الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

ذكرى الاستقلال ... فخر واعتزاز

 

        لعل ذكرى يوم اعلان الاستقلال الوطني، مناسبة لنا جميعا  نتأمل فيها مواقع أقدامنا، ونتدارك فى أجوائها تجارب الماضي، الحلو منها والمر، النجاح والاخفاق، ونقف للتأمل والمراجعة على ضوء ظروف ذلك الزمن وأجوائه، وواقع ليبيا التى لم يمض على خروجها من الاحتلال الفاشستي الاستيطاني، سوى بضع سنوات؛ وانه لمن المهم للغاية أن نراجع ونتذكر جهود ونضال رجال ذلك العهد وأبطال الجهاد والكفاح الليبي، صناع الاستقلال الوطني ومؤسسي ليبيا الحديثة، وننظر فى تلك الجهود بمنهج علمي ونظرة موضوعية آخذين في الاعتبار البعد التاريخي الذي وقعت الأحداث في سياقه، حتى تستقيم الرؤية وتتضح الحقائق وتتحدد حجم مآساة شعبنا ومرارة معاناته فى ظل المصير الذى انتهى اليه فى أعقاب استيلاء الانقلابيـين على السلطة من خلال مؤامرة دولية.

 

        فهذه المراجعة، ليست إذن هي الزهو بالماضي، ولا نوع  من السلفية التاريخية، التي يرتاح البعض الاستغراق فيها، وإنما هي محاولة لفهم الحاضر والتطلع إلى المستقبل، تفرضها وبإلحاح أسباب عديدة، منها أن أكثر من نصف سكان ليبيا ومواطنيها الآن لا يعرفون شيئا عن ذلك التاريخ ببطولاته وتضحياته، ولا شيئا عن إنجازاته وانتصاراته، بالنظر الى أنهم ولدوا بعد وقوع الكارثة،  وعاشوا فى زوابع الأكاذيب والدعاية التى يروجها المستفيدون بوقوعها واستمرار واقعها.

       

وعلى حد ما تيسر لنا من اطلاع، فإن ما تعرض له تاريخ  ونظام  العهد الملكي من التشويه والتشكيك في جهود وتضحيات رجاله، على يد سلطة سبتمبر، ليس له مثيل فى كل ما وقع فى منطقطنا العربية من انقلابات!  حتى ترسخ فى أذهان الكثير من أجيال " سلطة الاستبداد "  بفعل حملات التضليل والتزييف المستمرة والمتواصلة على مدى ما يقرب من أربعة عقود، ان ليبيا كوطن ومجتمع ودولة لم يكن لها وجود سياسي ولا وجود دولي قبل الانقلاب، وظهور الملازم معمر بو منيار القذافي!! وصحيح – كما يقال – أن التاريخ يكتبه المنتصرون، ولكننا فى حالة ما وقع فى ليبيا فإن التاريخ يزيفه الانقلابيون الذين مكنهم "التآمر الدولي " من سرقة السلطة والاستيلاء على المال والسلطان والسلاح فى ليبيا يوم أول سبتمبر 1969 .

 

        ولكشف الزيف والدفاع عن الحقيقة والحقائق الناصعة واعادة الاعتبار للتاريخ الحقيقي، ومن أجل انقاذ وعي الأجيال الجديدة من ضحايا التجهيل والتزييف والأباطيل .. من أجل ذلك كله، علينا الاّ نكف لحظة واحدة عن تذكيرالجميع بحقيقة ما حدث ويحدث، والعمل على افشال الانقلابيـين من تحقيق ما يتوهمون بنجاحه في طمس حقائق التاريخ، وتمرير الأكاذيب التى يسمونها زورا وبهتانا سلطة الشعب!

 

مع بداية حركة الجهاد الليبي، كانت الرؤية والهدف يحكمهما إطار أشمل وأعم،  يتجاوز حدود الوطن، ويتسع في تحديده للعدو، ففي ظل قيادة السيد أحمد الشريف للحركة الجهادية الليـبية كان المنطق والمنظور الجهادي والعقائدي، يرتكز على جعل أرض الإسلام ميدانا للصراع، متجاوزا حدود الوطن، وأن الغازي والمحتل، بما يحمله من ثقافة وأطماع هو الآخر دون تمييز أو فرز، ومن هذا المنطلق خاضت الحركة الجهادية معاركها في جهات متعددة وميادين شتى، ضد أعداء وغزاة كثيرين وعديدين، فكان الفرنسي، والايطالي، والانجليزي؛ وبعد ذلك جرت مياه كثيرة تحت الجسور، وتغيرت الأولويات، ومع تغييرها تغيرت القيادة، وتسلم السيد محمد ادريس المهدي السنوسي قيادة الحركة الجهادية، وأصبح تحقيق الاستقلال الوطني من أولويات القيادة الجديدة والخطوة الأولى التي يبنى عليها ما بعدها، الأمر الذي أصبح معها العدو أكثر تحديدا، والميدان أوضح حدودا، وكانت لهذه التحولات آثاراً متعددة انعكست على قوة وجهد المقاومة لتؤثر على القضية الليبية وتطوراتها، بعد أن أصبح العدو أكثر تحديدا والميدان أكثر وضوحا والوسائل والأساليب في متناول اليد، وأصبحت الحركة الجهادية وقيادتها تملك هامشا أكبر للمناورة السياسية والعسكرية مكنتها من حشد الطاقات وتعبئة القدرات، في معركة الاستقلال الوطني، الذي مثل الحالة المركزية لمفاهيم ومنطلقات حركة الجهاد الليبي.

 

        ومن هنا كانت البداية والخطوة الأولى على طريق إنجاز الاستقلال الوطني، والذي تحقق بفضل تضحيات وعطاءات شعب أراد أن يعيش بكرامة وعزة في ظل دولة حرة مستقلة، فانتصرت أرادتهم وتحققت مشيئتهم، وأعلن المغفور له جلالة الملك ادريس من قصر المنار في 24 ديسمبر 1951 استقللال ليبيا.

 

        لقد تغلب آباؤنا وأجدادنا على كل ما واجههم في معركة التحرير والاستقلال من جبروت وبطش المستعمرين! غير أن مرحلة ما بعد تحقيق الاستقلال كانت تشكل اختبارا قاسيا لعزيمة وأصرار هؤلاء الرجال، فالمشروع الوطني وبناء دعائم الدولة المستقلة فرض مسئوليات وتحديات عليهم أن يواجهوها بتصميم وروح مرحلة الكفاح ولقد أدرك هؤلاء الرجال أن هناك مهمة عظيمة يجب تأديتها بجد وإخلاص، فكان الهم الأول خلال هذه الفترة هو تعظيم الاستقلال وتأكيده كواقع وممارسة، باعتباره قاعدة العمل الجاد نحو بناء الدولة الحديثة المستقلة، فالتحرر من الاستعمار لا يكتمل إلا بتحرير الإرادة والفعل الوطني الحر، الذي يصنع المستقبل المراد.

 

        وبنظرة موضوعية صادقة، نجد أن هؤلاء الرجال واجهوا تحديدات وصعوبات اجتماعية وسياسية واقتصادية، حيث وجدوا أنفسهم أمام مسئوليات تاريخية ووطنية، ووسط ظروف غاية في القسوة والصعوبة، فعليهم بناء وطن خرج منهكا وفقيرا من معارك وصراعات استمرت أكثر من ربع قرن، ولا يملك المقومات الاقتصادية والثقافية التي تساعد على الإسراع بعملية البناء والتنمية، وفوق ذلك يفتقر الى المؤسسات والهياكل الادارية والسياسية التي يمكن أن يبنى عليها جهاز سياسي واجتماعي يحقق متطلبات مرحلة بناء الدولة، ووسط تلك الظروف التي يصعب فيها تحقيق النجاح، تغير الحال وتبدل الوضع وأخذت ليبـيا تسير مع الزمن الى الأمام، وتتدرج مع الطبيعة في النمو، وذلك في سنوات قليلة ولكن ليس بالسهولة واليسر الذى اعتقدته أجيال ما بعد الاستقلال، ولكنه تحقق بفضل إخلاص وعزيمة رجال قوبلت أعمالهم وانجازاتهم بجحود تاريخي ونكران متعجرف، وهي التي ظلت حتى اليوم شاهدا ورمزا للعطاء الوطني والبذل المخلص في كل مدينة وقرية ليبية.

       

        لابد أن نتحدث في هذه المناسبة عن تلك الإنجازات والتضحيات لنضعها أمام أجيال تربت ونشأت فاقدة الصلة بتلك الفترة المشرقة من تاريخنا الوطني، لقد استطاع هؤلاء الرجال أن يتغلبوا على تلك الظروف التي واجهتهم، وتمكنوا بجهدهم من بعث وطنهم ومجتمعهم من جديد ليضعوا البلاد على الطريق القاصد الى الآفاق الممكنة، لتدعيم الاستقلال وتحقيق التنمية الاجتماعية والثقافية، فهم وفي فترة قصيرة، أنجزوا اللبنة الأولى والأسس البنيوية الكفيلة لبناء دولة الدستور والمؤسسات، حيث شهدت البلاد في تلك الفترة حياة دستورية وبرلمانية أقل ما يمكن القول عنها  أنها كانت بداية جادة وحقيقية وسليمة نحو تحقيق المجتمع المدني والديمقراطي المتحضر.

 

قام البرلمان المنتخب دستوريا، بواسطة الشعب وصناديق الاقتراع، في أكثر من مناسبة بدور مهم وحيوي لتوجيه وتشكيل سياسات النظام، وضم في أكثر من دورة، نوابا وأعضاء ينتمون فكرا وممارسة لتيارات واتجاهات متباينة، ومتعارضة مع النظام وتوجهاته، ويكفي الإشارة والتدليل على أهمية دور هذه المؤسسة السياسية، حيث أنها استطاعت أن تنزع الثقة عن إحدى وزارات العهد الملكي، وتجبرها على تقديم الاستقالة، حدث ذلك في الوقت الذي كانت فيه دولا في منطقتنا العربية منقسمة بين أنظمة شمولية، وأخرى برلمانية صورية ينحصر دورها السياسي في التأييد والمبايعة.

 

وإذ ما انتقلنا للحديث عن السلطة الثانية، ونعني بها السلطة التنفيذية، فقد كان النظام يتبنى سياسات الإحلال والتبديل من خلال استيعاب عناصر شابة وكفاءات علمية ومهنية عالية، دون النظر إلى انتماءاتها الثقافية والفكرية، ودون الالتفات إلى أصولها الجهوية، وجذورها الاجتماعية، حيث كان الحراك السياسي، هو إحدى سمات تلك الفترة،  ومجال العمل السياسي التنفيذي مفتوح أمام الجميع، يحميه ويكفله إطار دستوري وقانوني، وتزكيه قدرات وكفاءات تلك العناصر الشابة.

 

        والسلطة الثالثة، لم تكن أقل حظا ورعاية من النظام، فقد تمتعت في تلك الفترة السلطة القضائية باستقلالية تامة، ونتذكر أحداث قضية الـ 106، التي يعرف ملابساتها ووقائعها وتفاصيلها الكثير من عناصر وخدم سلطة سبتمبر، وقد ظهر فيما بعد، أن بعض المتهمين فى تلك القضية، جرى استخدامهم فى تنفيذ المؤامرة الانقلابية التي تمت في الأول من سبتمبر 1969، ونأمل أن يحدثونا عن دور السلطة القضائية وكيف تصرفت في تلك القضية.

 

        هذا جانب من جوانب الحياة السياسية التي كان يزهوا بها ويعيش في ظلها المواطن الليبي، حرا كريما، ولم نتطرق إلى جوانب أخرى أكثر فخرا واعتزازا،  بدءا بحرية الصحافة وحرية الرأي، إلى حرية تكوين المنظمات والنقابات المهنية والعمالية.

 

        وفي مجال التنمية الاقتصادية والبشرية، حقق الآباء والأجداد أبطال الجهاد وبناة الدولة الليبية، إنجازات ونجاحات، عزز منها وزاد من قوة دفعها  بدايات ظهور النفط سنة 1964! الذي كان عاملا لمزيد من البناء والتشييد، ونقل الوطن والمجتمع من حالة البداوة إلى حالة التجديد والتطور، ولا نبالغ عندما نقول أن البلد والوطن، لا يزال، وبعد ما يقارب من مرور أربعين عاما من حكم سلطة الاستبداد يعيش ويحيى على  بنية أساسية أقيمت بفضل جهود أولئك الرجال، ومن خلال قوة الدفع الاقتصادي والثقافي الذي أنجز في عصر رجال الاستقلال.

      

        لقد شهد الوطن تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية هائلة، بعد تحقيق الاستقلال وفي مرحلة بناء الدولة، يحكمها توجه وطني صادق وطموح نبيل  واخلاقي، غير أن هذا العطاء والعمل لم يخلو من أخطاء وعثرات وهفوات وتجاوزات، التي لم تكن نتاج غياب المشروع الوطني، أو غموض الهدف، بل كانت نتيجة رؤية ناقصة وفهم خاطئ خاصة بالنسبة لمخاطر " الخارج " وتحدياته، فالعامل الخارجي ببرامجه واطماعه كان له دور مهم وحيوي فى تضخيمها والعمل على زيادة تأثيراها السلبية  داخل المجتمع الليبي، حتى تحقق له ما أراد في سبتمبر عام 1969،  وتم له النجاح  في إجهاض الاستقلال والمشروع الوطني.

 

        إن الدافع الذي منح رجال الاستقلال العزيمة والإصرار، كان قويا بدرجة لا يسمح لمعاول الهدم وقوى الظلم والظلام، من نيل وتبديد إنجازاتهم وعطاءاتهم، التي بقيت وسوف تبقى الى الأبد، رمزا وشاهدا على رجال آمنوا بالوطن، وتحققت مشيئتهم في استقلاله وبناء دعائم وجوده، ككيان سياسي حر ومستقل، فتحية لهم في يوم العطاء والفخر والخلود.. فى الرابع والعشرين من كل ديسمبر .. من كل عام.

 

ليبـيا الغـد
24 ديسمبر 2007