براقة، فانها لن تحقق إلا الانحراف والفساد، ويسود مناخ عام موبوء تنتشر فيه المزايدات والشعارات والمهاترات الشخصية، وتضيع فيه الاحلام والآمال والطموحات.

 

هذه النتائج (مع الأسف) واضحة  كل الوضوح في تجربة إعلان مارس، وأصبح التفاعل مع اصحابها يستوجب حاجتهم إلى معالجة في مستوصفات التحليل النفسي، وليس الى حوار موضوعي يحكمه العقل والمنطق.

 

ليبـيا الغد

2 مارس 2007