الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 


الإستقلال الوطنى .. أنشودة الإنجاز والعطاء

 " عهدين .. عهدين .. واحد بالدماء عدّى .... والتاني شعلل نوره " هذه هى كلمات مطلع لأغنية وطنية، طالما كنا نسمعها بالأمس البعيد .. نسمعها عبر إذاعة "المملكة اليبـية" فى عهدها الزاهر، غير أن بعضنا، في ذلك الزمن، لم يكن يعرف حقيقة معانيها ولا دلالاتها! وربما، بالكاد يستطيع فهم بعض كلماتها، بسبب حالة الاغتراب على الوطن بمشاكله وقضاياه وانجازاته، التي فرضتها النخبة الفكرية والطليعة الوطنية في ذلك الوقت، وحالة الاستغراق فى قضايا وهموم، لم تكن يوماً تشغل بال المواطن العادي، ولا تمس مشاكله اليومية، واليوم بعد مرور أكثر من نصف قرن من عمر ليبيا الحديثة، تتجلى وتبرز معاني تلك الأغنية ومقاصدها، فهى بكلماتها العامية البسيطة أبرزت قيمة يوم الرابع والعشرين من ديسمبر كمفصلاً تاريخياً، وبرزخاً وطنياً يفصل بين عهدين، الأول استعماري بغيض وكريه، تصدى له الشعب الصابر، والعنيد، رغم قلة الامكانيات وخلل موازين المواجهة للهجمة الاستعمارية الفاشية القادمة من ايطاليا، لكنه سجل بدماء أبنائة وتضحيات أجياله في السجل الوطني والانساني، عملاً تاريخياً عظيماً، بدحرها وإنتصاره عليها، وتحقيقه الاستقلال الوطني، رغم صعوبة المواجهة وقسوتها؛ والثاني عهد الاستقلال والإيذان ببدء معركة البناء والتحديث، والتي خاضها الشعب، بنفس روح الجهاد، وحماس المجاهدين.

 بالرغم من بعض التجاوزات، وجوانب النقص هنا وهناك، إلاّ أن الحلم الذي ولد من رحم التضحيات، ومعاناة الحروب، والأمل فى المستقبل، صار يقترب يوم بعد الآخر، لتأخذ ليبـيا مكانها على الطريق القاصد الى الآفاق الممكنة للتقدم، وتسير مع الزمن الى الأمام، وتتدرج مع الطبيعة في النمو، وهكذا كان كل فجر جديد يطل على ليبيا المستقلة، يزداد معه الإنجاز ويتضاعف العطاء، إنجاز حى يلمسه المواطن البسيط، وعطاء رجال آمنوا بقدر شعبهم وأحقيته فى حياة أفضل، وكانت معارك التحديث والبناء تدور دون ضجيج إعلامي ولا شعارات طنانة، وفي ظل أوقات صعبة وظروف قاسية من ندرة الموارد والإمكانيات والكفاءات الوطنية، التي تملك قدرة التخطيط والتوجيه، وفي مثل تلك الظروف يفشل الجهد و تحبط التجربة، فالجميع حتى الأصدقاء منهم كان يرى فى ظل تلك الاوضاع أن البلاد لن تستطيع النهوض، وانها ستبقى في دائرة التخلف لوقت طويل قادم، غير أنه بفضل عزيمة الشعب وارادته القوية، تمكن من الوقوف والتقدم نحو المستقبل بجهوده الخاصة، وبعثت ليبيا من جديد، على يد رجال الاستقلال الذين عملوا بهدوء وصمت، مستفيدين من تجربة الكفاح والجهاد الوطني، التي خاضوها بقوة وجسارة. 

 واليوم ونحن نعيش ذكرى ذلك التاريخ المجيد، بعهديه الجهادي والاستقلالي، نتذكر قيمة الاستقلال الذي تسرب من بين أيدينا، في غفلة من الزمن على يد حفنة فاشية، حولت الوطن بممارساتها وافكارها الى بقايا واشلاء وخراب، ونسجل لرجال ليبيا الأمس، ومؤسساتها تلك الادوار الوطنية المخلصة، التي بفضلها وبفعلها يعيش الوطن والمواطن اليوم تحت مظلتها، وبعد انقضاء ما يقارب من أربعين عاماً، عن إجهاض تجربة الاستقلال الوطني، على يد انقلابي سبتمبر، فقد استبدلنا، برضا وتأييد من هو يعمل ويعطي، بمن يتحدث ويستولي، فرجال الأمس كانت أفعالهم تسبق أقوالهم، فكان البناء والعطاء، الذي تجسد واقعاً ملموساً الى يومنا هذا في كل مدينة وقرية من الوطن، يظهر أمامك في شكل مدرسة وجامعة ومستشفي وطريق مرصوف وبنية أساسية استطاعت أن تصمد رغم السنوات العجاف التي فرضتها سلطة سبتمبر من خراب ودمار، على يد رجال تلك المرحلة التاريخية ممن حلموا بوطن العزة والمنعة وحملوا معهم أحلام المواطن البسيط، أما أقزام اليوم فلم يملكوا سوى القول والشعارات التي قد يكون لها وقع هائل فى وجدان المغيبين الذين استعاظوا بها عن عجزهم من الفعل، فقد كان ذلك، ولايزال، حالهم وديدنهم منذ استيلائهم على السلطة، فهم يحاولون عبثاً، النيل من تجربة الشعب الجهادية، وطمس جهد وانجازات قيادته ومؤسساته السياسية والدستورية، وينطبق ذلك اشد الانطباق على تلك المصطلحات والشعارات، التى اطلقها الانقلابيون العسكر، على ذلك العهد المجيد، وعلى أنفسهم، فقد وصف العهد الملكي على ايديهم بالعهد الرجعي والعميل، وبالضرورة فإن عهدهم تقدمي وثوري، ولا يخفى عن أحد منا مدلولات تلك الألفاظ والمصطلحات، التي تحمل حكماً قيمياً معيناً، فالرجعية ترتبط بالجمود وتتمترس حول أفكار وأفعال خارج نطاق زمنها ووقتها، وبالتالي فإن التقدمية مرتبطة بالحركة والتجديد للأفكار والأفعال، ووفقاً لتلك المدلولات لابد أن تكون الرجعية امراً سلبياً وأن تكون التقدمية امراً ايجابياً، إن كان ذلك صحيحاً فى المعنى والدلالة، إلاّ أنه بعيداً كل البعد عن أرض الواقع ومسيرة النظامين فى التاريخ الليبي.   

الملاحظ هنا عند التقيم التاريخي لفترة ثمانية عشر عاماً، وهى عمر دولة الاستقلال الوطني، وفي ظل فهم واعي لظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ووفق سياقها التاريخي، بالمقارنة مع سياسات وممارسات نظام سبتمبر وهو على بعد خطوات من عامه الاربعين، نجد دون معاناة وصعوبة، عدم مصداقية وتطابق تلك الألفاظ والمصطلحات عليهما، بل على العكس فالنظام الملكي بما حققه وأنجزه فى تلك السنوات القليلة أكثر التصاقاً وتطابقاً مع مصطلح التقدمية منه عن سطلة سبتمبر، فكيف يوصف نظام كان فهمه وإدراكه للاستقلال الوطني يتسم بالشمول والتكامل، والذي ظهر فى حركته السياسية الاقتصادية والاجتماعية عبر ثمانية عشر سنة، بالرجعية، فقد ربط فى تناغم نادر، وفي محاولة لحل المعادلة التي يواجهها  بين الظروف والامكانيات التى يعيشها، بضروريات واحتياجات الطموح الذى يحمله، وبمعنى آخر إرتباط عملية تحقيق تنمية مستقلة بمفهومها الاقتصادي والاجتماعي، بضرورة المحافظة على الاستقلال الوطني الذي تحقق فى ظل واقع اقليمي ودولي ملىء بالتحديات والمخاطر، ومحلي مليء بالمشاكل والقضايا الاقتصادية والاجتماعية، فكان عليهم تحقيق تكامل حلقات استقلالية الإرادة الوطنية والتنمية الشاملة.

 فقد كان تحقيق هذه الرؤية التي حكمت العملية السياسية، تفترض وتطلب السعي والعمل على انجاز شروط أساسية، هى سيطرة المجتمع والدولة على القطاعات الاقتصادية الرئيسية مثل الإنتاج والخدمات فى ظل مشاركة الرأسمالية الوطنية بشكل معين ومحدد فى عمليات التنمية، وتحقيق المشاركة السياسية والحراك السياسي بين القوى والتيارات السياسية الوطنية، والتوسع فى عمليات التحديث والتعليم من أجل تحقيق التنمية الانسانية والبشرية وصناعة الكوادر العلمية والثقافية القادرة على مسايرة التقدم العلمي، وتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، من خلال الاستجابة الفورية لتلبية الحاجات الأساسية للمواطنين وذلك بتأمين العمل والتعليم والصحة، واعادة توزيع الثروة الوطنية بشكل يتحقق معه مبدأ تكافل الفرص والتنافس الشريف بين الجميع، وأخيراً المحافظة والدفاع عن الأمن الوطني الليبي من خلال تكامله مع الأمن القومي العربي، وتعظيم دائرة المناورة وحرية الإرادة وتقليص حجم التبعية والإعتماد على الخارج، والنهوض بمسئوليات مواجهة التحديات الوطنية، والمساهمة فيها بشكل فعال وجدي.

 وحتى لا نتهم بأننا من عشاق الكلمات المرسلة، واللفظ الانشائي، فإننا لا نطلب سوى العودة بالذاكرة، لأيام ما قبل سبتمبر 1969، لنجد أن كل كلمة من هذه الكلمات، حقيقة تعكس واقعاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يحتاج الدخول فى تفاصيلة وثناياه الى كتب ومجلدات، بداً بالمشاركة السياسية التي عبر عنها دستور حضاري وعصري، وبرلمان ضم داخله المناهضين للنظام قبل المؤيدين، وانتهاءاً بدعم ومناصرة حركات التحرر القومية من الجزائر غرباً، الى قضية العرب المركزية فلسطين شرقاً.

 ان إنجازات عهد الاستقلال وآثاره على الشعب الليبي لها فعلها ومعانيها وامتدادها الى اليوم، فسعيها التاريخي بتحديث وتطوير المجتمع الليبي لايمكن الغاءه أو تجاهله من خلال محاولة ساذجة بمصطلحات وتسميات لا تنتقص من قدرها وعطائها، شعارات جوفاء وأصوات مرتجفة وحاقدة، فشموخ وكبرياء الوطن والمواطن يستمدها الى الآن من ذلك العهد، وكل ما يحيا علية المواطن البسيط فى كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية هى من مخزون عطاءات ذلك العهد ومن جهد رجاله، فهناك رجال مروا في التاريخ، ولكن قليل منهم أثروا فى مسيرته وتفاعلوا بفاعلية وإيجابية مع أحداثة ووقائعه، تاركين انجازات وتجارب خالدة خلود التاريخ نفسه، وباقية مهما دارت عجلة الزمن، ومنهم رجال الاستقلال الوطني مؤسسي ليبـيا الحديثة، فهم ليسوا فى حاجة لتلك الكلمات أو لهذا الإطراء وتزيين المواقف، قدر حاجتنا ونحن نعيش اليوم مآسي ومعاناة عهد متخلف، ورجعي بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، لإستحضار ذلك الجهد والاعمال الوطنية الصادقة من أجل تأمل مواقع أقدامنا، وتدارس خبرة الماضي، الحلو منها والمر، وإفعال العقل والخيال في محاولة لمواجهة مشاكل الحاضر وتحديات المستقبل.

 ان الاحتفال بالإستقلال الوطني واحياء ذكراه في الرابع والعشرين من ديسمبر، تذكرنا بالواجب المناط باعناقنا جميعاً وهو تكثيف الجهد من أجل تحقيق أحلام شعبنا في الخلاص من العهد الأسود الذى نعيشة، وإقامة دولة المؤسسات والدستور، ومجتمع العدالة الاجتماعية وصيانة حقوق الانسان، والتمسك بمادىء وانجازات ذلك العهد وعطاءات رجاله، وجعلها تنتشر فى النفوس والعقول، لتصبح جزء من المناخ العام وإحدى حقائقة، فمواجهة سلطة سبتمبر حتى تكون فعالة وقادرة لابد وان تبدأ بفكرة وعقيدة تستطيع أن تحشد طاقات المجتمع، وبها وحدها تتحقق وحدة الصف الوطني، ومن حسن الحظ والتوفيق، إننا نملك تجربة تاريخية زاخرة بالعطاء والقدرة على الحشد، ولا تنتظر منا سوى النظر اليها بموضوعية وحس وطني، حتى نستطيع أن نستلهم معانيها وأبعادها النضالية.

ليبـيا الغـد
24 ديسمبر 2008