الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

القذافي ... الفضاء الافريقي

والفضاء الفكري!

       

اختتمت منذ أيام، اجتماعات زعماء (شيوخ القبائل) في أفريقيا، بمدينة أكرا التي احتضنت مؤتمر القمة الأفريقي، في دورته العادية أو الاستثنائية .. أو الاضطرارية، فقد كثرت اللقاءات والمؤتمرات التي تجمع " القائد الأممي " بالأفارقة، والتي لا نفع منها ولا جدوى، واختلطت المسميات البراقة والجذابة التي صاحبت مثل هذه المؤتمرات، حتى أفقدتنا التمييز بين العادي والاستثنائي والحتمي والافتراضي.... وكلها مسميات تدخل في دائرة الدعاية، والتشويق، ومحاولة إضفاء الأهمية بطريقة هوليودية، حيث أن نتائج ومضامين تلك اللقاءات لا تصنع أفعالا وأعمالا ذات قيمة، أو إنتاج محاولة جادة لدفع الواقع المرير الذي تعيشه شعوبهم المضطهدة، وأوطانهم المتخلفة،

 

وقد ساهم هؤلاء الزعماء بممارساتهم وسياساتهم على ترسيخ هذا الواقع المأساوي الراهن، ليصنع عنوانا واضحا وعلامة بارزة، لعجز وفشل تلك السياسات والممارسات، للقيام بأعباء وتكاليف مرحلة التنمية والبناء الوطني، في كافة دول أفريقيا، فكيف تستطيع اليوم مثل هذه القيادات العاجزة والمتخمة بالسلطة وصولجان النفوذ، أن تنهض بمسئوليات التحدي، وأن تملك إرادة البقاء في مواجهة صراعات دولية تستهدف الوحدات السياسية للمنطقة، وتقوم على استراتيجية تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ، فتلك إحدى الحقائق السياسية، والمعطيات الأساسية، التي تحكم تحرك الآخر (المخطط الدولي)، وتعاطيه مع الأزمات والقضايا الاقليمية، لتطويعها واستثمارها بشكل يخدم هذه الاستراتيجية ويقويها، أن التصدي لهذه المخططات ومواجهة هذه التطورات والتحركات، لا يكمن في الهروب إلى الأمام والقفز فوق الواقع نحو الخيال والأوهام (وهو ليس بجديد على نمط تفكير القذافي)، ولكن من خلال فهم حقيقي لأولويات هذه الاستراتيجية وابعادها ومراحل تطورها، والتعاطي مع آليات تحركها واستهدافاتها المرحلية، والتي تشير إليها بوضوح، الأحداث المتلاحقة في منطقتنا العربية حيث تشاهد مفردات هذه الاستراتيجية في أكثر من موقع داخل وطننا العربي.

 

إن الخطر الحقيقي الداهم والصراع المستهدف للوجود والبقاء، يعبر عن نفسه بوضوح في أرض الرافدين، وفي لبنان المقاومة، وداخل فلسطين المحتلة، وإرادة التصدي والاستجابة لا يمكن ان تكون من خلال أحراش وأدغال أفريقيا، مما يجعل من مثل هذه الدعوات والسياسات التي تنادي بوحدة قارة عجزت دولها لأكثر من نصف قرن في إقامة علاقات طبيعية بينها، وتبدو هذه " الدعوات " فاقدة للمصداقية ومثيرة للسخرية والهزل، خاصة إذ ما جاء بمشروعها شخص عرف عنه تاريخياً، الادمان على ممارسة مثل هذه المواقف التهريجية والهزلية.
 

ان الفضاء الأفريقي الذي أطلقه "القائد الأممي" (وهو ليس الجزء الثاني لقصته الشهيرة انتحار رجل فضاء أو أنه قناة تلفزيونية فضائية) ولكنه مصطلح سياسي من قاموس القذافي الذي لا ينضب، أراد به الطيران بلا أجنحة، بعيدا عن الأجواء الملتهبة، محلقا خارج منطقة الصراع والصدام الذي فرض على أمته، حفاظا على أمنه الشخصي وسلامة عرشه المتهالك، ومحققا في الوقت نفسه طموحه الجامح قي التواجد على المسرح السياسي العالمي، كزعيم ثائر وقائد أممي وتحت الاضواء العالمية، مناهض ومقاوم للمخططات الاستعمارية التوسعية، التي انحسرت عنه بعد ان رمت به الأحداث والتطورات الدولية والإقليمية الأخيرة داخل خيمة معزولة في صحراء ليبيا، وفي حضرة منافقين ومريدين ومرتزقة، يستأنس بهم، ويشدون من أزره.

 

ومن هنا، خطرت عليه فكرة (الولايات المتحدة الأفريقية) وأراد بها إيجاد المخرج الذي يحقق له التوازن النفسي، ويحل به معادلة تحقيق الهروب والتواجد في آن واحد، تلك الفكرة التي وجدت صدى لها عند بعض رؤساء وزعماء أفريقيا المأزومين، فقبلها الكثير منهم بهدف الحصول على مكاسب مالية من خلال سمسرة وبيع المواقف، والقليل الآخر وجد من خلالها الحل لمشاكل العزلة الإقليمية والدولية التي تتعرض لها بلدانهم، ومن خلال هذه الأفكار والمفاهيم والمصالح أعيد إنتاج رغبة تحقيق حلم راود زعماء أفريقيا الحقيقيون من قبل، مثل نكروما ... سيكاتوري ... جمال عبد الناصر ... نريري... مودوبو كيتا.. وغيرهم مما كانت دوافعهم ورغباتهم تحركها مشاعر وأماني وطنية مخلصة، ومرتبطة بفهم ووعي للواقع الذي يحيون فيه في محاولة جادة لتطويره وتغييره، ويحفظ لهم التاريخ شرف المحاولة حتي ولو فشلوا ولم يبلغوا ما ناضلوا من أجله. أما ما يشغل بال القذافي ليست الرغبة الصادقة والمستنيرة في تحقيق الوحدة بين الشعوب والبحث من خلالها عن تحقيق الرخاء والحرية وكرامة الانسان، انما الذي يأسر فكره ويستحوذ على هواجسه منذ استلائه على السلطة سنة 1969 ، هو – فقط- البقاء في الصورة .. والبقاء في السلطة !

 

ومن المثير للدهشة، أنه ما يقارب عن أربعون عاما، هي عديد سنوات حياة القذافي السياسية، قضاها محكما قبضته على الرقاب والبلاد، وما يناهز عن سبعون عاما، وهي سنوات حياته، لم يكسبه منهما ولو قدرا قليلا من الخبرة السياسية والحنكة المعرفية لتطوير منهجية التفكير، وترشيد التفاعل السياسي مع مختلف القضايا، فقد ظل يعيش طور المراهقة السياسية، بنفس الأسلوب والمنهج الذي صنع شخصيته منذ اليوم الاول لظهوره على المسرح السياسي في ليبيا، فقد ظل طوال هذه السنوات يستنزف ذاته، في ترديد أكلاشيهات خاوية من أي مضمون أو مفهوم، ومزايدات رخيصة، عبرت عن نفسها طوال هذه الفترة، من خلال مفاهيم تقوم على مضغ أفكار مستنسخه بشكل مشوه، وتسطيح فج للمضامين والأهداف الوطنية والقومية، دون فهم ووعي مدرك للواقع والعوامل التاريخية والموضوعية التي تتفاعل معه، حتى أصبح هذا عنوانا له يؤكده ويجسده تاريخ طويل من احداث سياسية، ووقائع من الممارسات والاجراءات تقوم على وصفات تبسيطية ومشاغل جزئية تكشف بوضوح عن التخلف الفكري، وانعدام الرؤية التحليلية والعلمية للظواهر السياسية، والانبهار الساذج لإنجازات ونجاحات الآخرين، دون أن يكون لديه المعرفة الواضحة والتفسير العلمي العميق لمثل هذه الإنجازات والنجاحات، فكان ذلك الاصرار والعناد الذي صاحب توجهه نحو قيام الولايات المتحدة الأفريقية، التي يحلم أو يتخيل أن يتولى رئاستها، اعتقادا منه بأن ذلك يمثل الرد القوي والفعال في مواجهة الاخطار والتحديات.

 

ومن هذا الفهم ينطلق تفسير القذافي لظاهرة القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخنا المعاصر، والتي حققت لها الهيمنة والغطرسة العالمية، فأن الموقع الدولي الذي تحتله الولايات المتحدة الأمريكية يكمن سر تحقيقه لدى "المفكر" القذافي، وراء الاسم السحري الذي بفضله انتقلت من مصاف الدول المتخلفة إلى الدولة المهيمنة، فأن أردنا القوة والمناعة علينا ان نتحصن وراء هذا الاسم، كما سبق وأن نقل ليبيا إلى مصاف الدول العظمي بإضافة لفظ العظمى على اسم الجماهيرية، دون النظر في مكونات النشأة والتراكمات التاريخية والعوامل والظروف الاقتصادية والسياسية، ومراحل التطور الاجتماعي والنضج السياسي والثقافي للمجتمع... وغيرها من الأسباب التي لا تؤثر بقدر كبير أو صغير في عوامل القوة والارتقاء عند القذافي، ووفق هذا الفهم يتحول القصد العقلاني والحلم التاريخي إلى تخبط عشوائي، لا يجد معناه ... جوهره، طبيعته، في أفعال ذات قيمة وأعمال مؤثرة وفعالة، بل يجسد احباطا ويأسا يؤدي بالنهاية إلى مزيد من الاقليمية وضياع الجهد بسبب التمحور وراء رغبات تفقد قدرتها على إنتاج آليات تستطيع تحقيق مقاصدها.

 

فهناك ضجيج يثار بإستمرار حول أهداف ومقاصد وطنية وقومية دون أن يكون هناك برنامج سياسي أو خط استراتيجي أو أداة فكرية تحدد الأبعاد والخطوات، حيث نسى القذافي وهو يعيش هذه الحالة من التخبط الفكري، أن المسألة لم تعد اليوم هل نريد الوحدة أم لا، أو هل نحن نحتاج إلى تكتل قاري أو إقليمي في عصر التكتلات يضمن لنا البقاء أم لا، فالجميع أجاب بوضوح على سؤالات من هذا النوع في عصر نعرف جميعا أنه لا يؤمن مكانا لضعيف أو لمسلوب الإرادة والطموح، أنما المسألة الآن تكمن في كيف نصل إلى هذا، وكيف نحقق غاياتنا وأحلامنا، وما هي الطرق إليها، وبكل تأكيد لسنا بحاجة إلى قدر من الذكاء حتى نكتشف أنه ليس بهذه الطرق والأساليب التي يجب اعتمادها لهذه المثل والمقاصد وطريقة الوصول إليها.

 

وبالمناسبة، أن تجربة الاتحاد الأفريقي الذي أنشئ بديلا عن منظمة الوحدة الأفريقية منذ خمس سنوات، أين هو الآن؟، وما الإضافة الحقيقية التي عادت على الدول وشعوب القارة بفضل إنشائه؟ وما هو القدر السياسي والاجتماعي الذي يميزه عن التنظيم المؤسسي السابق؟، وهل شعر المواطن الأفريقي المغلوب على أمره بهذا الفرق وهذا التغيير الذي حدث بفضل تبديل الاسم من المنظمة إلى الاتحاد، الذي أقدم عليه جهابذة وزعماء أفريقيا؟، أن الكثير من أمثال هذه الخطوات والأفعال الارتجالية، والتي تخضع لرؤية أحادية وأهداف مشوشة لا ولن يكتب لها النجاح والتأثير، حيث أنها تفتقد الوعي المؤسس ليس على مجموعة من الآراء والأفكار والقيم حول مسألة معينة فحسب، بل على حد أدني، أو درجة كافية من القدرة المعرفية لإدراك موضوعي بطبيعة الواقع كله، أنه المفهوم العام الذي يستطيع أن يكشف إلى حد ما عن حركة هذا الواقع أسبابها والنتائج التي تمخضت عنها، وأدوات وآليات تفعليه وتطويره، كما أنه يؤمن انحراف النتائج عن المقاصد المرجوة، ويساعد على تصحيح المسار بما ينسجم معه، فالاستياء من وضع قائم، والإحساس بوجود مخاطر وتهديدات، لا يكفي في ذاته للتحرر والتخلص منهما، ولكن ذلك يفترض خلق وعي جديد للواقع والممارسة، يدل ويبرهن عن العمل بفاعلية وإيجابية في معالجة آثار وانتكاسات هذا الوضع، وما يحدثه من مخاطر وتحديات، وهذا ما ينتقص دعوة القذافي الأخير لإنشاء الولايات المتحدة الأفريقية، والتي سوف تلاقي مصير شقيقتها السابقات بدء من اتحاد الجمهوريات العربية 1970 وانتهاء بالاتحاد الأفريقي 2002 .

 

ان القضية ليست ماهو الحل الافضل والامثل لمشكلة التجزئة، بل الحل الممكن والقابل للتطبيق، ومن هنا فطريق الوحدة يكون عقلانيا، عندما يكون الهدف الذي نريده ممكن التحقيق، والوسائل التي نعتمدها ملائمة في الوصول إليه، وكل طريق تضع أهداف لا يمكن تحقيقها، أو تستخدم وسائل غير ممكنة وغير قابلة للتحقيق، وأن كانت الغاية ممكنة، يكون الطريق لا عقلاني ومصيرها الفشل، حتى وإن تمكن الدولار والدينار من إعلان شهادة ميلاد لها. أن أسلوب ومنهج القذافي، والتجارب التاريخية والمعايشة اليومية لسياساته وممارساته، تؤكد لكل عاقل، أنه لا يمكن أن يكتب النجاح والإنجاز لأي مشروع يتبناه أو يطرحه، وسوف يعيش، بقدر ما أراد الله له في هذه الدنيا دون أن يحقق إنجازا أو نجاحا يذكره له التاريخ، ليس بسبب الأهداف والغايات التي قد يتبناه أو يطرحها، و قد تكون في بعض الاحيان منسجمة مع ضروريات الواقع، ولكن بسبب الأدوات والوسائل التي يعتمدها في تحقيق ذلك، والتي تدل على خبث نواياه.

 

والخلاصة، فان أدوات ووسائل القذافي لم تكن يوما ملائمة أو منسجمة مع الأهداف التي يطرحها، وهو ما يفسر سر الفشل المتلاحق الذي يحياه منذ عام 1969 إلى أن يرث الله السلطة والسلاح والثروة، حتى يحدث ذلك، عليه أن يفهم ويعي أن سحق التجزئة القائمة وسحق الاقليمية الجديدة، ومواجهات التحدي والمخاطر المتربصة بنا، لم تعد فقط ضرورة اقتصادية وسياسية، بل أصبحت ضرورة بقائية ومصيرية.... ولكن هذه الضرورة لا تستطيع تجاوز الواقع من خلال قيادات ونظم سياسية كشف التاريخ عن تخلفها وافلاسها وفسادها، وتحملت وحدها دون غيرها مسئولية تكريس وتجسيد واقعا مريرا واليما، يناضل الجميع من أجل تجاوزه والتخلص منه وصولا إلى الغد الواعد.

 

ليبـيا الغد
24 يوليو 2007