الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

الفشل السياسي والعجز الوظيفي

 

        عندما بدأ الوطن السير على طريق ما يسمى ادعاءً بالثورة عام 1969، انطلق نظام سبتمبر يبشر بتحقيق حرية الوطن والمواطن، وترسيخ أمنه واستقراره، واقامة حياة ديمقراطية سليمة داخل مجتمع توهم يوما أنه كان يفتقدها، ووعد النظام الجديد بتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات، فلا سيد ولا مسود ولا ظالم ولا مغبون، وأعلن أن لن يكون بعد هذا التاريخ، في ليبـيا " استغلال انسان لآخر، ولا قهر سياسي أو ظلم إجتماعي، فلكل مواطن الحق في خيرات وثروات الوطن، دون إنتقاص أو تخصيص بمبرر الانتماء السياسي أو الجهوي أو العشائري - كما توهمنا ايضا أنها كانت القاعدة التي تحكم الحياة السياسية والاجتماعية داخل ليبيا قبل الانقلاب - وبعد ذلك يأتي الالتزام المبدئي على تخطي واقع التجزئة العربي، والعمل الجاد لخلق واقع عملي وموضوعي يصل بالمجتمعات العربية إلى الهدف المنشود في تحقيق وحدتها وازالة الحواجز والموانع الحدودية التي أقامها الاستعمار وصنعها أعوانه.

 

ومن ثم فان هذه الحزمة من الاهداف، والغايات الوطنية والرؤية الاستراتيجية، والتي جعلت منها سلطة سبتمبر وجهتها المستقبلية، واطارها النظري، لن تتحقق الا من خلال اطار شامل، يضم داخله القوة العسكرية والبناء السياسي، لدولة قوية قادرة على الاستجابة للتحديات الخارجية، ومواجهة المشاريع التي تستهدف حريتها وسيادتها، ووفق تلك المبادئ والقيم قدمت سلطة سبتمبر نفسها للشارع الليبي والعربي، واستمدت شرعيتها السياسية بشكل مكنها بسهولة ويسر من امتلاك مقادير وشئون الدولة، فكان ذلك بمثابة العقد الاجتماعي، الذي الزمت سلطة سبتمبر نفسها به، وارتهنت وجودها ومستقبلها بتحقيقه واقعا سياسيا تترجمة سياسات وممارسات ويعكسه عمل وجهد.

 

وأين نحن اليوم؟ من هذه الاحلام التي بشرت بها سلطة سبتمبر، وروجت لها في أوساطنا ولكنها ظهرت في النهاية مجرد بضاعة فاسدة، لم تؤد فقط إلى نسف كل ما كان لشعبنا من آمال كبار وتطلعات، بل أنها أدت إلى انهيار مجتمع بقيمه ومثله، وشدته نحو التخلف والانحدار.

 

فبعد رحلة طويلة من التعاسة والشقاء انكشف بوضوح القصور السياسي والخداع النظري، أمام وقائع وحقائق سياسية تحدث يوما بعد يوم خارج حدودنا، كتطور تصنعه شعوب ودول المنطقة وتسابق به الزمن، من أجل خلق مستقبل أفضل لمجتمعاتها وشعوبها، فهي من حولنا تتحرك، وفي حالة استنفار دائم لقدراتها وامكانياتها، وجهد حقيقي فعال، يصب في خانة الطموحات والأهداف التي اختارتها لنفسها، لتصنع كل يوم جديد واقعا سياسيا واجتماعيا تتقدم به خطوات إلى الامام، أما نظام القذافي في " ليبيا الثورة " فقد ظل طيلة ما يقارب عن أربعين عاما جامدا لا يتحرك، ساكنا يغط في سبات عظيم –  وبالمناسبة، فإن لفظ "عظيم" من الالفاظ المحببة والمختارة لدى " ثورة الفاتح العظيم " في الجماهيرية العظمى صانعة النهر الصناعي العظيم، نعود إلى حديثنا بعد هذه الملاحظة العظيمة - تتحكم فيه وتحكمه افكار متحجرة، ومسئولين وقادة وأمناء، أي وزراء هم أقرب إلى التماثيل المحنطة من أن يكونوا اشخاصا يملكون الرؤية، لفهم ما يجري حولهم من تطورات وأحداث، أوالقدرة على إدارتها والاستجابة للتحديات المفروضة علينا من أجل احداث التغيير، والانسجام مع متطلبات العصر وضرورات الزمن الذي نعيشه، وفق رغباتنا الوطنية واهدافنا القومية ومقاصدنا الحضارية، فسيطرت عقلية الخيمة، بقيمها السلبية ومعانيها المتخلفة، على الحياة السياسة والاجتماعية في ليبيا، مما انتج واقعا، الغيت فيه الدولة ومؤسساتها المدنية والسياسية، واختزلت فيه قدرات وامكانيات المجتمع وأمنه وطموحاته، في شخص شيخ القبيلة، الذي اصبح المزارع الأول، والمهندس الاول، والمعلم الاول، والقصاص الاول، والمحروم الاول…..!  

 

وكل شئ يبتدئ بالقائد وينتهي اليه، وكل من حوله يسبح بحمده، ويلهث وراء عطاياه ويرجو بركاته، ويخشى غضبه ويتفادى نقمته وسخطه، وظلت هذه الحالة السياسية والاجتماعية تلف بأرجاء الوطن طيلة ما يقارب من أربعة عقود، وهو محاصر بأفكار وممارسات تجلب عليه وعلينا هزائم وانكسارات باعثة نحو اللا مستقبل، ومفرزة بأفضل صورها وأشكالها تخبطا وعشوائية، يندر أن تقاس حتى بمعايير أكثر الدول تخلفاَ، وتحقق الفشل والعجز ليس فقط على مستوى أشكال واساليب ادارة شئون الوطن داخليا وخارجيا، بل حتى على مستوى الخطاب السياسي والاجتماعي للنظام من حيث المحتوى والمقصد، وهنا في توصيف هذا الفشل الذي أوصلنا الى المأزق الحضاري الراهن، لسنا في حاجة الى الاختفاء وراء جمل جذابة وعبارات انيقة يفضل الجميع سماعها، حيث تقدم وزنا لذم وقدح نظام سبتمبر الذي حطم الحلم والامل، بل وأغتال كل شئ واعد على أرضنا وفي حياتنا، لأن الواقع في حد ذاته يتحدث عن نفسه، فنحن أمام ظاهرة سياسية متكررة في التاريخ الانساني، لا تحتاج في كشف خباياها ودسائسها سوى لاستيعاب تجارب تاريخية سابقة بوعي، يقارن ما يحدث داخليا واقليميا ودوليا، لكشفها وفضح ممارساتها وسياساتها، التي تقوم على أوهام ومجردات، لا تجد لها اساسا في الواقع الاجتماعي التاريخي، ولا تحقق انجازا يدفع بالوطن والمجتمع خطوات مستقبلية تؤمن له مكانا، وسط صراعات وتحديات ثقافية وحضارية يشهدها ويعيشها عالمنا المعاصر.

 

وبنظرة بسيطة، لا تحتاج إلى تعمق استراتيجي وسبر غور نظريات اجتماعية وسياسية، وانما فقط بالاستماع إلى نشرة اخبار، أو زيارة خاطفة لتصفح أحدى المواقع الالكترونية، تتضح جليا تلك الفجوة الهائلة التي تفصلنا عن أكثر الدول تخلفا، لا ننسى أن نضع خطاَ عريضا تحت تخلفاَ، ويتبين دون لبس تلك الفواصل بين الاوهام والانفصام الذي يمثله النظام الحاكم، وتلك الحقائق والاتساق بين القول والفعل التي تتسم به معظم الدول العربية والاسلامية، والتي نشاركها نفس الظروف والتحديات ونحيى مثلها تلك الطموحات والامال الوطنية المشروعة في الاستقلال والتنمية، وإن كنا قد بدأنا مسيرة المشوار الوطني قبل معظمها، إلا أننا نجد أنفسنا بعد رحلة تاريخية طويلة متخلفين عنها بعشرات السنين في سكون وجمود، لم نغادر الزمن التالي للحظة التاريخية التي بدأنا عندها، وكما قال أحد الكتاب المخضرمين في وصف النظام الليبي ورئيسيه حين شبهه بساعة الحائط المعطلة، والتي تقف مؤشراتها التوقيتية عند أرقاما لا تتجاوزها رغم مرور الزمن، فبرغم قسوة ومرارة هذا التشبيه والوصف، ودلالاته المؤلمة، إلا أنه يعكس الحقيقة، ودقة توصيف واقع سياسي واجتماعي، عبر عن فشل وعجز النظام في ليبيا على كل الاصعدة. فنجد مجتمعات ودول مثل الامارات وقطر وموريتانيا وايران والسودان، على سبيل المثال لا الحصر قد تقدمت خطوات واسعة إلى الامام ونحو المستقبل التي ارتضته وحددته كلا منها لنفسها، وفق خصوصيتها وقدرتها، وبالشكل الذي يخدم اهدافها ومقاصدها، فهي وأن اختلفت في التوجهات والرؤية الاستراتيجية، إلا أنها جميعها حققت إلى حد كبير نوعا من الاتساق بين القدرات والغايات، فسخرت الادوات والوسائل المتاحة في خدمة تحقيق الاهداف والمقاصد المطلوبة.

 

صورتان لدبي، تتوسطهما صورة لجانب من مدينة الدوحة بقطر



ونحن هنا لسنا في صدد المفاضلة والانحياز بين هذه التجارب، أو تحليل وتفسير منطلقاتها واختيارتها السياسية، ولكن بقصد المقاربة مع نظام يتميز بتشتت في الارادة وبتناقض في الاعمال، وبلبلة في المقصد، جعلته متخلفا عنها مشدودا بانجازاتها ومبهورا بأعمالها، عندها نكتشف الخيبة الثقيلة - كما يقول اشقائنا المصريون - التي يعيشها شعبنا جراء سياسات عقيمة دفع الشعب الليبي ثمنا باهظا لها، فعند تأمل حالنا من أحوال تلك الدول، من امثال دولة الامارات وقطر اللتين اتخذتا التنمية العمرانية والبشرية عنوانا مهما لاستقرار المجتمع وتحقيق رفاهيته، كأحدى المهام الاولوية لنظامهما السياسي، فتحولتا خلال فترة قصيرة في منطقتنا العربية إلى نموذج مثالي يداعب خيال كل من يحمل نفس الاحلام وتلك التطلعات، وأصبحت دولة الامارات القبلة التي تتجهه إليها أفئدة وأبصار رجال النظام في ليبيا، وعناصره الثورية المبشرين بعصر الجماهير وحتمية انتصار الثورة في دك حصون الرجعية وهدم معاقل الملكية داخل وطننا العربي، وتحولت القناة الفضائية في دولة قطر، الاداة الاعلامية الرئيسة التي من خلالها وحدها وبدونها لا يستطيع " فاقد " الثورة ومحرر البشرية ايصال صوته الثائر إلى مورديه واتباعه المتحفزين لسماعه، والمفتونين بدنانيره، فما تعريف الفشل وماهيته إن لم يكن ذلك العجز رغم القدرات والامكانيات والوقت الكافي والفائض، حتى على تحقيق القدر القليل من متطلبات المعيشة الكريمة لمواطنيه، والفشل أيضا حتى في صناعة اداة اعلامية يستطيع بها " الفاقد " ومن خلالها ترويج بضاعته الدونكشوتية وخطابه الاعلامي الخشبي، دون أن تجعل منه الاقدار، حبيسا وسجينا لقناة فضائية تتبع لدولة رجعية وعميلة، وفق توصيفاته وآرائه الثورية يقدم لها الدولارات والتنازلات المبدئية من أجل أن تفسح له بعض الوقت لممارسة هوايته المفضلة في إيصال صوته الحبيس داخل الحدود، فهي بحق منبـر من لا منبـر له من العجزة والفاشلين أمثاله، ومن هنا يبرز ذلك الارتباط الواضح في حركة نظام سبتمبر والفشل في تحقيق قفزات نوعية في مجالات الانشاء والتعمير المدني، أو في إرساء دعائم فعالة ومستقرة تحقق نهضة تنموية شاملة للمجتمع الليبي.

 

 

أما في الجانب الديمقراطي، فحدث بلا حرج، يكفي الاشارة إلى جملة يرددها ويكررها (الفاقد) في كل المناسبات وبدون مناسبات في زهو وفخر، إلى معرفة مدى الديمقراطية التي يتمتع بها شعبنا، والمشاركة السياسية والحراك السياسي، الذي يعيشه الليبيون في ظل هذا النظام، وهي بأنه عميد زعماء العرب واقدمهم في السلطة، مع أنه نسى أن يقول بأنه عميد زعماء العالم وأقدمهم في السلطة، إذا ما استثنينا رفيقه كاسترو الذي غاب عن الحياة السياسية والمسرح الدولي بسبب الشيخوخة والمرض، يا سبحان الله، فقد أصبحت مدة البقاء في السلطة من الركائز الاساسية لتحقيق الديمقراطية وفق المنطق السياسي عند حاكم ليبيا، فإن مدة البقاء في السلطة من دلائل ومؤشرات الحياة الديمقراطية والمجتمع الديمقراطي الحر، أما ما جرى ويجري في تلك الدولة التي تعيش في حضن الصحراء، وفي ظل ظروف سياسية واقتصادية قاسية، من انتقال سياسي سليم للسلطة ووفق معايير ديمقراطية تحقق فيها مبدأ التناوب والتداول، بعد صراع سياسي واجتماعي طويل خاضعة الشعب الموريتاني الشقيق، وعانى من شدة قسوته سنوات طويلة حتى توج هذا الكفاح بانتصار حقيقي، تحسده عليه معظم الانظمة العربية التي تتدعي امتلاكها للمعرفة والحقيقة السياسية، فهو وفق تعريف نظام سبتمبر للديمقراطية، سلوك ديكتاتوري متخلف ترجع أصوله التاريخية إلى ما قبل عصر الجماهيرية (فرعونية)، التي يكون فيها الخلود والابدية هي المعيار الديمقراطي وعنوان الحيوية السياسية للمجتمعات، بهذا الفهم والمنطق للنظام في ليبيا يخرج العمل السياسي والفعلي المنظم عن اتجاهات التاريخ السائدة، ويحول دون تحقيق المجتمع لذاته وبناء مستقبله السياسي والاجتماعي بما يجعله مشلول الارادة واسير الفشل والعجز الدائم، وهذا ما أصاب نظام سبتمبر في معركته السياسية من أجل بناء الديمقراطية، والتي شكلت أحدى الركائز الاساسية التي استمد من خلالها شرعيته، والعمل على تحقيقها وترسيخها داخل المجتمع الليبي.

 

أما الحديث على تحرير الارادة الوطنية واستقلالية القرار الوطني في مواجهة محاولات الاحتواء الدولي، وسياسات التبعية، كنهج استعماري جديد يستهدف استقلال الوطن واستقراره، واستغلال موارده الاقتصادية وثرواته الطبيعية، عجز نظام سبتمبر عن تحمل تكاليف هذه المهمة الوطنية ونفض عن كاهله اعباء ومشقة النهوض بها، حيث اكتفى بالخطب الرنانة والشعارات الجوفاء، وترك العمل الجاد والجهد المخلص لرجال اخرين، ودول اخرى مثل حزب الله وايران والسودان، يقومون بمهام التصدي والمقاومة عن الكرامة والعزة الوطنية، التي افتقدها نظام سبتمبر حين ركن لخندق السكون والمهانة بعد أن بلغت موجات التصعيد مداها، وحققت اصداها بهزيمته النكراء في تشاد، وسقطت عنه أولى اوراق التوت التي كانت تستر عورته، بتنازله المشين عن جزء من تراب الوطن، ثم توالى المسلسل الانبطاحي المتخاذل لنظام سبتمبر بتسليمه لمواطنين ليبيين واعتقالهم في داخل سجون اجنبية، بجانب تحمل الدولة الليبية مسئولية جريمة لم تفعلها من خلال وثيقة سلمتها الحكومة الليبية للأمم المتحدة بهذا المعنى، ومن خلال تعويضات بلغت مليارات الدولارات، دفعت كتعويض مالي من أجل السكوت عنه وادخاله في زمرت الاصدقاء.

 

ولن ينتهي مسلسل الخضوع لنظام سبتمبر بتنازله عن حلمه النووي واستسلامه المطلق للارادة الاجنبية، فإن كرة الثلج تتدحرج وتكبر مع كل تخاذل وتفريط في العزة والكرامة الوطنية، فأنه لا يزال يملك الكثير والمطلوب للتفريط والمنح، مادام  هذا الفشل السياسي والعجز الوظيفي لسلطة سبتمبر هو المتحكم والمسيطر في الحركة السياسية والاجتماعية في ليبيا.

 

إن بناء الدولة واستقرار المجتمع هدف تاريخي، تحول على يد هذا النظام المستبد، من خلال فشله الدائم وعجزه المستقر داخل اجهزته ومؤسساته السياسية، إلى تخبط عشوائي تراه العين المجردة في كافة الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فالنظام السياسي القادر على الانجاز والعطاء، يقاس بما يعمله وليس بما يقوله، وبالنتائج البعيدة المدى والقريبة التي تحقق مردودا وطنيا يحس من خلال الجهد والعمل، وليس بتخريجات لفظية لا معنى لها.

 

لقد آن الأوان لوقف هذا الفشل والدوران في حلقة مفرغة تستنزف معظم جهود وطاقات شعبنا سنوات وسنوات، ويتدفق علينا الزمن ليرمي بنا تيار الاستبداد في حواشي الوجود، فقد حان الوقت لكي نجهز انفسنا ونركز طاقة عقولنا وأبداننا لتحديات الحاضر وطموحات المستقبل، ولنوقف هذا السلوك الهزلي المتمثل في عقلية سلطة سبتمبر المستبدة، وتجاوزها بفكر وعمل جديد ينبنى ليس على النوايا والمقاصد فقط، بل على الفهم الصحيح للتطور التاريخي والتحولات الاجتماعية، والقدرة على استيعابها في بوتقة وطنية تصنع ليبيا الغد..التي ستأخد مكانها على الطريق القاصد الى الآفاق الممكنة للتقدم والازدهار.

 

ليبـيا الغـد           
12 أبريل2007