الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

امعيتيقة وأطفال الايدز....

الغموض والحقيقة!

 

إن هذه الجريمة الانسانية التي اصابت كبرياء وسيادة وطن  وشعب! قبل أن تنال من اطفال أبرياء وتزهق أرواحهم بدون مبرر،  سوى أن القدر جعل منهم مواطنين ورعايا نظام مستبد!

       

عندما نتـناول  بالنقاش والتحليل هذه المأساة،  نجد أن الأسباب والدوافع، والمجرمون الذين أقدموا علي فعلها، والأجواء العامة،  والبيئة الصحية المحيطة، والعمولات والفساد الذي صاحب كل عمل، وتغلغل في كل أمر، ليعم كل المجالات والنواحي، والتاريخ الاجرامي، والتراث المآسوي للنظام، وكذلك النتائج والمكاسب التي تحققت من وراء هذه الجريمة .. كل ذلك لا بد ان يكون محل تساؤلات وبحث جدي فعال من أجل الوصول إلى الحقيقة وتحقيقا للعدالة.

       

إن هذا المقال يخرج عن ضرورة كل هذه التساؤلات كأستثناء،  ليقبل بما جاء به نظام سبتمبر من تفسيرات ومواقف حول هذه القضية،  وما أنتهى إليه من أتهام وتحديد الجريمة في إطار المؤامرة على جماهيريته العظمي، ولجانها الثورية والشعبية،  والتي كانت الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني أداة لتنفيذها والقيام بها،  لثقـتنا في أن قبول تناولها بالمناقشة والتحليل وفق هذا المنطق والطرح، وما آلت إليه القضية من نتائج وآثار يكشف بوضوح، ودون لبس،   فشل النظام الفوضوي، وعجزه عن اداءه الوظيفي، وفقدانه الشرعية التي يستند إليها منذ اليوم الأول لاستيلائه على السلطة في لبيبا،  التي تتمثل في سيادة الوطن وحماية المواطن ..  وهما من شروط ومبررات قيام الانقلاب العسكري  في سبتمبر عام 1969، ومن النقائص والاخفاقات التي ألصقها هذا  الانقلاب بالنظام الملكي السابق تدليلا على عزلته، وعدم قدرته على تحمل المسئوليات الوطنية في صون الوطن وحماية المواطن، ولعل حادثة استشهاد الطفلة امعيتيقة برغم غياب الكثير من المعلومات التي أحاطت بتلك الحادثة وظروفها والتي تم تحويلها من قبل نظام سلطة سبتمبر إلى عنوانا للتخاذل، ونموذجا لتهاون النظام الملكي السابق في حقوق مواطنيه واستسلامه للإرادة الأجنبية،  هكذا دخلت هذه الحادثة - برغم غياب تفاصيلها - التاريخ الليبي وسجلت نقطة سوداء ووصمة عار في سجل النظام الملكي ورجاله، وفق منظور سلطة الاستبداد.

 

وانطلاقا من هذه الأرضية والتفسيرات القذافية، والتي يمكن رفضها شكلا وقبولها مضمونا، أي بمعنى أن كل نظام سياسي يعجز عن أداء وظائفه السياسية  في حماية المجتمع وأبنائه، وفي تحقيق العدالة، يكون فاقدا لشرعية الحكم والسلطة، فتحت أي توصيف؟ وأي خانة يضع نظام القذافي جريمة أطفال الإيدز؟ وما أنتهت إليه من تفريط صارخ، وتهاون مذل في حقوق الوطن والمواطن، وبعد أن كان في تاريخنا امعيتيقة واحدة  أصبح لدينا الآن - وبفضل القائد الأممي -  أكثر من 430 امعيتيقة!

       

واذا كانت امعيتيقة الأولى قد قتلت دون أن يعرف الكثير منا تفاصيل أحداثها، فإن المعيتيقة الثانية كانت ضحية غدر ومؤامرة واضحة ومؤكدة  حسب تقديرات وتصريحات سلطة سبتمبر، ووفقا لإجراءات وتحقيقات الجهات الأمنية والقضائية للجماهيرية!  ولكن،  كيف انتهت أخيرا الى ما انتهت اليه؟  ولماذا يتم الافراج عن متهمين أدانهم القضاء، وحكمت عليهم المحكمة بالاعدام؟  وبأي مبرر يتم اخلاء سبيلهم ومغادرتهم البلاد؟!

 

إن هذه الجريمة والنتائج التي انتهت إليها لدليل آخر يضاف الى سجل تهاون وتفريط النظام في ليبيا، فهذه الجريمة في شأنها الأقل، تفرض على النظام قبل غيره التسليم بمنطق المبدأ الذي أنطلق منه في نزع شرعية النظام الملكي وتأسيس شرعيته، فالحل الذي احدثـته التطورات الاخيرة لاطفال الايدز وانتهاء مأساتهم، بدفع حفنة من الدولارات لأسر وعائلات الضحايا المنكوبين في محاولة دنيئة ورخيصة للالتفاف على الحقوق،  والتخلي عن تحقيق العدالة والقصاص،  فهوليس دليلا ومؤشرا فقط على فساد الحكم، بل تأكيدا على استشراء الفساد ليشمل بناء الدولة من أساسه، بعد أن عم كافة نواحي الحياة السياسية والاجتماعية ومنظومة القيم والمثل.

       

ان عنوانه استسلام مهين أمام الآخر وشروطه ورغباته، حتى لو كان ثمن ذلك كرامة المواطن وحقوقه، وسيادة الوطن وكبرياءه، فقد جاءت نهاية هذه المأساة كنهاية فيلم عربي سعيدة متوقعة،  بزواج البطل من البطلة،  فبرغم تصارع الاحداث والتطور الدراماتيكي للرواية من تشدد ... تصميم... صلابة... وقصاص من الجناة ..  إلى لين ... مهاودة... وزيارة... أدت إلى أطلاق سراحهم والافراج عنهم.

 

اننا لا نرى مبررا للدهشة والاستغراب، الذى أثاره  البعض حول النتائج التي انتهت إليها الاحداث، وانتجتها تطورات هذه القضية،  وكذلك تداعياتها وآثارها المستقبلية على النظام ذاته، وما تثيره من قضايا ومشاكل مالية وسياسية مستقبلية،  ليس لأننا ممن يملكون قدرات التنجيم أو أصحاب مهارات التنبأ! وانما ، كغيرنا من أبناء شعبنا نفهم  ونستوعب، عن ظهر قلب،  تخبط  القذافي وطريقة تفكيره،  وادارته لمثل هذه الازمات الدولية، التي تطرح أمن نظامه في معادلة دولية تهدد وجوده، فكان ولا يزال، يرى الحلول والنتائج لمثل هذه الازمات في تحقيق أمن وأستقرار وتوطيد نظامه واحكام قبضته، دون مراعاة لحقوق المواطن وسيادة الوطن وقدسية العقيدة والتاريخ،  وهي معان وقيم تأتي في مراتب ومستويات متدنية في سلم الأولويات والأهمية،  إذا ما تعلق الأمر بتهديد سطوة قبضته،  وسيطرته على البلاد وبقائه فى السلطة.

 

وجميعنا لا ينكر أو يجهل الحقائق السياسية التي تتحرك في أطارها كافة أنظمة الحكم السياسية الديمقراطية والشمولية منها ( خاصة الانظمة العربية )  والتى تفرض في تفاعلها السياسي، وصراعاتها الداخلية والخارجية أهمية الحفاظ على مكاسبها وسلطاتها، غير أنها جميعا، لها خطوط  حمراء، تتعلق بسيادة الوطن، وكرامة المواطن وصيانة حقوقه،  تضيق أوتتسع، وفق طبيعة النظام القائم، ووفق قدرة الشارع السياسي، والرأي العام على الضغط والتأثير. 

       

أما في الحالة الليبية فان الأمر مختلف! فمن الحقائق الاساسية التي تحكم العملية السياسية في مستواها الداخلي والخارجي، درجة تحقيق الأمن والسلامة للنظام وقيادته، ولو كلف ذلك التفريط في الارض والعرض،  فالاحداث والازمات السابقة تجلت فيها هذه التوجهات والمسارات بوضوح، وكشفت معها هذه الحقائق ، في أكثر من أزمة ونزاع دولي واجهه حكم القذافي،  فكان ذلك هوالخيار الأوحد الذي انحاز إليه في كل مرة عند المراحل المتطورة والمتصاعدة من هذه الازمات،  التي تلوح في أفاقها بوادر تهديد أو أقتراب من زعزعة استقراره وسطوته، فعهد نظام سبتمبر، مع التفريط والتسليم لكل ما هو وطني وسيادي، بدأ مع تنازله عن أقليم أوزو رضوخا وامتثالا لمطالب ورغبات اسياده عندما أرادوا انتزاع أوزو من الوطن، ثم أتبع ذلك بمواقف تهاونية فرط فيها بالحقوق والسيادة، فجاء الدور على القوانين والمؤسسات الدستورية والقضائية، بتسليم مواطنين ليبـيين للمحاكمة وفق قوانين واجراءات قضائية اجنبية، وتنفيذ الاحكام الصادرة عنها بدخول سجون أجنبية، ثم أتبع ذلك في سنة 2003 بالتنازل عن حق التطور والتحديث، الذي ينشده ويأمله المجتمع الليبي، في الحصول على التقنية والعلوم الحديثة، بإمتثاله المهين لسيده بوش عندما شحن، أطنان من معدات ومواد خام وأبحاث ودراسات تم عرضها كغنائم حرب، والتي دفع أثمان صفقاتها وسمسرتها من أقوات شعبنا، ليقتل الحلم والأمل، ويجعل منه قائدا للانبطاح والامتثال، وأمثولة لكل من يريد أن يعيش على هامش الاحداث الدولية متمتعا بالسلطة والثروة وقمع الشعب! وهكذا بدأ وسوف يستمر مسلسل الانبطاح والتسليم للأجنبي طالما يظل هاجس الخوف على عرش السلطة والنفوذ والرغبة الجامحة في الامساك بهما وأوهام وأكاذيب ثورة الفاتح من  سبتمبر!

 

الجريمة التي ارتكبت في حق أطفالنا، والتي اغتالت فيهم البراءة وخنقت الاحلام، وحولت حياتهم وحياة أسرهم وعائلاتهم إلى كابوس أبدي لن ينتهي إلا بتحقيق العدالة والقصاص من المجرم الحقيقي، لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة في هذا المسلسل التفريطي لنظام سبتمبر، إن المرض اللعين لم يصيبهم في أجسادهم فقط!  بل أصاب النظام ومؤسساته، بمرض نقص وفقدان المناعة والقدرة على مواصلة الحياة بعزة وكبرياء داخل الاسرة الدولية، فقد طل علينا من خلال هذه الازمة، والازمات السياسية السابقة، مشلول الارادة فاتر العزيمة فاقد القدرة على التصرف المشرف، إن ذلك المشهد المأساوي والمدان لنظام فرط في حقوق مواطنيه، وحول مأساتهم ومعاناتهم الي صفقة سياسية انحدرت به الي مستنقع الخيانة، لن يمر دون مساءلة هذا العقيد ونظامه مهما طال زمن بقائه ورضاء اسياده عليه.

 

وكذلك التعاطي السياسي الذي اعقب عملية الافراج عن الممرضات والطبيب الفلسطيني، وتسليمهم الى بلغاريا الذى كشف أرتباك المواقف، وتناقض التصريحات، مما عكس حقيقة ضعف  نظام القذافي، وعدم قدرته على إدارة مثل هذه الازمات، وغياب التنسيق داخل المؤسسات والاجهزة الرسمية وبين القائمين الحقيقيين على إدارة الأمور،  وتوالت سلسلة المؤتمرات الصحفية الفجة في الشكل والمضمون، والمقابلات التليفزيونية الباهتة، والتصريحات الاعلامية السخيفة التى تعبر عن تناقضات أهل القرار والسلطة، وانقسامهم حول طبيعة وأسباب ودوافع الجريمة، ومبررات الأدانة، مما أضفى الكثير من الغموض، والشكوك حول الاجراءات التنفيذية والقضائية التي تمت من قبل الجهات الرسمية، والتي صاحبت تلك القضية ومطالبات سياسية لا معنى لها تدعو إلى عمل جماعي عربي ، يعلم نظام سبتمبر قبل غيره أنه لن يتحق.

       

وفي الوقت الذي لم يتخذ فيه أي اجراءات فعالة ضد بلغاريا، نجد القذافي  يطالب بمقاطعة عربية شاملة ضد بلغاريا، واغرائهم بتقديم صفقات تجارية واقتصادية لمن يساهمون في تحقيق هذه المقاطعة!

 

وكل هذه التحركات والافعال بجانب أنها تمت - كما يتم غيرها - بمعزل عن الشعب الليبي، وسلطته الوهمية داخل المؤتمرات الاساسية، التى كان من المفروض اعتبارها صاحبة القرار والسلطة  لجماهيرية القذافي، فإنها من الجانب الآخر كشفت عن الاداء القاصر، والفهم الخاطئ، في إدارة مثل هذه الازمات،  الذي من شأنه أن يضع ليبيا من جديد تحت ادانات ومسئوليات دولية، ويجعل منها موضع ابتزاز دولي جديد.

 

فليحتفظ الوطنيون ومحللو السياسة والازمات الدولية بدهشتهم واستغرابهم من تصرفات النظام الليبي بشأن هذه الجريمة، فالتنازل الاكبر والتفريط بالسيادة والكرامة الوطنية لم ولن ينتهي الى هذا الحد، فالقادم إذا ما قدر الله استمرار سلطة الاستبداد، أعظم وأفدح  وأخطر أثراً، على كيان الوطن وعلى أجياله القادمة،   ولن ينتهي كابوس الالتزامات والاستحقاقات وتبديد المال والجهد، إلا بإزاحة النظام واسقاطه .. وبناء ليبيا الحرة ..  ليبيا الغد.

 

ليبـيا الغـد

21 أغسطس 2007