الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

القذافي ومشروعه السلطوي !‏       ‏
 

بعد أقل من ثلاث سنوات من وصول القذافى للسلطة وتوليه لادارة شئون البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الأول من سبتمبر سنة 1969. إنحصرت حركة الرفض الأولى للنظام -الى حد ما- في بعض العناصر والاشخاص الذين تضررت مصالحهم وامتيازاتهم بشكل مباشر من قبل السلطة الانقلابية الحاكمة ، وهناك ملحوظة اساسية تجدر الاشارة إليها، وهى أن النظام الجديد قد عمد على خلق علاقة طردية مع حركة الرفض والمقاومة التي بدأت تتبلور تجاهه، لتشمل بعد ذلك، الفئات والتيارات السياسية للمجتمع بأكمله، فدخلت تلك القيادة في ‏مواجهة مع المؤسسة العسكرية وذلك من خلال الصراع الذي دار داخل المجموعة ‏العسكرية التي قامت بالانقلاب، ومحاولة كل مجموعة منها الانفراد بالسلطة، ‏وبعد أن حسمت مجموعة القذافى الصراع مع خصومها لصالحها، التفتت نحو محاربة الحركة الطلابية والقضاء على استقلاليتها وذلك بفرض عناصرمخابراتها ‏على قيادة تلك الحركة، وعقب ذلك تحولت السلطة القذافية إلى المواجهة مع ‏رجال الفكر والثقافة والمؤسسة الدينية، تحت شعار ما سمي وقتها (بالثورة الثقافية) ‏التي كانت بمثابة حربا ضد الأفكار والقيم والمبادئ المناهضة لما نادت به الزمرة ‏الحاكمة العسكرية، وجاء الدور على رجال الصناعة والتجارة، فأعلنت سياسات ‏وإجراءات اقتصادية لمجتمع يرفض بحكم ثقافته ومرحلة تطوره ونمط الإنتاج ‏السائد فيه مثل هذه السياسات الفوضوية والإجراءات الجاهلة الظالمة.

‏        ومع ازدياد حدة هذه المواجهات والصراعات وتزايد حركة الرفض السياسية، إتجه النظام إلى الاعتماد على عمليات القمع والإرهاب والتصفية الجسدية للمعارضين، في محاولة لتأمين وجوده واستمرار سيطرته دون النظر ‏إلى الخسائر والأضرار الهائلة التي بدأت تلحق بنسيج مجتمع لم يتعود على هذه الممارسات من قبل، ومن الناحية الأخرى اتبع النظام الحاكم سياسة الاحتواء والاستمالة والشراء التي تمثلت في استقطاب بعض الشرائح من خلال توفير ‏فرص الصعود السياسي والإثراء السريع لها دون وجه حق وخروجا على السياق الطبيعي للمجتمع. وفي ظل هذه الأوضاع برز مفهوم " أهل الثقة " الذين اعتمدت عليهم القيادة السياسية في حماية سلطتها وسطوتها، فتعاظم دور رجال المخابرات والأمن ودخلت إلى الحياة السياسية عناصر تفتقد الكفاءة والمقدرة ولكنها  تتوفر ‏على قدر أكبرمن الحقد والاستعداد للقمع والارهاب .. وساد مناخ عام من الفساد، ‏ضاعت معه كل الطموحات الوطنية المخلصة والهادفة لتحقيق معدلات تنموية ‏تخرج بالبلاد من دائرة التخلف، تلك الطموحات التي بدأت فى مطلع الستينيات. ‏‏ومع إصرار وعناد النظام وتمسكه بتلك السياسات برغم ما قادتنا إليه من ‏جمود فكري وركود إقتصادي وعقم سياسي وثقافي، وتدهور عام وشامل على ‏مختلف المجالات والمستويات، شهد به صراحة مسئولو النظام ‏وحلفاؤه قبل خصومه، ولعل ما أعلنه سيف القذافي في 20 أغسطس الماضي خير ‏دليل على ذلك. ‏وفي محاولة للتصدي لهذه الأوضاع ازدادت حدة الرفض واتسعت أوساط المقاومة،  وازداد تفاقم الاحوال في الداخل.  ‏

‏        أما على الصعيد الخارجي فقد جاءت ممارسات وسياسات سلطة سبتمبر ‏لتضعه في قائمة الدول المساندة والداعمة للإرهاب نتيجة لسياساته وارتباطاته السياسية والعسكرية مع المنظمات الإرهابية ووضعته في مأزق وأزمة سياسية ‏تهدد وجوده وتزعزع سطوته على الحياة السياسية في ليبيا ، خاصة في العقدين الأخريين من القرن الماضي. ‏

‏        من هنا برزت تعقيدات لوضع وجدت سلطة سبتمبر نفسها مغروسة فيه، ‏ببعديه الخارجي والداخلي ، في تداخل يصعب فيه الفصل بينهما كنتيجة للتأثيرات ‏التي تربط بينهما.‏

‏        وفيما يتعلق بإدارة النظام للبعد الخارجي للازمة التي تواجهه أعتمد على ‏سياسات وممارسات الكل يعرف تفاصيلها وخبايها، ويمكن اختزالها في كلمتين ‏الامتثال والانصياع للضغوظ الدولية والشروط والإبتزازات الخارجية بصفة عامة ‏والامريكية بصفة خاصة، دون خجل أو حتى محاولة صون الكرامة الشخصية في ‏حدها الأدنى. فبعد أحداث سبتمبر 2001 وبسبب السياسات العدوانية السافرة التي ‏اتخذتها الولايات المتحدة الامريكية منذ ذلك التاريخ، والتي كانت لها انعكاسات ‏وتأثيرات خطيرة ازالت أنظمة سياسية وهددت كيانات في صميم وجودها ووحدة ‏ترابها الوطني، أدرك النظام في ليبيا أنه لزاما عليه أن يتعامل مع الحقائق الجديدة ‏للقوى الدولية بشكل يؤمن مستقبل وجوده ويضمن استمراره فى السلطة ، فأغلق ‏الملفات القديمة المعلقة مع هذه القوى والتي كانت تمثل بؤرة توتر وتماس معها، ‏فأبدى النظام قدرة عالية من الانصات والفهم والانصياع والاستجابة لكل المطالب ‏والاستحقاقات المطلوبة منه، وبدأ هذا التوجه الجديد للنظام مع فضح وكشف ‏اصدقاء وحلفاء الامس، حيث لعب دور المخبر الرخيص في تقديم كافة الوثائق ‏والمستندات السياسية والعسكرية الخاصة بالجيش الايرلندي إلى المخابرات ‏البريطانية، ثم تبعتها خطوات أخرى على طريق التفريط بثوابت وحقوق الوطن، ‏وذلك من خلال قبوله لحل مهين لازمة لوكيربي على حساب كرامة الوطن ‏والمواطن، بتسليمه لمواطنين ليبيـين للمثول أمام محاكم أجنبية، وقضاء عقوبة ‏السجن داخل سجون فى الخارج، بشكل يخالف القوانين الليبية التي يفترض أن ‏النظام يمارس سلطته من خلالها، ثم إقراره بالمسئولية الدولية لارتكاب هذه ‏الجريمة الإنسانية، وقيامه بدفع تعويضات لأسر الضحايا من خزينة الدولة الليبية. ‏

‏        وعلى نفس النهج جرى حل أزمة النظام مع كل من فرنسا وألمانيا، ثم ‏أخذت سياسة التنازلات تتواصل وتصل بالنظام من نقطة إلى أخرى أعمق على ‏طريقة الخضوع والخنوع، حيث قدم للرئيس الأمريكي بوش ما يساعده ويفيده، ‏بعد انحسار وانكسار سياسته العدوانية داخليا وخارجيا بسبب ما لاقته هذه ‏السياسات من تحد،، ومقاومة سواء في العراق أو أفغانستان، وذلك عندما برز ‏النظام الليبي ليعطي لهذه السياسات الفاشلة المبرر الاعلامي الذى احتاجته في ‏محنتها ومعاناتها الداخلية والخارجية، وذلك عن طريق قبوله بتفكيك المشروع ‏الخاص بتطوير البرنامج النووي والتكنولوجي، والهادف إلى الإستخدام السلمي ‏للطاقة النووية وذلك بجانب تسليم كل الابحاث والمعدات والالات الخاصة بذلك ‏إلى الجانب الامريكي، ولم يقف التعاون الليبي الأمريكي عند هذا الحد ، بل تقدم خطوات أخرى بتسليم الوثائق والمستندات الخاصة بكشف الدول والعلماء الذين يحاولون امتلاك الطاقة النووية، وبجانب ذلك حدث تنسيق أعلى بين المخابرات الليبية وCIA‏ استهدف ايجاد تعاون ليبي أمريكي في الحرب التي تخوضوها الولايات المتحدة الأمريكية ضد ما تسميه بالإرهاب الدولى. ‏

‏        ومن معرفتنا الجيدة بطبيعة النظام الليبي وأدمان إدارته على سياسة التنازلات وانتهاك حرمة الوطن والمواطن، يمكننا التأكيد على أنه سوف يقوم بحل ازمة أطفال الإيدز والتي لازالت تثير الجدل حولها بكونها حائلا حقيقيا نحو عودة ‏العلاقات الطبيعية بين النظام في ليبيا والولايات المتحدة الأمريكية، بشكل يتجاهل ‏معه حقوق الضحايا ومعاقبة الجناة.‏

‏        مع تأكيدنا على أن السياسات والتصريحات التي تحاول الولايات المتحدة ‏الأمريكية تسويقها داخل منطقتنا العربية حول قيم الديمقراطية وحقوق الانسان، ‏ليست إلا أوهاما واحلاما، فان الولايات المتحدة الأمريكية - في الواقع - لا يعنيها ‏من قضايا ومشاكل المنطقة إلا بقدر ما يخدم مصالحها واستراتيجيتها، إلا أنها قد ‏تحاول أن تفرض على الأنظمة الموالية لها، بعض التدابيرالاصلاحية التي ‏تستجيب لخدمة الاهداف والمصالح الأمريكية في اطار الشكل الديكوري الذى ‏يعطي مساحة من التعبير النظري بما يوحي بوجود مناخ ديمقراطي، ومن هنا كان ‏على النظام الليبي الراغب والمتحفز على توطيد علاقته مع الولايات المتحدة ‏الأمريكية والدخول في بيت الطاعة الأمريكي، تنفيذ بعض الاستحقاقات التي ‏تفرضها العلاقة الجديدة، وذلك من خلال قيام بعض الاجراءات والسياسات ‏الاصلاحية، والتي تمكن من سيولة وسهولة عمل المؤسسات والشركات الاجنبية ‏داخل ليبيا بشكل يعطيها قدرة أكبر على تنفيذ سياساتها الاستثمارية . ‏

‏        وكعادة النظام ومحاولاته المتكررة  للتكيف مع ضغوطات الواقع وأفرزاته المتأزمة، يسعى الآن بشكل واضح وجلي إلى التوفيق والملائمة بين المطالب والاستحقاقات الخارجية وبين منطلقاته وثوابته السياسية في إدارة الشأن الداخلي.‏

‏        ومن هنا أعتمد النظام في نطاق معالجته للبعد الداخلي للأزمة الليبية ‏سياسة منطلقة من ركيزتين، تقوم الأولى على اطلاق شعارات تستهدف محاربة ‏الفساد السياسي وتدهور مستوى الحياة الاجتماعية للمواطن الليبي، وذلك من خلال ‏ما عرف بشعار "دعاوى الإصلاح" والتطوير الديمقراطي للنظام السياسي في ليبيا. ‏‏وتقوم الركيزة الثانية على الدعوة إلى إقامة حوار وطني وتحقيق المصالحة ‏مع قوى المعارضة السياسية في الخارج. ‏

‏        ومع البدايات الأولى لتطبيق شعار "الإصلاح" ظهرت بوادر التزييف والتدليس والخداع (الذي يمارسه النظام كعادته) مع هذا المطلب الشعبي، فقد ‏جاءت الاتهامات الخاصة بإدانة المسئولين عن إفساد الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ليبيا خالية من الاشارة الى المفسدين الحقيقيين الذين تاجروا بقوت ‏الشعب وعرق المجتمع ونهبوا ثروة الوطن، والذين  تقع عليهم المسئولية كاملة ‏فيما وصلت إليه الأحوال من تدهور وتدن ، وجرى  ترديد بعض الاشارات ‏المعتمة حول القطط السمان وسماسرة النظام، بهدف جعلهم أكباش الفداء ‏للزمرة المفسدة الحقيقية، لتواصل هذه الزمرة دورها بأقنعة جديدة، فإذا بنا مرة ‏أخرى أمام المفهوم القديم لآلية العمل " الثوري القذافية " وإن تم إخراجه بشكل ‏جديد، إلا أن الخبرة وتجارب الماضى التي اكتسبها الشارع الليبي خلال تعامله مع ‏النظام الفاسد في ليبيا سوف تفسد هذه المحاولات، وأخذ الشارع فعلاً يتابعها بنظرة ‏الشك والسخرية والاستهزاء. ‏

‏        أما الركيزة الثانية التي تقوم عليها السياسة الجديدة للنظام ونعني بها الدعوة ‏لإقامة حوار وطني وتحقيق المصالحة مع قوى المعارضة في الخارج، فانها تنطلق ‏من ثلاثة افتراضات أساسية، الإفتراض الأول: يعتمد على وصف ما جرى من ‏تغيير في ليبيا ومجئ سلطة سبتمبر إلى الحكم عقب الاطاحة بالنظام الملكي عام ‏‏1969، هو ثورة جماهيرية حققت خلال تاريخها الطويل انجازات ومكاسب جماهيرية وطفرة تنموية دفعت بالمواطن الليبي إلى مستويات اقتصادية واجتماعية ‏لم تتحقق له من قبل !! ، ولكن هذه الثورة تواجه الآن خطر الترهل والتقدم في ‏السن، لذلك يتحتم على كافة قوى الشعب الالتفاف حول قيادتها السياسية لمواجهة ‏ذلك الخطر وحماية لتلك المكتسبات والانجازات.‏

‏        ويقوم الإفتراض الثاني أيضا: على أن العطب الأساسي الذي نخر جسم وهياكل " النظام الثورى " وشل حركته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تقع ‏على عناصر وأشخاص أساءوا إستعمال السلطة والثقة الممنوحة لهم من قبل " القائد " والجماهير، وذلك لأخراج القائد من دائرة المسئولية عن تلك الممارسات ‏والسياسات ! ‏

‏        أما الإفتراض الثالث والأخير: فينطلق من أن عدم الاستجابة لدعوة المصالحة تعني الاتهام بالعمالة والخيانة الوطنية، والوقوف في خندق الامبريالية إلى أخر هذه النعوت الثورية التي يحتويها القاموس السياسي للنظام، وفي المقابل ‏فإن الوطنية هي الاستجابة لهذه الدعوة الكريمة واعلان التوبة ووضع أكاليل الغار ‏على عنق القائد.‏

‏        وقد غاب عن أصحاب هذه السياسة أن الرؤية النقدية للمجتمع والنظام، هي المدخل الأساسي الذي يتحقق مع تصحيح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي التي تحرر الوعي من جميع أوهامه وتحقق المواجهة الكاملة مع الواقع القائم.‏

‏        وتأسيسا على ذلك فإن ما حدث في ليبيا سنة 1969 ، لم يكن ثورة ‏بمعناها العلمي والتاريخي ومن حيث أدواتها ووسائل تحقيقها، ومن حيث نتائجها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على المجتمع ، ان ما حدث ليلة الأول من سبتمبر 1969 لا يمكن وصفه سوى أنه أنقلاب فوقي، جرى من خلاله تغيير ‏رموز السلطة وأدواتها دون أن يمتد ذلك إلى تغيير مفاهيم واقتصاديات المجتمع وعلاقات القوى داخله، ومن هنا فإن من الخطأ العلمي القول بأن استبدال رموز السلطة مع استمرار الأوضاع نفسها بأنه ثورة حقيقية، فنظام سبتمبر لم يكن ثورة حتى يطلب من الجماهير حمايتها والدفاع عنها، فعلى العكس من ذلك تماما ، جاء ‏هذا الانقلاب ليجهض التطور السياسي والاجتماعي الطبيعي الذي شهدته المملكة ‏الليبية  فى  بداية الستينيات وقفز فوق مراحل هذا التطور.‏

‏        أما الحديث عن الانجازات والمكتسبات التي تحققت للمجتمع الليبي في هذه ‏الفترة، فإنه حديث مثير للرثاء وللسخرية في وقت واحد، فإن زيارة قصيرة للقرى ‏والمدن الليبية كفيلة بإظهار زيف وبهتان تلك الادعاءات، فالمعاناة والمهانة التي ‏يعيشها المواطن من أجل لقمة العيش أو من أجل الحصول على العلاج أو مكان ‏للتحصيل العلمي، تعبر بشكل صارخ عن التطورات العكسية لمجتمع يعتبر من ‏أغنى دول المنطقة بثرواته الطبيعية.‏

‏        وإذا إنتقلنا للحديث عن البنية الأساسية للدولة أو الخدمات الصحية والاجتماعية والثقافية والتي تعتبر إحدى الوظائف المناطة بالدولة لتوفيرها للمواطن، فيكفي القول بأن مدينة مثل بنغازي لم ينشأ بها أي مستشفى جديد منذ العهد الملكي حتى الآن، وأن العاصمة طرابلس لم يفتتح بها مستشفي جديد منذ العهد الملكي الا في احتفالات سبتمبر 1996 أي بعد أكثر من ربع قرن من قيام ‏نظام سبتمبر. فالحديث عن زيف ادعاءات النظام لا ينضب ولا ينتهي ويحتاج إلى ‏عرض طويل وبيانات مستفيضة ليس مجالها الآن. فكيف يعقل أن يطلب من مجتمع يعيش هذا الواقع، أن يقف مدافعا عن نظام جعل من ممارسات النفاق والانتهازية وإذلال الانسان الليبي، سلوكاً داخل نخبته السياسية، ومارس القهر والاستبداد والتنكيل الغاشم ضد المجتمع بأكمله، فالحديث هنا لا يمكن ان يكون ‏حول النهوض بليبـيا وصيانة مكاسبها الثورية، وانما حول حماية النظام وجماهيريته الزائفة، ذلك لا يعني بأي حال من الاحول مساندة أي طرف خارجي أو دعم أي تهديد يتعرض له الوطن، فمن ناحية نحن نتحفظ حول مقولة تعرض نظام الحكم لمثل هذا التهديد نظراً لاعتبارات تؤكدها الارتباطات السياسية والاقتصادية التي تحكم العلاقة بين النظام ومراكز ذلك التهديد المزعوم، ومن ناحية أخرى فإن الانتماء المطلق لجماهيرنا الوطنية الواعية وثقتنا في قدرتها على ‏حسم الصراع برمته مع النظام لصالحها بعيدا عن أي تحالفات أو اتفاقات غير ‏محسوبة وطنيا، هي التي تحدد موقفنا من هذه القضية.‏

ومع الإفتراض الثاني، الذي يقوم عليه طرح القيادة السياسية من أجل المصالحة والحوار الوطني، والذي ينطلق من مقولات أن مسئولية السياسات والممارسات السلبية التي تعانيها البلاد تقع على عاتق عناصر وأشخاص داخل النظام وأجهزته التنفيذية والسياسية، وتبرئ شخص القائد من هذه المسئولية، وتحاول إخراجه من دائرة المساءلة الشعبية، ووفقاً للواقع فإن الحقيقة تؤكد على أن السلطة في ليبيا (مثلها مثل بقية دول العالم الثالث) تقوم بالأساس على السلطة القبلية والتي تعني تركيزها في يد واحدة تمتلك سلطة اتخاذ القرارات مع انعدام وجود مؤسسات دستورية وقانونية، وفي ظل غياب مراكز متعددة لصنع القرار، ينحصر دور بقية أعضاء النخبة الحاكمة في الطاعة والتنفيذ لكل ما يصدر من أوامر وتوجيهات من شخص القائد، فتصبح دائرة الصراع بينهم في حدود ما يمكن تحقيقه من مكاسب وامتيازات خاصة من خلال الالتزام بحرفية الأفكار والسياسات الصادرة عن القائد والزعيم، الذي يصبح محور الحياة السياسية داخل المجتمع.

ووفق طبيعة هذه الانظمة التي تتسم بشخصانية صنع القرار السياسي يتحول المسئولين وعناصر النظام إلى دمى وأدوات وجنود رقعة شطرنج، يحركهم القائد وقتما يشاء وكيفما يشاء دون أن يكون لهم أرادة الاختيار. ان آليات السياسة الليبية على الصعيدين الداخلي والخارجي تؤكد هذا النموذج السياسي بوضوح كامل.

فالقذافي يقوم بالدور الرئيسي في عملية صنع القرار السياسي، حيث لم يكن هناك قيد من أي نوع وتحت أي مسمى يحد من ذلك الحق الذي تحول مع مرور الزمن إلى مرتبة القداسة والتأليه، ومن مظاهر ذلك الوضع الشاذ داخل النظام الليبي على سبيل المثال لا الحصر، إنعدام نخبة صنع القرار السياسي من حيث القوة والتأثير وانحصار دورها في المشورة الكلية، بجانب عدم وجود قواعد واضحة وهيكل رسمي لعملية صنع القرار، الأمر الذي أعطى الحاكم الفرد دوراً حيويا في تحديد وتشكيل مسارات السياسات العامة للبلاد.

ومما لا يحتاج إلى إثبات أو برهنة، أن القذافي احتفظ بحق المبادرة في طرح الموضوعات الجديدة، مع اقتصار دور الأجهزة التنفيذية ولجان صنع القرار على المناقشة دون حرية إقتراح البدائل. ومن هنا فليس هناك مجالا للشك حول فردية القرار السياسي في ليبيا، كل القرارات لا تصدر الاّ عن القذافي، سوى تلك ذات التأثيرات الجذرية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أو غيرها التي تتسم بالتأثير المحدود، فالجميع يعرف أنه ليس هناك فرداً في ليبيا مسئول عن تعطيل الدستور والغاء القوانين وإقامة لجان شعبية وثورية غير القذافي، والكل يعرف أنه المسئول عن مطاردة أصحاب الرأي والفكر الوطني ووصفهم (بالكلاب الضالة)، وتحريض رجاله وأدواته ضدهم، والكل يعرف أنه هو المسئول عن أهدار كرامة وأمن الانسان الليبي، من خلال عمليات التنكيل والتعذيب والقتل، التي تعرض لها خيرة شبابنا دون محاكمات دستورية أو قانونية، وإنما بخطبة سياسية أو مقالة صحفية تصدر عن القذافي، بدعوى أن القائد هو المحرض الأول للجماهير..!!

والكل يعرف من هو المسئول عن محاولة النيل من قيمنا وتراثنا الحضاري والاسلامي بإثارة التضليل الفكري والذهني، عن طريق تفسيرات واجتهادات رخيصة لا تسمن ولا تغني من جوع، والكل يعرف من هو المسئول عن محاولة إختزال تاريخ وحاضر ومستقبل أمة بإسرها في شخصه، إلى حد الادعاء حمقاً بأن كلمة الحق لا تخرج إلا من فمه وحده ولا شريك له. فلا راية مرفوعة في سماء ليبيا غير التي اختارها، ولا تقويم ميلادي أو هجري سوى ذلك التقويم الذي رأه في منامه، ولا صحف أو إصدارات فكرية أو إعلانية غير تلك التي حررها في طفولته، وأولاً وأخيرا لا وجود لذلك الوطن المسمى "ليبيا" إلا به ومعه.

والحالة هكذا فإن المنطق يفرض تحديد المسئولية بشكل حاسم ودقيق لا غموض أو لبس فيه، فغض النظر عن الجلاد وتحطيم السيف ليس هدفا أو غاية، لان ذلك يعطي امكانية أخرى لعودة الجلاد لممارسة هوايته الدموية، وهكذا مرة أخرى توضح لنا مؤشرات الواقع فساد الافتراض الثاني وعدم مصداقيته، حيث أن عناصر النظام تتحدد مسئوليتهم في تنفيذ المطلوب منهم بدقة واخلاص، أما مسئولية اتخاذ القرار والتحريض، فتقع بالكامل على القذافي شخصياً.

ونأتي على الإفتراض الثالث الذي تقوم عليه دعوة المصالحة والحوار الوطنى هذه، والذي يقوم على تكفير القوى المعارضة في الداخل والخارج والتشكيك في وطنيتها، وهو أيضا افتراض يفتقد لأبسط قواعد الموضوعية والمنطق أو الاعتراف بالآخر، فالوطنية مفهوم يرتبط في ذهن النظام بالالتزام فكرياً وحركياً بنظرياته وأفكاره، والانخراط ضمن زمرة المتملقين حوله في المؤتمرات واللجان المنتشرة على خريطة الحياة السياسية في ليبيا مثل البثور، وأي محاولة للقول بغير ذلك مرفوضة من قبل ذلك النظام. وفي الحقيقة بأن مثل هذه الادعاءات تثير الاستغراب والسخرية، فإن الوطنية عنصر أصيل في وجدان الشعب الليبي، كشعور وعاطفة راسخة، لشعب يمتلك المقومات الاساسية لوجوده، فالوطنية التزام وانتماء، لمجموعة قيم تاريخية وثقافية تشكل الطموح والسعي نحو حياة العزة والكرامة للوطن والمواطن. وإلتزاماً بكل القواعد السياسية والاجتماعية والتي تحمي السيادة وتحقق حرية الارادة للمجتمع. وفي الحقيقة فإن النظام يمارس تناقضاً فجاً مع مقولاته، حيث فرط في قدسية الأرض وذلك بتخليه عن أقليم أوزو الثابت تاريخيا أنه جزء من الأراضي الليبية. والنظام الليبي هو الذي فرط في سمعة ليبيا الدولية وكرامتها حينما قام بتسليم كل الوثائق السياسية والخرائط العسكرية الخاصة بمنظمة الجيش الايرلندي إلى المخابرات البريطانية.

والنظام الليبي هو الذي أقدم في سعيه لتخطي أزمة لوكيربي، على إرسال بعض الحجيج إلى القدس الشريف في محاولة بلهاء لاجتذاب ود إسرائيل، يكفي الاشارة إلى أن الدول العربية التي تربطها مع اسرائيل علاقات طبيعية، تمنع مواطنيها من القيام بمثل تلك الزيارة في ظل السيادة الاسرائيلية على ذلك الجزء العربي من أراضينا المحتلة بما يعنيه ذلك من اعترف رسمي بالوضع الاسرائيلي على مدينة القدس.

وفي السياق نفسه، يذكر للقيادة السياسية في ليبيا دورها في تخريب الاقتصاد الليبي وذلك من خلال تبني سياسات اقتصادية مكنت الشركات والمؤسسات المالية والاقتصادية الاجنبية من نهب خيرات وثروات البلاد وتحقيق السيطرة على اقتصاديات المجتمع، حيث أصبحت لها اليد الطولى في تحديد المسارات الاقتصادية الانتاجية والاستخراجية والانشائية في ظل غياب مؤسسات اقتصادية وطنية فعالة، تحقق نقل المجتمع من حالة التبعية الاقتصادية والهيمنة الاحتكارية إلى حالة الاعتماد المتبادل وتوازن المصالح بما يحقق معها أشباع الاحتياجات الاقتصادية للمجتمع. إن سجل انتهازية النظام السياسي في ليبيا ملئ بمثل تلك المواقف التي تستهدف بالاساس مصالحها وغاياتها التي تتلاقى أو تتقابل في كثير من الاحيان مع مصالح وغايات قوى خارجية، والعقود المجحفة التي ابرمت مع الشركات البترولية الأمريكية أخيراً خير دليل علي هذه السياسة.

وأعتقد أنه يمكن القول دون اعتساف للواقع ومن خلال معرفتنا بحقائقه، أن الدعائم التي تقوم عليها دعوة المصالحة والحوار الوطني، لا تهدف إلى الصالح الوطني العام، ولا تنبئ بتحولات حقيقية في رؤية النظام السياسي في ليبيا، ولا تعطي أملا لتصحيح الأوضاع، أو الخروج من الأزمة الحالية إلى مستقبل أكثر استقراراً، فالخبرة علمتنا أن النظام السياسي في ليبيا، باق في مكانه متمسكا بمواقعه محتفظاً بنفس أفكاره ونظرياته، وان كل ما يطفو على السطح بين فترة وأخرى لا يخرج عن كونه محاولة للانحناء حتى مرور الرصاصة، ثم لا يلبث أن يقف أكثر شراسة وحدة في مواجهة خصومه. فهذه الدعوة هي في الواقع، سيناريو معاد ومكرر لما حدث عام 1988 عندما أطلقت القيادة السياسية الليبية شعار (أصبح الصبح)، مبشرة بالمصالحة الوطنية وبداية عهد جديد أعلنت خلاله أطلاق سراح بعض السجناء السياسيين، وحق المعارضين خارج ليبيا في العودة إلى أرض الوطن (بعد اعلان توبتهم)، وما أن مرت الظروف الموضوعية والتي فرضت هذا المسلك السياسي، والمتمثلة في حالة غليان واستياء الشارع الليبي ضد النظام في ذلك الوقت. والذي جاء متزامنا مع التغيرات الهامة والجذرية التي حدثت في الانظمة الديكتاتورية لكثير من بلدان العالم، وهبوب رياح التغيير الديمقراطي عليها، عادت القيادة السياسية في ليبيا إلى التخندق في مواقعها، في مواجهة الكتلة الوطنية وتحول ذلك الشعار (إلى أظلم الليل) حيث فتحت السجون من جديد وعلقت المشانق مرة أخرى وفر التائبون من نيران ولهيب جنة النظام الموعودة.

وها نحن اليوم أمام موقف مشابه تمر به القيادة السياسية في ليبيا، فاالاستحقاقات الدولية التي ينوء تحت وطأتها، والأحساس بأن هناك اختلال (نسبي) في موازين القوى الداخلية، جعلها تعيش مأزقا خانقا مفتوح لكل الاحتمالات، حتى تلك التي يمكن أن تقتلعها وتقضي عليها، فجاءت هذه الدعوة في محاولة يائسة لاجهاض حركة مقاومة رافضة إنطلقت، ومرحلة لرسم واقع جديد بدأت، غير أن النظام السياسي في ليبيا فاته أن يدرك ان التاريخ لا يتكرر الا مع الذين لم يستوعبوا أحداثه ولم يعوا مراحله، وان قوة الرفض الليبية استوعبت ووعت كل المناورات والتكتيكات السياسية التي تنطلق يائسة من أجل حماية السلطة في ليبيا وتأمينها.

وعلى أصحاب (النواياالحسنة) ممن يرفعون مبدأ المصالحة الوطنية من أجل الإصلاح الديمقراطي، أن يراجعوا بعض الحقائق البسيطة، لكي يدركوا إستحالة تحقيقه من خلال هذا النهج أو الطرح، وسبب الاستحالة ليس اختلافا على مبدأ أو تنصلا من مسئولية، ولكن لأن هذا الطرح يهدف في مضمونة وحقيقته إلى حماية "جماهيرية" القذافي وليس بناء ليبيا الغد، حيث أن العمل على تحقيق الإصلاح الديمقراطي له طريقه ومنهجه المحدد الواضح، وهو اقرار وإقامة البديل الديمقراطي الوطني (الحقيقي)، القائم على التعددية وتداول السلطة والالتزام لسيادة القانون والدستور وحق الملكية الخاصة الذي يبني ليبيا العزة والكرامة. ونحن على يقين من أن أصحاب هذه الدعوة من ذوي (النوايا الحسنة) عندما تتبين لهم هذه الحقائق سوف ينضمون إلى ابناء شعبهم الرافض والمتحفز للإنقضاض على أوكار الجهل والتخلف، وأن اللحظة التاريخية آتية لا ريب فيها، عندها فقط تكون بداية الإصلاح الديمقراطي الحقيقي.

 

ليبـيا الغد

11 أكتوبر 2006