الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 


ايران وليبـيا ... مشاهد وصور
بيـن الإنجـاز والفـشل !

 بداية، لا يوجد بيننا من ينتمي  للمذهب الشيعي، ولا تجري فى عروقنا دماء فارسية، كما أننا على دراية، بأن المشروع الإيراني، ربما يتعارض، وقد يتناقض مع المشروع القومي العربي، في مداه البعيد؛ غير أن المنطق والعقل، يجبرنا أن نقف أمام التجربة الإيرانية، وما تحمله وتحققه من قيمة حقيقية من إعلاء شأن  الوطن والمواطن الايراني، موقفاً موضوعياً، ومتأملأ، لإنجازات ونجاحات، هذه التجربة الإنسانية، وسط واقعها الإقليمي المتخلف، والمبتعد عنها، سياسياً، واقتصادياً، وعلمياً، والذي يشكل نظام سلطة سبتمر، نموذجاً مثلياً له، وما يحمله من أفكار فجة، وممارسات فاسدة، كانت لها انعكاساتها وتأثيراتها المؤلمة، على الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية داخل المجتمع الليبي، عجز المواطن معها عن تحقيق حقوقه البشرية ( ولا نقول الانسانية )، وضعفت معها الإرادة والعزيمة الوطنية للنظام، في مواجهته الخارجية دفاعاً عن قضايا الوطن والمواطن!
 

فما هى الأسباب والشروط التي توافرت  لدى النظام الإيراني، ومكنته من إنجاز ما فشل نظام سبتمبر في تحقيقه طيلة أربعة عقود من سيطرته على مقاليد الحياة السياسية في ليبـيا؟
 

قد يرى البعض، أنه من الظلم والتجني، أن تجرى مثل هذه المقارنة، بين نظامين تتفاوت قدراتهما ،وامكانيتهما الاقتصادية، والثقافية، فضلأ عن التفاوت في الثقل السكاني لكل منهما، وما يشكله ذلك الثقل من بعد سياسي ،واقتصادي، مهم وفعال، محلياً، واقليمياً؛ فقد تعيق مثل  هذه العوامل، الوصول الى نتائج دقيقة وسليمة، تصلح أن تكون موضع تحليل أو تقيـيم؛ ومن المناسب أن تجرى مثل هذه المقارنة بين النظام في ليبـيا وأنظمة سياسية أخرى، تتماثل معه في الحجـم والفعل السياسي، مثل، جيبوتي أو موريتانيا، ولو أن النتيجة سوف تكون بالتأكيد لصالح الأخيرتين! قد يكون ذلك صحيحاً فى عموميته، غير أن هناك من الشروط والأسباب، قد تتـيح، إجراء مثل هذه المقارنة.
 

فكل من النظامين، في إيران وليبـيا، حمل معه، ومنذ الوصول الى السلطة، نظرية سياسية تدعي امتلاكها حلول سياسة واقتصادية، تتجاوز المحلية الى الاقليمية والدولية، كما أن التقارب، النسبي، في عمر كل منهما ،واستمرارهما على قمة الهرم السلطوي، لعدة عقود، يعطي مؤشراً، وأداة، تقييمية، لقياس مدى نجاح، أو فشل، أي منها، في تحقيق الغايات، والمقاصد، التي أتت به، الى السلطة.


 

فبالمصادفة التاريخية، مَثّل النظام في ليبـيا وايران نهاية للثورات، والانقلابات العسكرية، كأداة للاستلاء على السلطة، التي شهدها القرن العشرين، والذي يمكن وصفه بقرن الانقلابات والثوارت، بداية من الثورة البلشفية في روسيا، وانتهاء بالثورة الايرانية، ففي فبرايرمن عام 1979، قامت الثورة فى ايران، التي كانت تعبير وعنوان، لمنطلق ومضمون الثورة، كمصطلح سياسي واجتماعي، من حيث أداة التغيير، وغايات التوجه؛ وقبل الثورة الايرانية بعشرة سنوات كان الإنقلاب العسكري فى ليبـيا، والذي أوصل سلطة سبتمبر الى الحكم، ففي عام 1969، حيث تمكن زمرة من العسكريين صغار السن، بقيادة ملازم، أصبح بعد ذلك عقيداً، من السيطرة على الحياة السياسة والاقتصادية في ليبـيا.
 

وقد اثبـتت السنوات اللاحقة من قيامهما، والحراك السياسي والاجتماعي الداخلي، والاحداث والتطورات الاقليمية والدولية التي أعترضت مسيرتيهما، مدى الاختلاف في المنطلق والغايات، والتباين فى النتائج والأنجـاز الذي تحقـق داخلياً وخارجياً، وتأثير كل منهما على كافـة جوانب الحياة السياسة والاجتماعية والثقـافية.
 

فبدون ريب، أن نظاماً يطمح ويحلم، بأن يصبح قوة دولية بعد أن حقق الدور الاقليمي، يتخطى ويتجاوز، نظاما آخر، لازال يعيش ويحيا، فكراً وممارسة، داخل الخيام، ويتصرف، ويسلك مسلك زعيم القبيلة، وشيخ العشيرة ... فالفارق بين النظامين، بعد هذه السنوات، كالقديم الذي يموت، والجديد الذي ينمو، فالعجز عن دفع المجتمع الى الأمام، يحمل داخله عناصر الإنكماش، والإنحسار، ومن ثم الوقوف متحجراً عند لحضة تاريخية لايمكن تجاوزها، وذلك ماحدث فى ليبيا على يد سلطه سبتمبر، وفي المقابل، تبقى المقاربة مع الحاضر، في ضوء استحضار تجارب الماضي، عنصراً مهماً وقوياً، في بلوغ المستقبل، وهو ما حدث مع التجربه الإيرانية.


 

فالمشهد السياسي اليوم، ونحن نراقب ونتأمل مسيرة النظامين، يعطينا الأبعاد الحقيقيه للجهد الانساني في انطلاقه نحومقاصده، وما إذا كان هذا الجهد، ينصب، ويهدف الى الصالح العام أو الخاص، الموضوعي أو الذاتي، كما أنه يحدد لنا الفوارق، الآخذة فى الاتساع، بين النظامين، وماحققه كل منهما داخل مجتمعه ،وبيئته الاقليمية والدولية، بعد هذه السنوات، في تصديه لمشكلة المشاركة السياسة ... والهموم الاقتصادية ... والقضايا العلمية والتـقنية ... وقيامه بالدور الاقليمي الفعال والمؤثر، الذي يعطي المجتمع والدولة المنعة، والمكانة المرادة.
 

فالبحث في مثل هذه القياسات والمعايير، يعطينا بالتأكيد نتائج لن تكون فى صالح نظام سلطة سبتمبر، فالفعل السياسي، تبنى نتائجه على مقدماته، ولا يمكننا فصل تلك النتائج عن حقيقة المفاهيم، التي تقف وراءها؛ فالأولى تشكل عنصراً أساسيا من الثانية، والمفاهيم التي لا تستطيع أن تدل عن حقيقتها بأعمال تحقـقها في الواقع تكون مغلوطة، ذلك ما انعكس واضحاً وجلياً، على الفعل السياسي للنظامين فى حركتهما الداخلية والخارجية، فالنظام الذي يمتلك مفهوماً نظرياً متماسكاً، ومستمداً من تراث وثقافة تاريخية، وتجارب إنسانية حاضرة، بجانب حيازته لبرامج وأدوات، للادارة و التنفيذ، يجري تطويرهما ... وتوضيحهما ... واثرائهما على الدوام، تتخطى مكاسبه وانجازاته نظاماً آخر بنى سلطته وسطوته على أفكار شخصية مشوشة، ومفاهيم مزاجية متقلبة، وأدوات وكوادر، انتهازية، للإدارة والتنفيذ.
 

ذلك ما صنع الفارق بين التجربة الإيرانية وما حدث في ليبـيا، التجربة الإيرانية بنت نظامها السياسي على قاعدة وأسس منهجية وعلمية، إنسجمت مع تجارب التاريخ والقوانين التي كانت تسود عمليه  الانتقال من مرحلة تاريخية الى أخرى، وممارسة فعالة ومؤثرة، واستثمرت  الزخم النفسي والعقائدي، وعناصر القوة التي يملكها المجتمع في تناغم يسعى الوصول الى المقاصد والغايات، والتقدم بثـبات ورسوخ، بالمجتمع والدولة نحوالمستقبل؛ وتجربة سلطة سبتمبر، أقامت نظامها السياسىي على تصورات مجردة، ومفاهيم عاطفية وإنفعالية لحركة التاريخ، وتطلعات المستقبل.
 

ومن هنا تبرز عوامل وعناصر إنجاز ونجاح نظام سياسي، تمكن من الاقتراب بطموحه ومشروعه نحو البلوغ والتجسيد، وفشل وعجز نظاماً آخر، عن تخطي اللحظة التاريخة التي ولد فيها، ولعل الاحداث والوقائع، التي اعترضت مسيرة كل نظام، اظهرت مدى النجاح والإنجاز المتحقق للمجتمع والدولة على يد النظام الايراني، والفشل والإحباط، الذي صنعته سلطة سبتمبر للمجتمع الليبي، وهو الذي ليس خفياً، الاّ عن الذين يرون الأمور بعيون خضراء.
 

وقد كانت هذه المعاني، التي تبرز الفوارق والتباين فى مستوى الأداء السياسي بين النظامين، وكذلك الاختلاف في الفهم والرؤية عند كلاً منهما أكثر وضوحاً فى صور ومشاهد، إحتفالات النظام الايراني بذكرى قيام الثورة في ايران، واحتفالات سلطة سبتمبر، بذكرى مايسمى بقيام سلطة الشعب، الإنجاز الأكبر لنظام سبتمبر! وبالمصادفة، كانت هذه الاحتفالات تجري فى فترة زمنية متقاربة، فقد حمل شهر فبراير معه احتفال الشعب الايراني بذكرى قيام ثورته، وفي ىشهر مارس، نعى الشعب الليبى، موت سلطته؛ وقد حفزت هذه الصور والمشاهد، المختلفة في مضمونها وابعادها، مشاعر متناقـضة، بين الإعجاب والتقدير، لنظام جمع الارادة القوية والاداة الصحيحة من أجل الإنجاز الفعلي والتحديث، والحسرة والألم، على نظام آخر ظلم نفسه ،قبل شعبه، بتفريطه فى الفرصة، وتبديده للجهد والقدرة.


فكانت الصور والمشاهد فى ايران الثورة للريئس الايراني واقفاً، بشموخ وكبرياء، وبجواره كوكبة من المسؤلين الجادين، والعلماء المخلصين، ليعلن للعالم دخول ايران عصر الفضاء، باطلاقها أول قمر صناعي يخترق الفضاء الخارجي، صنعته الارادة والجهد الايراني، ورافق هذا التطور العلمي والتقني، تطوراً آخر ،لايقل عنه أهمية، أتت به تلك المشاهد والصور إلينا من ايران، وهو البدء التجريبي لعملية تشغيل مفاعل بوشهر النووي، وقرب امتلاك ايران للقدرة والطاقة البديلة، وبتلك الإنجازات العلمية والتقنية، يكون المجتمع فى ايران، قد اقترب كثيراً من حصوله على مفردات الألفية الثالثة، اللازمة للوجود والتواجد الدولي.

هكذا كانت الصور والمشاهد، التي ابرزها النظام الايراني لشعبه، وللعالم بأسره، في احتفالاته بذكرى الثورة، فكيف كان مضمون، وطبيعة، الصور والمشاهد، القادمة من ذلك النظام البائس والقابع فى ليبيا؟ فمن ذلك النظام ياتي القبيح، مع الاعتذار للمؤرخ العظيم هيردوت على هذا التحريف، وإن كان هذا التحريف ينطبق تماماعلى ما نعيشه ... ونسمعه ... ونشاهده، من أمور، واحداث تجري في ليبـيا على يد هذا النظام منذ استلائه على السلطة فيها، فقد كانت آخر هذه الصور والمشاهد لمهرج النظام، وقائده، في احتفاله بذكرى قيام سلطته وسطوته، جالساً على عرشه الزائف وأمامه مجموعة من مسؤوليه وكوادره  الثورية، المعاقة ذهنياً وأخلاقيا، يكرركلاماً فجاً ويمضغ حديثا مملاً، مللـنا من  سماعه، ليعلن، دون خجل أو حياء، أن نظامه، بعد أربعين عاماً، عجز وفشل عن تحقيق الحد الأدنى لمبررات وجوده، فانهارت كافة المشاريع والخطط التنموية، الزراعية، والصناعية، وحتى التحررية، بدءاً من مشروع الكفرة الزراعي (هل تذكرونه ؟)، مروراً بمشروع النهر الصناعي العظيم، ومشروع بوكماش، ومشروع الحديد والصلب، ومشروع الرابطة لتوليد الطاقة البديلة، وانتهاء بمشروع تحريرالإنسان فى ايرلندا، ونيكاراجوا، وبلاد واق الواق في أحراش افريقيا!
 

أما المجالات الأخرى من تعليم وصحة وبنية أساسية، لم تكن يوماً من أولويات النظام ومسؤولياته، فلم يوجد شيئاً حتى ينهار، أو جهداً يستهدف البناء، حتى يفشل! ولم يبقى " للجماهيرية السعيدة ونظامها البديع "، وشعبها التعيس سوى النفط كمصدر وحيد للدخل، وأن إرادته السامية، قد رأت من الحكمة والضرورة، توزيع هذه الثروة النفطية على الشعب المتسول، والمتطلع الى إحسان القائـد.
 

وقد حفز هذا الطرح العبقري، بعض التساؤلات داخل عقولنا، مع الاعتراف بعدم إدراكنا حكمة وفطنة " القائد " بعد، حول مسار ومصير تلك الثروة منذ عام 1969 الى وقتنا هذا، ونحن نعيش عام 2009؟ وأين ضاعت ومن المسئول عن تبديدها؟ ثم ماهى الكيفية والآلية التي وفقها تم هذا التوزيع؟!
 

صحيح أن " الملهم " - هذا لقب جديد يضاف الى ألقاب الصقر الوحيد و ملك الملوك - تفضل بشرحها، غير أنه ترك بعض الجزئيات والتفاصيل، لمفسري الفقه الجماهيري، ومنها تحديد سقف الحاجات، فهى نسبية كما أنها تختلف، حسب ظننا، من حيث الزمان والمكان، ومن مواطن لآخر ... وما مصير الأجيال القادمة، هل نترك لهم نسبة ميئوية تتفق مع معدل التزايد السكاني، أو نكتفي بهذا القدر من عدد شعبنا، أو نتركهم ورزقهم المكتوب عند رب العالمين، ثم ماهى الحكمة القذافية، من تقـنين السرقة والجريمة، والعفو عن من ارتكب في حق الشعب جرائم نهب وتبديد، مكشوفة ومفضوحة للمال العام، نتركهم يتمتعون بسرقتهم وخيانتهم للمسئولية والامانة الوطنية، تلك الجريمة التي تدينها وتنبذها كل الشرائع والقوانين السماوية والوضعية، وحتى الأعراف الانكشارية؟ وثم شيء آخر لم  يقوله القذافي، وهو إغفاله لعنصر مهم، يثيراشكالية قد تعيق عمليات التوزيع نفسها! وهو ماذا اذا استطاع  شخص أو أكثر، بالحيلة والمناورة، من تجاوز حد احتياجاته المسموحة وفق عملية التوزيع، هل سيعيد إلينا  الفارق بين  المتحصل والمسموح، وكيف تتم عملية الإعادة بشيك واجب الدفع ... أو من خلال الخصم من المستحقات اللاحقة؟!
 

وحقيقة ... إن شر البلية مايضحك، فحديث بهذا الشكل والأسلوب، فضلاً عن أنه، نوعاً من أنواع الكوميديا السوداء، التي اعتادت عليها قيادة سبتمبر المتخلفة، الا أنه لايصدر أو يدور، الا داخل عصابة، وبين الرئيس وافراد عصابته، لحظة توزيع المسروقات، وليس عن نظام وقيادة سياسية تحترم شعبها وتاريخه، وتقدر وتعي تحديات وشروط التواجد الدولي في الألفية الثالثة!


 

كانت تلك المشاهد والصور الرمزية، الدليل على حقيقة الأوضاع السياسية ... والتركيبة الاجتماعية ... والتقدم الاقتصادي والعلمي ... والدور الاقليمي والدولي الفعال والمؤثر، في كل من التجربتين : التجربة الإسلامية الإيرانية، وتجربة الفاتح من سبتمبر ... ومدى نجاحهما أو فشلهما فى تحقيق مقصد التوجه، وشرعية الاستمرار، ولا نعتقد أن الأمر بالغ الصعوبة، حتى نصل للفوارق و الفواصل، العميقة والبعيدة، التي فصلت بين التجربتين، واحدة استحقت التقدير والاحترام، ونالت شرف الاجتهاد، في سعيها نحو حل مشاكل ردم وتصريف النفايات والعادم النووي، والأخرى، الحسرة والأسف، على عجزها عن حل مشاكل ردم وتصريف " نفايات " مواطنـيها!

ليبــيا الغــد
11 مارس 2009