الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

دعاوى الإصلاح .. وسماسرة الوهم!

 

تثار هذه الأيام ومنذ عدة سنوات، قضية على نحو كبير من الأهمية، هي قضية الإصلاح ودعاوى تصحيح ما أفسده نظام سلطة سبتمبر في مختلف نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وما أصابنا جراء سياسات عقيمة ومتخلفة من كوارث ومآسي فاتت في بشاعتها وقسوتها أحداث تاريخية مفجعة مرت على الوطن!.. ولازالت هذه القضية تشغل البال وتشد الإهتمام منذ أن تبنى طرحها سيف القذافي بما يمثله من جاه وسلطان داخل منظومة الأسرة الحاكمة في ليبيا، الأمر الذي بث في شريان وعضلات هذه القضية الحياة، وأكسبها حيوية أفتقدتها منذ أكثر من ثلاثين عاماً دفع خلالها العديد من شبابنا ورجالنا حياتهم من أجلها، وقضى آخرون في سبيلها سنوات طوال من الغربة داخل سجون الوطن وخارجه، وذلك بعدما أزكمت رائحة سنوات حكم سلطة سبتمبر الأنوف، ونتن الهواء الذي يستنشقه المواطن الليبي تحت سلطاتها، حتى طال هذا الإحساس المقزز أعلى المقامات، وأرفع المستويات في الأسرة الحاكمة. وربما ذلك هو ما دفع سيف القذافي إلى التصدي لطرحها، والبحث عن حل لها، بعد هذا القدر من تردي الأوضاع في مملكة الفاتح من سبتمبر التعيسة.
 

وقد إختلفت معظم القوى والتيارات السياسية الليبية حول طبيعة المشكلة والحلول المناسبة لها، كما حيرتهم الأهداف والمقاصد المستهدفة من وراء التصدي لها، وهم يختلفون فعلا في ذلك، ولكن لا أحد يستطيع أن يجادل أو ينفي وجود قضية تفرض نفسها يوماً بعد الآخر على الواقع الليبي، وأن أكبر عائق يقف أمام حلها أستمرار الأوضاع والقوى المؤسسة لهذا الواقع، وإذا ما أردنا الوصول بموضوعية وتجرد الى الأسباب الحقيقية الحاضنة والداعمة للاتجاه الذي صار إليه المجتمع الليبي طيلة السنوات الماضية، نجد أن علاقة من إنصهار وتزاوج نوازع ديكتاتورية سلطوية لدى فردا محبا لذاته إلى درجة العشق، مريض بداء التأله، مع أطماع وطموحات " حاشية " تسيطر عليها الرغبة الجنونية في العيش رغداً وثراءً مهما كانت فداحة الثمن المدفوع في سبيل تحقيقه، فما كان لهذا التزواج الذي تم بين هذه الأفكار الشريرة والأطماع الرخيصة في رحلة عمرها أكثر من ثلاثين عاما هي عمر سلطة سبتمبر، الاّ أن يخرج من رحمه حاكما مستبدا لا يقبل أو يرتضي دون العبودية والاسترقاق، وزبانية تسبح بحمده وتدور في فلكه.
 

        وها نحن اليوم نجد أنفسنا أمام خطاب تبناه تحالف "النظام الفاشي وزمرة من الانتهازيين" يتحدث عن الربط بين قدرة النظام على الإصلاح السياسي، وضرورة الاستجابة لمنهجه الذي يرتضيه ويفرضه بإعتباره المخرج الوحيد لأزمة البلاد ومحنتها، وإذا ما أضفنا قدراً من حسن الظن يمكن ان نضيف سؤالا عاطفاً أو عاصفاً تردد في كثير من الأوقات على ألسنة هواة الجدل النظري يقول : لماذا لا تكون دعاوى سيف القذافي " انقلاباً " داخل الخيمة القذافية، قام به الأبن ضد الأب من أجل عيون الليبـيين؟ وأن كان هذا السؤال يحتوي على قدر كبير من الجدية والقناعة التي تبدو على مردديه، إلاّ أنه يعيبه الجهل المطبق أو التجاهل المتعمد بماهية الانتماء السياسي الذي يتحدد بالضرورة بالموقع والامتياز، كما أنه يجافي المعرفة الحقيقية في فهم أبعاد شخصية حفيد " أبو جهل " حاكم ليبيا، بجانب أغفاله للواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه ليبـيا، ذلك الواقع الذي كان من حظنا أن عاصرناه كباراً، وعشناه نشاطاً وطنياً، وعرفنا دسائسه وأهدافه عن ظهر قلب، فما كان لهذا النظام أن يخرج من تحت عباءته فكراً أو عنصراً إلاّ كما كان، فمن المستحيل أن يلد الغراب " عندليباً " حتى وإن كانا من جنس واحد، غير أننا نجد من المتفائلين أصحاب النوايا الطيبة أو من بين سماسرة ترويج الأوهام (وهم كثر في وطني) من لا يتفق مع هذا الطرح بحجة أن هناك متغيرات دولية تفرض على النظام ضرورة التعايش مع شروطها الاقتصادية واستحقاقاتها السياسية، ومن هنا تأتي الاصلاحات السياسية في ليبيا كضرورة يفرضها واقع دولي جديد يدفع بالبلاد نحو آفاق مستقبلية أفضل.
 

وقد يكون هذا القول صحيحا في عمومياته، غير أننا اذا وقفنا عند منطقة الجزئيات والتفاصيل نجد انفسنا أمام نتائج مختلفة عن هذا الرأي، بمعنى أن هذه الضغوط والاشتراطات الدولية يحكمها عنصر المصالح والاهداف في علاقة عكسية تحدد مسارها وترسم ملامحها، فبقدر ما تتحقق هذه المصالح بقدر ما تتناقص وتتضاءل هذه الضغوط، ففي ظل هذه المعادلة نعتقد أن نظام حفيد " أبو جهل " يزداد قوة وشراسة داخليا بقدر ما يقدم من تنازلات وتراجعات للطرف الخارجي، ومن هنا يصبح المتغير الخارجي عنصر أضافة للنظام لا إضعافاً أو خصماً من خانته، خاصة في ظل مرحلة عصر الهيمنة الاحادية التي نعيشها، وعلى كل حال فإن المتغير الخارجي كان وسيظل، هو المتحكم الوحيد في رؤية وإدارة نظام سبتمبر لسياسته وتوجهاته الداخلية، بالقدر والقصد الذي تتحقق معه أهدافه ومصالحه، وهو الذي حدد ويحدد له كيفية التعاطي مع الأزمات الداخلية وأسلوب مواجهة الخصوم السياسيين.
 

منذ اليوم الأول لقيام لسلطة سبتمبر كان المتغير الدولي في ذهن وعقلية حفيد " أبو جهل " يشكل إحدى أسس سياسته وممارساته السياسية، من هنا يكتسب هذا البعد أهمية عند أي محاولة لفهم سياسات النظام، أو التنبؤ بالاهداف والمقاصد المستقبلية التي يسعى لها من خلال إطلاقه لبعض الشعارات والأقوال التي قد تتقاطع أحيانا مع بعض المطالب الوطنية، وعندها تصبح الخبرة التاريخية واجبة الإستحضار للكشف عن الدوافع والاسباب الكامنة وراء تبني واطلاق مثل هذه الشعارات والمفاهيم، وفقا لهذا التغيير والتبدل المحسوب في توجهات النظام داخليا (مع التأكيد أنه لم يتعد الوعود والأماني) كان المحرك الأساسي لها ذلك البعد الخارجي، والذي عبر عنه بوضوح في شكل تهديدات ومخاطر إهتز معها عرش النظام بعد انتشار الفزع والخوف وفوبيا صدام، بين رؤساء وزعماء منطقتنا العربية والذي كان الصقر الوحيد النموذج الأمثل للإنصياع والإمتثال والإستجابة لهذا المرض اللعين الذي إجتاح المنطقة بعد مسرحية انتشال الزميل، والشقيق، والرفيق، صدام من مخباءه فبرزت حاجة نظام سبتمبر أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة رسم السياسات وترتيب الأوضاع سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي على ضوء المستجدات والمعطيات الدولية الجديدة، فاتجه نحو التحرر من شعارات ومفاهيم ومصطلحات سابقة، وإبتعد بشكل نهائي عن متاريس سياسية ونظرية، سجن نفسه داخلها سنوات طويلة دون طائل، وفق منهجية تحفظ وتؤمن له الخروج من هذه المطبات الدولية سالما، ومهيمنا وممسكا بالسلطة والثروة والسلاح حتى يتم تسليم الأمانة، (بعد حياة مديدة وطويلة) لأحد أبنائه تحقيقاً للغاية النهائية التي امتلكته وسعى إليها منذ اليوم الاول للإستيلاء على السلطة، إهتداءً بمثله الأعلى (عبدالعزيز آل سعود) القدوة الأولى في نموذج تكوين دولة العائلة.
 

        وقد تتفق مع أصحاب الرأي القائل بأن أحداث ووقائع القبض على الرئيس السابق (صدام) كان لها انعكاساتها وتأثيرها على القذافي، وظهر ذلك بوضوح على السلوك السياسي لنظام سبتمبر في الداخل والخارج، غير أنه من المؤكد أن هذا السلوك السياسي وما صاحبه من تبديل يحكمه أولاً إطار عقائدى وايدلوجي يسعى لإحكام السيطرة السياسية، كما أنه ثانياً لم يكن وليد اللحظة التاريخية، أو أن هذه الاحداث والتطورات الخارجية سبباً مباشراً في تعاظم وأهمية المتغير الخارجي،  أكثر من ارتباطه بالمتغيرات الداخلية، في ذهنية النظام السياسي في ليبيا، فقد كان للعوامل التاريخية والثقافية، بجانب سياسات القمع والإستبداد والمحاولات الحثيثة لنشر روح اليأس بالإضافة الى إقصاء وغياب التنظيمات القادرة على خلق اداة لتفعيل المقاومة الحقيقية، دوراً في اضعاف تأثير المتغير الداخلي، وتأصيل قوة وأهمية المتغير الخارجي وتحكمه في العملية السياسية.
 

        فبعد نجاح العسكر في السيطرة على مقاليد الأمور سنة 1969، سعى حفيد " أبو جهل " لتأمين سيطرته وبسطها على أوجه الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مستثمراً الوضع الدولي الذي كان قائماً وقتها على توازن القوى والقطبية الثنائية مما ووفر له حركة أكبر، وتأميناً لسياساته القمعية في مواجهة خصومه السياسيين داخل وخارج الوطن، فزادت حدة لغة العنف والتنكيل (في تلك الفترة وحتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي) وارتفعت فيها شعارات تحرض على القمع والترويع، وإمتهان حرية المواطن، وأنتجت قاموسا إعلامياً زائفاً تبشر مفرادته بقدوم مبعوث العناية الإهية القادم من وراء كثبان الصحراء لإنقاذ العرب والمسلمين من غفلتهم وسباتهم، وفي ظل هذا المناخ وهذه الأجواء التي كانت سائدة اختفت لغة التسامح، والنقد والحوار مع الآخر حيث اعتبرت من المحرمات التي لا ينبغي التساهل معها أو الاقتراب منها، وأصبح الوجه الدموي القبيح للنظام المدجج بترسانة ارهابية قمعية من قوانين ظالمة وممارسات تعسفية، هو عنوان نظام سبتمبر الواقف على تربة دولية خصبة مكنته من تطويع تناقضاتها وصراعتها من أجل مصلحة مشروعه السياسي.
 

        وعندما تبدل الحال واختلفت موازين القوى الدولية والتي كان سقوط سور برلين عنوانا لها، وما تبع ذلك من تفكك الكتلة الاشتراكية، وهبوب رياح التغيير، وانهيار الاتحاد السوفيتي، بدا واضحاً في الافق انتهاء عصر التوازن الدولي، وبداية عصر سيطرة القطب الواحد وبسط هيمنته الدولية، وفوجئ حفيد ( أبوجهل ) بهذه التطورات والاحداث المتلاحقة، وبسرعتها وقوة تأثيراتها وانعكاساتها، حيث أيقظته من غفلته ونبهته بأن هذه الاحداث والوقائع لا تحتاج فى مواجهتها والتعامل معها إلى الخطاب السياسي الماضي الذي أصبح ميراثـاً سياسياً، بعد ما حدث على الساحة الدولية من مستجدات، فعليه أن يستدعي الخبث والدهاء اللازمان للمرحلة الجديدة وتطوراتها، فكان لابد من استجابة فورية وسريعة تتماشى معها، وتتفادى مخاطرها، من خلال اتخاذه سياسة جديدة تتضمن شعارات وسياسات وأن اختلفت في الشكل والاسلوب عن الشعارات والسياسات السابقة، إلا أنها اتفقت في المضمون والغرض، فخففت بعض قيود الإختناق الاقتصادي والتي عبرت عنها سياسات اقتصادية لا معنى لها ولا لون، عرفت في ذلك الوقت (بالموزع الفردي). وان حققت بعض الرواج الاقتصادي في الاسواق الليبية، وساعدت المواطن علي مواجهة بعض الاعباء الاقتصادية التي كانت مفروضة عليه. ألا أنها ظلت سياسة اقتصادية سطحية لا تستهدف النهوض باقتصاديات الوطن بقدر ما كانت تستهدف تفريغ الشحنات المعنوية والسياسية وتفادي ضغوطات الشارع الليبي.
 

واتساقا مع الرغبات الجديدة للنظام تم الالتفاف على بعض المطالب الوطنية والسياسية، فكان اطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين الذين جرى اعتقالهم والتنكيل بهم دون مراعاة لابسط الحقوق الدستورية والقانونية، وأعطي المواطن الليبي حقا من حقوقه الاصيلة - والتي سلبت منه قسراً - وهو حق التنقل والترحال، وفتحت الحدود الليبية أمام المواطنين للتعارف مع الشعوب والامم الأخرى، والتعاطي مع ثقافات وحضارات ظل طيلة عشرين عاما لا يعرف عنها الا ما يريد النظام له أن يعرف، ولم يقف النظام في ليبيا عن محاولاته الحثيثة في إحتواء المخاطر التي قد تنجم عن هذه التطورات الدولية المتصارعة عند هذا الحد، بل إتجه إلى الخارج في محاولة منه لإجهاض حركة المعارضة الليبية وإضعاف دورها الوطني في كشف ممارسات النظام داخليا وخارجيا، وتعبئة الجهد والقدرات الوطنية من أجل تقريب يوم الخلاص، فأخذ في إتجاه تبني سياسات التفريق والاستيعاب في تعاطيه مع قوى المعارضة الليبية في الخارج، والتي نرى منها فصولا تجري الان على مختلف الساحات، ففي حين استمسك المناضلون الرواد والرموز الوطنية للمعارضة الحقيقية بمواقفهم الثابتة من الطغمة الإنقلابية ونظام الإستبداد، تساقط آخرون من عناصرالصف الأول في المعارضة الليبية كأوراق الخريف - كما قال عنهم سيدهم - الواحد تلو الآخر في تسابق مهين من أجل تحقيق بعض المكاسب الخاصة، فبفضل سياسات الإغواء والإغراء وإرتماء معظمهم في أحضان النظام، تبدلت المواقع واختلفت المسميات، فمن رؤساء وقادة لتنظيمات وفصائل سياسية معارضة وكوادر وأعضاء فاعلين بها، الى موظفين عموميين لمؤسسات سياسية ومالية للنظام، وأعضاء مجالس ادارات لشركات أمنية زراعية وصناعية، وكل حسب حجمه وقدره، فعندما تكون الرشوة وشراء الضمائر هي المعيار، تتحدد قيمتها وشأنها وفقا لقيمة وشأن المرتشي، وعلى كل حال فإذا كانت السقطة التاريخية التي وقع فيها بعض من رجال الصف الاول للمعارضة الليبية، هى نتيجة لعدم فهم وادراك هؤلاء بالحقائق السياسية، كما يفترض أصحاب النوايا الحسنة، أو أنها انتهازية مفرطة استطاعوا بدهاء وخبث اخفائها طيلة سنوات الغربة أم الاثنين معاً، إلا أن المهم في هذا المجال ليس البحث عن الاسباب بقدر ما هو  الوقوف عند النتائج التي تحققت من ورائها، والتي كانت بلا شك تصب في صالح النظام، بزيادة سنوات أخرى من التخلف والقهر في عمره المديد، كما أنها تساعده على الخروج من الازمة التي وضع نفسه وبإرادته فيها، دون تقديم أي تنازلات أو تراجعات حقيقية في صلب مشروعه الخاص.
 

إن هذا الدرس الذي تعلمناه من هذه التجربة يستحق الذكر والانتباه أكثر من أي وقت آخر، وذلك لأننا لسنا هواة كتابة التاريخ، كما أننا لسنا من هواة ضرب الآخرين وتشويه سيرتهم أو الطعن في اختياراتهم التي اختاروها بمحض أرادتهم الحرة، إلاّ أننا نتحدث عن الماضي من أجل المستقبل، وذلك بأن نستوعب دروسه ولو كانت مريرة، وأن نحاول أن نكون مؤمنين حتى لا نلدغ من جحر واحد ألف مرة، فقد ظهرت علينا سياسات الأفاعي تطل برأسها من جديد، وتنطلق أبواق الدعاية السوداء من أجل أن يتفاءل المخدوعين ويحلم الحالمون بدعاوى الإصلاح والليالي الملاح، والعيش الهنيء للمواطن الليبي الشقي، فعاد هؤلاء يسوقون بضاعتهم من جديد حول الإصلاح السياسي والاقتصادي التي بدأت عجلاته تدور مع خطاب سيف القذافي في 20 أغسطس 2006 ، ناسيين أو متناسيين أن نظاماً أرسى دعائم حكمه وسيطرته بالعنف والدم، لايمكن أن يتحول ويتغير بالزيارة أو الدعاء له بالإصلاح. إن الحديث عن الإصلاح ودعاوى النظام للتغيير يعتمد على مرجعية ثابتة ومنهج معتمد في الاساس على تحقيق أهداف ومصالح النظام، وما يطرح الآن ما هو الاّ محاولات لصياغة أساليب عمل تتناسب وهذه المرحلة وتطوراتها تفاديا لإنعكاساتها وتأثيراتها على عرش النظام.
 

أيها المناضلون السابقين، إن أبسط ابجديات السياسة والنضال تقول أن التغيير يفرض لا يمنح، فهو ليس هبة بل انتزاع تتمكن منه الفئة المؤمنة بحتميته، الساعية بثباتها وصلابتها بجدية إليه، ثم أن بوادر الإصلاح والتغيير الذي يبشر به الحكم وأنتم معه، لا يعبر عنه بازدياد القنوات الفضائية أو تغيير أزياء المذيعات والمذيعين أو حتى صدور قرار يعطي لنا حقنا الأصيل في أمتلاك جوازات سفر، إنه يقوم على إحداث اجراءات سياسية واقتصادية حقيقية تنعكس أثارها وقيمتها على الشارع الليبي أولاً وقبل أي شئ آخر، ويعيشها المواطن ويحس آثارها داخل البيت، وبين جدران ورش العمل وفصول المدارس، وغرف المستشفيات. إن أي حديث أو خطاب عن الإصلاح أو التغيير في سياسات وتوجهات النظام تتجه أثاره وانعكاساته على الخارج سواء كان ذلك دولاً أو مواطنين ليبيين لا يعني سوى تعبير عن محاولات اعتاد نظام سبتمبرعليها بقصد احتواء الازمات والضغوطات الدولية التي يتعرض لها بين فترة وأخرى، سرعان ما يرتد عنها ويعود إلى سيرته الأولى من جديد، إن الرؤية الواضحة لما فات تساعدنا لفهم ووعي ما هو آت، ويجب أن تساعدنا على تحديد خطواتنا الحاضرة والتي تمكننا من الوقوف بصلابة في مواجهة سياسات النظام وخططه المفضوحة، ومن خلال ذلك يمكن القول بأن الإصلاح السياسي يعنى لدينا:-

 

أولاً: لابد ان تتلاشى وتنسحب من قاموس الحياة السياسية والاجتماعية الليبـية رموزا ودلالات لغوية ارتبطت بالنظام وكانت إحدى مكوناته الثقافية والفكرية، وعكست حالة التردي والإنحطاط في الحياة السياسية والاجتماعية.

 

ثانياً: ان الإصلاح والتغيير المرتبط بالمتغير الخارجي كان وسيظل متغيراً إصطناعياً وتضليلاً، وضياعاً للجهد الوطني الحقيقي، ترتفع الدعوات إليه أو تنخفض بقدر إرتفاع وإنخفاض حدة الضغوطات والأزمات الخارجية، وأن المتغير الحقيقي والأصيل الذي يكفل الإصلاح الحقيقي يعبر عن نفسه من خلال قوى سياسية واجتماعية داخلية تسعى لتحقيقه بجد ومثابرة.

 

وبالرغم من هذه الأجواء الدولية والإقليمية والوطنية السائدة، والتي أعطت نظام سبتمبر هامشاً أوسع لحركته السياسية ومكنته من تحقيق نجاحات لمشروعه الخاص بفضل الإمتثال والإنصياع للارادة الخارجية من جانب، وسقوط بعض المعارضين السياسيين في وهم الإصلاح والتغيير من جانب آخر، إلاّ أن ذلك بالتأكيد لن ينال من عزيمة وإصرار شعبنا في محاولة الوصول إلى الهدف الوطني لتحقيق الإصلاح الحقيقي، فإن الخطوة مهما تكون قصيرة إلاّ أنها تقربنا من الهدف، وقد تتعثر المسيرة أو تتوقف، لكن لن ترتد عن مكانها، فمسيرة الشعب الليبي نحو التغيير وإقامة البديل الديمقراطي الذي يعطي السيادة لقيم الحرية والعدل وحقوق الانسان في تقدم مستمر، ولابد أن نتجاوز محنتنا العارضة لتستأنف ليبـيا طريقها القاصد الى الآفاق الممكنة للتقدم والإزدهار.

ليبـيا الغد
22 نوفمبر 2006