الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

ذكرى استشهاد عمر المختار .. بين الحقيقة والاسطورة

 

عندما يكون الحدث ذلك الموقف المهيب، لرجل حمل وجهه ملامح من القيادة والشدّة، والايمان والرحمة، وهو يتقدم بثبات وشجاعة نحو حبال المشنقة .. نحو حتفه ومصيره النهائي، وكأنه في يوم عرسه، يزف إلى معشوقته ومحبوبته الابدية: كرامة الوطن وحرية الشعب .. عندما يكون الحدث لرجل مزج بمواقفه، الشيخوخة بالشباب، وجمع التاريخ بالحاضر، الخبرة وحصاد السنين بالحيوية والعنفوان، ليتحول إلى أسطورة لكل زمن وفي كل مكان!

 

عندما يكون الحدث بهذه المعاني الكبيرة، لابد وان تكون احياء الذكرى من أجل استخلاص العبر، واستحضار الخبرة التاريخية، التي تمكننا من الفرز والمقارنة بين الاحداث والمواقف المتشابهة، فالذي جرى في العهد الاستعماري من حجم المعاناة، كثيراً من تفاصيله وجزئياته تحدث الآن، فمعرفتها والوقوف على ما يجمعها ضرورة لمعرفة مواقعنا، وعلى أي أرض نقف وفي أي اتجاه نتحرك.

 

        فيوم السادس عشر من سبتمبر 1931 لم يكن شاذاً عن مسيرة التاريخ أو متفرداً عن احداثه، فقد سبقته ارهصات ونضالات، وجاءت بعده بطولات وانجازات، ولم يكن عمر المختار رجل ساقته الاقدار لهذا الموقف الوطني، ولكنه كان ضمن كوكبة من الرجال اعتنقوا الحرية وأحسوا بالكرامة، حيث تشرفوا بالإنتماء لحركة كفاح وجهاد كانت ليبيا من شرقها إلى غربها ومن شمالها الى جنوبها ساحة لها، مثل ما تشرفت حركة الكفاح الليبي من أن يكون من بين عناصرها وأحد قادتها ورموزها عمر المختار، وان يتحول هذا الشيخ رمزاً لنضالها الوطني، ويصبح عنوانا للتحدّي التاريخي، ونموذجاً لتضحيات وبطولات شعب قاوم بإصرار وعناد استعماراً فاشياً مغتصباً في ظل تفاوت كبير في موازين القوى.

 

        منذ الصبا ونحن نتغذى ونتجرع تلك المعاني والجمل التي تعكس تاريخ مجيد، لشعب واجه يوماً المحتل الغاصب، وسطر بدماء ابنائه انتصار وعزة وطن، غير ان هذه الصور الجميلة اصطدمت في زمننا اللاحق بوقائع واحداث تنفيها وتناقضها في الدلالة والسلوك، فالشعب الذي انتفض وهب في وجه غطرسة الاستعمار، نرى ابناءه واحفاده اليوم في حالة من الاستكانة والاستسلام، وهم يتعرضون للاستبداد والاضطهاد، لسنوات عديدة فاقت كثيراً عهد الاستعمار، وكلا الحالتين (الاستعمارية والاستبدادية)، حملت الكثير من التطابق والتماثل في الدوافع والممارسات، والاستثناء الوحيد الذي ميز بينهما كان في اسماء القائمين على تلك الممارسات، والمسئولين على تلك السياسات، فسلوك " موسوليني " كان الوجه الآخر لسلوك القذافي، ورجال القمصان السود تحولوا في ليبيا الجماهيرية إلى اللجان الثورية، ولجان التطهير وغيرها من المسميات التي تكون قد ميزت العهد الاستبدادي عن العهد الاستعماري، إلاّ أن المعاناة والاعمال الاجرامية ظلت تجمع العهدين، فالقتل والتنكيل والاعتقال ومصادرة الأملاك كانت نصيب وحظ المواطن الليبي قديماً على يد الفاشي وحديثاً على يد القذافي، والفساد المالي والاداري والتخلف الصحي والتعليمي عانت منه البلاد في العهد الاستعماري، وهو الآن عنوان الاستبداد في العصر الجماهيري " البديع "، فلا يحتاج أي مهتم أو مراقب محايد جهداً، لاثبات ذلك التطابق الذي جمع بين العهدين الفاسدين.

 

        فالاستبداد بافعاله الداخلية واعماله القمعية، هو في واقع الحال استحضار للاستعمار الخارجي في صوره ونماذجه البشعة، غير أن الثاني وجد من يقف في مواجهته ويقاومه وينتصر عليه، والأول وجد من يخدمه ويساعده على تثبيت سلطته وسطوته، فعمر المختار ورفاقه ممن قرأنا في كتب التاريخ عن شجاعتهم واعتزازهم بالكرامة ورفضهم للذل والظلم، لا نجد لهم امتداداً ولا عنواناً داخل المدن والقرى الليبية برغم وجود ضروريات المقاومة وافتراضات التصدي.

 

        فهذا القياس التاريخي الذي فرض نفسه ونحن نحيي هذه الذكرى طرح تساؤلات عديدة، تدور وتجول في أذهان وعقول الكثيرين منا، كيف كان الاجداد والآباء بهذه الجسارة والشجاعة، والتضحية والاقدام، ولماذا أصبح الابناء والاحفاد بهذه الحالة من الخنوع والمذلة والاستكانة، وكيف تمكن الاجداد والآباء من تحدي الاستعمار، والحاق الهزيمة به، في ظروف بالغة القسوة وشديدة الصعوبة، وهو الذي يفوقهم عدداً وعدة، في الوقت الذي كان فيه الأبناء خير عون وأخلص سند لنظام استبدادي متخلف، كرس بفضل خنوعهم، سلطته وسطوته.

 

        وهل تلك القصص التي تروى عن تضحيات وبطولات، وتلك الحكايات التي تحكى عن شهداء سقطوا وكتبوا بدمائهم وجهدهم قصة كفاح شعب، هل هى حقائق تاريخية، أم أنها من الأساطير الإغريقية، ونسيج الخيال والوهم، ما لبثت أن تكشفت وانفضحت امام تجربة استبدادية نعيش مرارتها ونحيي قسوتها الآن؟ فالواقع الذي يعيشه الشعب الليبي، تحت سطوة وقمع سلطة سبتمبر الفوضوية، ألقى بظلاله وزرع الكثير من الشكوك والريبة حول ذلك التاريخ المجيد الذي سطرته حركة الجهاد الليبي، فنحن نعيش واقع ومجتمع الإذعان والإمتثال للسلطة، وتكييف الظروف الحياتية وفقا لقوانينها وشروطها، فهناك القبول التام لكل ما يصدر عنها من سياسات وممارسات، مما يحجب أحياناً كل محاولات العصيان والرفض لما يحمله الواقع من ظلم وعسف، وما فعله الأجداد، عجز عنه الأبناء، فنحن أمام ظاهرة سياسية وحالة اجتماعية، التأكد من وجودها لا يتطلب إلى معاناة، فهي ماثلة أمام الجميع، وتحتاج قبل التحسّر الى التأمل والدراسة، ، ولكن ما يدفعنا إلى البحث والتدقيق لهذه الظاهرة، هو محاولة معرفة أسبابها والوصول إلى جذورها التاريخية، فللإنصاف علينا الاقرار بأن هذه الحالة أو الظاهرة، ليست من خصوصية المجتمع الليبي وحده دون غيره من المجتمعات العربية والاسلامية التي تشترك معه في الميراث الحضاري والقيمي، وان كان المجتمع الليبي الحديث، يشكل ويمثل رمزاً ونموذجاً واضحاً لها، بما يمثله من استكانة واستسلام لسنوات طويلة استمرت عقوداً من الاستبداد، وقبول الأمر الواقع في استرخاء تام، ولا يغير هذه الحقيقة ظهور بعض علامات الأمتعاض والرفض والمقاومة بين فترة زمنية وأخرى، ومن مكان إلى آخر، إلاّ أنها تظل في إطار فئوي وجهوي ضيق، دون ان يرقى إلى مستوى إبطال أو نفي هذه الظاهرة، ودون ان يتصدى إلى مشاكل اجتماعية وقضايا عامة.

 

         والواقع فإن هذه الظاهرة التي زادت وضوحاً في منطقتنا العربية في السنوات الاخيرة، تستمد جذورها من ثقافة الإذعان المطلق للحكام، ووجوب إطاعتهم حتى اذا كانوا مغتصبين للسلطة! فقبول الاستبداد والتعايش معه يعتمد على مجتمع " الرعايا " المخلصين والطائعين لكل ما يصدر عن حكامهم، وقد تولدت هذه الأفكار نتيجة للفهم الخاطئ والتفسيرات المغلوطة لبعض المفاهيم الاسلامية التي عبر عنها الفقه الاسلامي، مما مكن الحكام من فرض سلطتهم وسطوتهم، لأن الاسلام في تقاليده ومعانيه الحقيقية، كان يركز على حرية الفرد وكرامته، ويحافظ على المشاركة السياسية، ويدعو إلى إقامة العدالة الاجتماعية ويحث على الوقوف ضد الظلم والاستبداد ومناهضة الحكام الفاسدين، والادلة التاريخية على ذلك كثيرة، حيث جعل من البيعة قبول بالحاكم ضرورة لتأسيس السلطة، تجلى ذلك في إجتماع السقيفة وما حمله من معاني وقيم المشاركة والاختيار، ومنح الثقة وحجبها، غير انه في سنوات الانحطاط الحضاري والفكري والسياسي، ورثنا عنهم الفهم الخاطئ والتفسير القاصر للإسلام، الذي عبر عن نفسه بعلم الفقه، حيث أدى ظهوره إلى دخول الاسلام في عصر التوريث السياسي، على يد الأمويين، ففي الوقت الذي اصبحت فيه السلطة الدنيوية تملك التوجه المعنوي والثقافي من خلال الفقه الاسلامي الذي يكرس سلطتها ويدعو له في العقول والوجدان، امتلكت اداة اخرى موازية هي السيف، فأصبح لهذا التوجه الاستبدادي جناحين فقه يكرسه ويدعو له وسيف مسلط على الرقاب يفرض الهيمنة والسلطة، ومع تسارع الاحداث التاريخية أصبح لهذا الفقه وهذا الإتجاه الحظوة والسيطرة على الحياة السياسية، وشكل عقلية المواطن ليقبل بخنوع، ويصبح الأمر فقه مزيف وسيف مسلط، وقد شكل هذا الميراث الثقافي عقل المواطن العربي الذي يرى في الخنوع طاعة لاولياء الأمور، وارضاءً للخالق، وزادت قوته وحدته داخل المجتمعات المعاصرة بفضل الممارسات القمعية التي يستخدمها النظام العربي ضد محاولات الرفض والغضب الشعبي،  حيث شكلت هذه الوسائل القمعية عاملاً اضافيا يضاف إلى عوامل ثقافية وتاريخية، كانت اساساً لإضعاف مقاومة المجتمع للإستبداد والقهر السياسي والحد من تعاظم حركات الرفض والسخط الشعبي، الذي ظل يدور في اطار الفعل السلبي،  حيث يعتمد على محاولة التغيير بالقلب، ولم يتجاوزه ليصل الى التغيير باليد، مع ان ذلك هو الفريضة الاولى التي يجب العمل بها عند التغيير.

 

        من هنا جاءت عملية الفرز والتبويب التي لحقت ببعض القيم والمفاهيم، فمثلاً الجهاد ضد الغازي الخارجي اختيار مقدس، والموت في مواجهته شهادة، وفي المقابل المناقض لذلك نجد مقاومة الاستبداد الداخلي تدنيس لحقوق الجماعة، وزرع للفتن في المجتمع، وانتشرت هذه التناقضات، لتصبح مناهضة الاستبداد حرام على المسلمين، ومقاومة الحاكم والخروج عليه اضعاف للأمة، وشق صفوفها حتى وإن كان هذا الحاكم يرتكب من الظلم والقهر أكثر مما يرتكبه المستعمر من أفعال وأعمال، فالمستعمر مقاومته واجبة ومقدسة، والحاكم إطاعته واجبة ومقدسة.

 

        إن ثقافة الجهاد والمواجهة، هي المسئولة على تحديد العدو وحصره في المستعمر الأجنبي، ذلك الشيطان القادم من الخارج، أما أبليس الداخل مهما ارتكب من فساد وتخريب، فمواجهته خروج على الجماعة وكسر لشوكة الأمة.

 

        ومن هنا كانت تضحيات عمر المختار ورفاقه حقيقة تاريخية، لا أحد يمكنه تجاهلها أو إنكارها، وفق هذا الفهم وهذه الثقافة، فصورة استقبال الشهادة والاستشهاد في شموخ وكبرياء في مواجهة المحتل الأجنبي الغاصب، في الماضي والحاضر والمستقبل لن تتبدل أو تتغير إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، أما ما نريد تغيره حقاً وتصحيح مفاهيمه والشوائب التي لحقت به، هو ذلك الجزء السلبي لهذه الثقافة، وهي حالة الامتثال والانصياع، للظلم والقهر الذي تمارسه السلطة الداخلية، فالظلم الاجتماعي والقهر السياسي واحد لا يتجزأ أو يتغير بتغير من يظلم أو يقهر، وواجب مواجهته والتصدي له فريضة مقدسة عند كل ثقافة واعتقاد، وثقافتنا العربية الإسلامية كانت من أوائل الثقافات الإنسانية التي دعت إلى الحرية والعدل والمساواة والانتفاض في مواجهة الطغيان والاستبداد أيا كان مصدره خارجي أو داخلي.

 

        نخلص الى القول: إذا أردنا لليبـيا أن تتجاوز محنتها، وتأخذ مكانها على الطريق القاصد الى الآفاق الممكنة للتقدم والإزدهار، لابد لنا أن نجعل من هذه الذكرى الخالدة لإستشهاد عمر المختار، بداية حقيقية نحو تبديل وتغيير مفهوم الجهاد والكفاح، ليصير واجب وفريضة في مواجهة الاستبداد، مثل ما هو واجب وفريضة في مواجهة الاستعمار.

 

ليبـيا الغـد

16 سبتمبر 2008