الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

التسريع بنهاية محنتنا .. يبدأ بإزالة الوهم من عقولنا!

 

أربعون عاماً مرت على الوطن، طافحة بالظلم، والبؤس، والشقاء، والمعاناة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على يد سلطة الاستبداد، وأهلنا لايزالون يغطون في سباتهم العميق، يقلبهم الطاغية ورفاقه الأشرار ذات اليمين وذات اليسار، دون أن ينجح من بينهم أحد حتى الآن في أن يحقق لهم الحرية التي أغتيلت، ويصون الكرامة التي انتهكت، ويحافظ على الحقوق الانسانية التي أهدرت.

 

أربعون عاماً والوهم ضل طيلة هذه العقود، هو السلعة الوحيدة الرائجة في وطننا، حيث استسلم المجتمع الليـبي كله لذلك الوهم الذي تحول الى وحش كاسر، أوقف بقدرته وجبروته حركة الزمن في بلادنا، فكل ماحولنا يتحرك ويتطور وينتقل من مرحلة تاريخية الى أخرى، إلاّ أننا في ليبـيا، لانزال نعيش لحظتنا التاريخية صباح يوم الانقلاب، فالجميع دون إستثناء، غابت عنا شروق شمس اليوم التالي لانقلاب سبتمبر 69 ، بسبب ذلك الوهم الفاتل، فقد يستغرب البعض وتعتريه الدهشة من هذا التشخيص المبسط والمختزل لنظام سياسي مر على سيطرته وتحكمه بزمام الأمور أربعة عقود، وحالة شعب عانى من جراء ممارسات هذا النظام طوال هذه الفترة الزمنية، غير ان الواقع السياسي في ليبيا وحقائقه يؤكد على ذلك الفهم ويشير الى المدى العميق في تأثير هذا الوهم على الحركة السياسية للمجتمع، فالفرد الذي يعمل في مختبر او معمل كيمائي ، لاستطيع بعد مدة معينة ان يشم رائحة المركبات التي يصنعها، كذلك فالمجتمع والفرد الذي يعاني وعياً مزوراً، أو عجزاً حول قضية معينه، يتبلد ذهنياً ويعجز بعد مدة عن اكتشاف الزور والعجز فيه وفي حركته، وذلك ينطبق على ما نعانيه من وهم، الذى يجب مواجهته بالوعي الكافي، والذي لايعني مجموعة من الآراء والأفكار، أو التقييم والمعلومات حول مسألة معينه، بل يتطلب حداً أدني أو درجة كافية من القدرة الفكرية على إدراك موضوعي لطبيعة واقع معين ككل ، نشأته وحركته الدائمة، من هنا يأتى الوهم كعنصر هام متحكم في الحياة السياسية والاجتماعية في وطننا، والذي ظل بخيوطه المرعبة ينسج ثوب المعاناة للنظام السياسي الحاكم في ليبيا قبل شعبها.

 

منذ اليوم الاول للإنقلاب، تكونت العلاقة والارتباط بين ذلك الوهم وهذه الزمرة العسكرية التي تمكنت من الاستيلاء على السلطة بالبندقية والدبابة، وحققت من خلالها اهدافها في السيطرة على مقاليد الحكم، حيث اعتقدت هذه الزمرة العسكرية ان ماتقوم به هو الثورة بابعادها الاجتماعية والاقتصادية والفكرية المركبة، ومجرد تبني وطرح بعض الشعارات الجذابة والبراقة يكون كافياً ٍللعمل وللفعل الذي تقوم به فورياً، ومع تقدم السيطرة وتوسيع دائرة السلطة ازداد تطور هذا الوهم في عقل قائد الانقلاب وتضاءل معه فهمه وادراكه للواقع الداخلي والخارجي، وحركته السياسية التي مكنته من تحقيق نجاحاً لمشروعه الانقلابى، فغابت عن الذهن الاسباب والشروط الاساسية التي حققت له السيطرة في الداخل، وجهل أو تجاهل حقيقة الارتباط الخارجي الذي سهل وأمن حركته الانقلابية وأدى الى نجاحها، لأنه ليس سوى دمية تمسك بخيوطها أيدي خارجية تحركها وقت ما تشاء وأينما تبتغي ضمن دميات وعرائس منطقـتنا  العربية.  

 

مع تلاحق السنوات والإحداث وتعاظم قوة قبضته وسلطته الداخلية، تضخم وزاد هذا الوهم داخله فانتقل به ومعه من ملازم أول ورقماً من ارقام الضباط الليبـيين، الى قائد ثورة اخرجت الشعب من كهوف التخلف، وأعماق الجهل والرذيلة، واعطته الحرية والمساواة التي افتقدهما طيلة تاريخه وحياته الراكدة التي لم تتحرك الا بقدومه، ولم يبق هذا الوهم داخله عند هذا الحد فحسب، وإنما زاد وتعاظم، وصار زعيم الانقلاب لا يكتفي بدورة المزيف الذي صنعه له وهمة الكبير، فقد تحول من قائد إنقلاب الى مفكر ومبعوث العناية الالهية لإنقاذ البشرية من سباتها، والانتقال بها بفضل آرائه وافكاره الى آفاق أرحب من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتوالت هذه الافكار الوهمية عنده، فاصبح مع مرور الوقت والزمن القائد الأممي، رمز التحرر والتقدم، وفي الوقت نفسه ملك ملوك قبائل افريقيا عنوان التخلف والعجز، فسبحان جامع المتناقضات بشىء واحد، فهو إمام المسلمين شيعة وسنة، وغداً سيصبح بوهمه الحبر الأعظم، والحاخام الأكبر، حتى يكون معجزة السماء الذي تتجمع عنده الأديان الثلاثة، فهو الجامع المانع الذي تتجمع عنده الصفات المتناقضة والسمات المفتقدة، التي يستحيل وجودها عند الآخرين؛ هكذا بداية الوهم وتطوره عبر السنوات المتلاحقة عند قائد الانقلاب، فالتركيزعلى زعيم الانقلاب العسكري دون غيره من رفاقه وشركائه، يعكس واقع الحال والممارسة، فهم ليسوا الا مجرد أصفار وأرقام، بوجودهم اكتمل المشهد الانقلابي والسياسي فى ليبـيا.

 

بعد هذا الوهم الذي تمكن من رأس النظام، كان وهماً آخر اشد فتكاً وتأثيراً، شاع بين جميع الناس في بلادنا، وانكر عليهم قدرتهم على تحقيق التحول والتطور، حيث السمة التي تميز حياة الشعوب، هى قدرتها التي تتمثل في إرادة التغيير والتحول، وبسبب ذلك الوهم الذي تغلغل بينهم ومدهم بشعور خاطىء بحتمية الواقع من حولهم، مما أدى الى حالة السكون والاستسلام التام في هذا الواقع والحياه الاجتماعية والسياسية التي يعيشونها، وجعلها قوانين ثابتة يصعب التصدي لها ومقاومتها من خلال القدرة الذاتية، ومن هنا سادت فكرة الرضوخ لقبول هذا الواقع، وتقبل ما قد يأتى منه من محاولات، ومبادرات قد تتبنى بما يسمى إصلاح، وهذا ما يفسر لهث الكثيرين وراء بعض الوعود الحانثة والاقوال الكاذبة، خاصة بعد ما لاحت بعض التغييرات الاقتصادية والاجتماعية التي يقوم بها النظام بين فترة زمينة وأخرى، قد تفرضها عليه بعض الضغوطات والمساومات الخارجية؛ مثل التعديلات في وضع الموزع الفردي والتشاركات الخاصة، أو الوعود بالقروض التجارية أو التعويضات المالية وتوزيع الثروة، وغيرها من رشاوي إقتصادية كثيرة، وتارة أخرى في شكل سياسي وأمني، مثل اطلاق حرية الانتقال والسفر والافراج عن بعض المعتقلين، واطلاق حرية النقذ، والحديث عن بعض السلبيات والتجاوزات لبعض رجال النظام ومؤسساته، أو انتظار القدر الالهي لتحقيق الخلاص والتغيير، أو القدر الامريكي باحداث التغيير وجلب البديل، متجاهلين ان الله لاغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وان الواقع السياسي المزعج يجب تغييرة باليد قبل الكلمة والقلب، أما القدر الامريكي واسطوله الحربي، تحكمه مصالح واستراتيجيات، حين تكون مؤمنة ومستقرة يكون الرضاء والقبول، وعندما تهدد أو تضطرب يكون الانزعاج والتحرك، هكذا علمتنا الاحداث التاريخية، وبين وهم قوة الواقع وحتميته، ووهم انتظار التدخل الالهي والدور الخارجي، غابت قدرة الشعب وارداة التغيير عنده. 

 

أما المكون الثالث للحياة السياسية في ليبـيا، أو الطرف الثالث الذي تمكن منه الوهم هو الآخر، فهو المعارضة والتيارات المناهضة للإستبداد، التي اخذت تتجمع وتتبلور في الخارج، على شكل تنظيمات سياسية معارضة للنظام مع نهاية السبعينات من القرن الماضي، ومع إزدياد عمليات القمع السياسي والاقتصادي والاجتماعي على يد سلطة الاستبداد؛ في البداية، اعتقدت هذه القوى والتجمعات الليبية في الخارج، ان الطريق مفتوح بيسر وسهولة نحو الاطاحة بالنظام، واقامة البديل الذي يتوافق وينسجم مع افكار وغايات كل مجموعة، ولا يتطلب في هذه المرحلة من التصدي، سوى إعداد بعض العناصر والاشخاص المؤهلين لقيادة البلاد بعد سقوط النظام، ومع مرور الزمن أخذ هذا الوهم في التلاشي والابتعاد، ليحل مكانه وهماً آخر لايزال يتفاعل ويتطور في عقول الكثيرين، رغم اختفاء وابعاد بطله وصاحبه على الحياه السياسية في ليبيا وهو وهم الاصلاح السياسي.

 

في ما بين مرحلة الإعداد والاستعداد لحكم البلاد، ومرحلة إمكانية المشاركة في حكم البلاد من خلال الاصلاح السياسي الذي سوف يقدم عليه النظام، تبدد الجهد وضاع الحلم ليستمر الوهم الخادع ينخر في جسد الكل دون استثناء، فبداية خلاص الوطن تبدأ من خلاص الجميع من ذلك المرض اللعين الذي هو " الوهم "، وان على المجتمع بكافة قواه وتياراته أن يعي ان الحرية والعيش الكريم ليست منحة أو هبة تعطى، بل قيمة تنتزع من خلال التضحيات بالدماء، وعلى قوى المعارضة فهم ومعرفة حركة التاريخ،  فليس كل مقاوم او متصدي لقوى البغي والسيطرة، يجب ان يجني ثمار غرسه، فالشجرة ثابتة الجذور، وقوية الفروع، لايستظل بظلها من وضع بذرتها الاولى، فطريق الألف ميل، تبدأ بخطوة واحدة، ونحن بعد أربعة عقود من الإستبداد والقمع، لم نبدأ خطوتنا الاولى في ازالة الوهم من عقولنا.  

 

ليبـيا الغـد

1 سبتمبر 2009