الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 


سلطة سبتمبر .... المساءلة قبل يوم الحساب

 

في الأول من سبتمبر الجاري، يكون الانقلاب العسكري في ليبيا قد دخل عقده الرابع، وهي فترة ليست بالقصيرة في تاريخ السلطة التي قامت وتواصلت هيمنتها بعد وقوع إنقلاب سبتمبر 1969، والتي شاخت وترهلت قدراتها، ووهنت حركتها وضعفت همتها، وارتخت حبال ظاهرتها الصوتية، التي كانت تتميز بها، والتي كان رأس هذا الانقلاب لايجيد سواها! اختفت أمام جدية المواجهة وحدة التهديد، وإن كنا نشارك الكثيرين، في أن الانقلاب وفرسانه ولدوا مشوهين منذ اليوم الأول لوقوعه، وأنه أي " الانقلاب " لم يكن يوما يملك الرغبة الحقيقية أو القدرة الجدية على الفعل، والتحرك نحو أهدافه المعلنة في البيان الأول، غير أننا من باب التجاوز، والتساهل بقبول الافتراض أو الوهم الذي حاول " القائد " تسويقه منذ الاستيلاء على السلطة، والذى من خلاله تحققت له الشرعية السياسية والسيطرة على إدارة شئون الوطن السياسية والاجتماعية، وهنا يجدر بنا " التوقف " عند ملحوظتين، الأولى: أن اختيارنا وتحليلنا النقدي للمبادئ والأهداف التي جاءت بها سلطة سبتمبر من اليوم الأول لا يعني انحيازنا وتبنينا لها، وأن كانت تهمة لا ننفيها، وشرف لا ندعيه، والملحوظة الثانية: أن تلك المبادئ والاهداف، هى " الاساس الأصيل " التي تكونت من خلاله شرعية سلطة سبتمبر، وبنى التوافق شبه الجماعي والشعبي عليها في تلك الفترة، وما جاء بعد ذلك من أطروحات وأفكار كانت تنطلق من الاعتماد على أدوات ووسائل قمعية فرضت على المجتمع قبولها قهراً والرضا بها قسراً، فالبيان العسكري الذي أعلن ليلة ذلك اليوم المشئوم، يعد بمثابة عقد اجتماعي سياسي الزم الانقلابيين بتنفيذه وإنجاز أهدافه وتحقيق مبادئه، وأين الوطن والمجتمع الآن من تلك المبادئ والأهداف التي أسست شرعية القبول؟  ونحن ندخل العقد الرابع من عمر الانقلاب، أين نحن من ذاك وكيف أصبحنا؟!

 

ففي صباح أول سبتمبر 1969 أذاع الراديو والتلفزيون البيان الأول للانقلابيين والذي تولى إعلانه الملازم معمر القذافي، وقد كان ذلك البيان مجرد استنساخاً لتلك البيانات العسكرية التي شهدتها كثيرا من الدول في منطقتنا العربية في فترة الخمسينيات والستينيات، والشئ الوحيد الجدير بالملاحظة، ويمكنه أن يشكل اختلافا مع تلك البيانات هو تعبيره عن فلسفة سياسية عامة، وأهداف محددة وواضحة، جعلها الانقلابيون في ليبيا توجههم السياسي والاقتصادي والاجتماعي القادم، فبعد أن قدم ذلك البيان صورة سوداء وقاتمة لأزمة البلاد في العهد السابق من تجاوزات وجرائم سياسية واجتماعية، دفعتهم بالنهوض لايقاف تلك الفوضى والانتكاسات، ووضع حد نهائي لها، وحدد الصورة المشرقة والبديعة التي تنتظر الوطن والمجتمع، خلال الفترة القادمة والعهد الجديد، فكان الوعد بتحقيق الحرية للوطن والمواطن، واقامة الاشتراكية، ومجتمع الكفاية والعدل، والمساواة في الحقوق والواجبات بين كافة المواطنين، فلا سيد ولا مسود، ولا غابن ولا مغبون، وجاء شعار وهدف تحقيق الوحدة في المرتبة الثالثة من أولويات الانقلابيين، فتحقيق الوحدة وبناء الدولة القومية حلم المواطن العربي من الخليج إلى المحيط، واعتبار ذلك هو الامانة والعهد الذي حمله بيان الانقلابيين على عاتقهم ليجعلوا منه الهدف الذي سيسعون لتحقيقه، بعد أن أعتقدوا أنهم كسروا القيود وأزاحوا ما ظنوا أنه سبب تأخرنا.

 

في هذا الشهر، الذي يحتفل فيه الانقلابيين بذكرى سطوتهم على الوطن والمواطن، واعتراضهم لمسيرة شعب ونظام، كان في أقل تقدير أن يبدأ الانقلابيون خطوتهم الاولى نحو حياة ديمقراطية سليمة وتنمية حقيقية، وفق منظور سياسي واجتماعي يخضع للتطور التاريخي السلمي وتتحكم فيه آليات تاريخية وظروف موضوعية تدفعه إلى الامام.

أين هم اليوم؟ من تلك الاهداف والشعارات التي أعلنوها في الأول من سبتمبر 1969 ، عند التقييم الصحيح والسليم من منظور ترتيب الاولويات للبيان الاول، نجد أن ما تحقق على ارض الواقع الليبي، هو قيام نظام عشائري ظهر في أركانه العفن وتراكم بين ثناياه الفساد، ومن هنا فنحن في حاجة إلى التذكير والقاء الضوء على ما حدث وكل ما يحدث الآن من أجل أن يشارك الجميع بوعي في جهد اعادة البناء وخلاص الوطن.

 

كان البيان الاول يحمل في ثناياه قيم ومبادئ براقة، جذبت حولها معظم القوى والتيارات الوطنية، فمن منا يرفض أن يعيش حراً في وطن عزيز ومنيع... وليس هناك أحد يرفض أن يكون عضوا في مجتمع المساواة والعدالة، وان يتمتع بمواطنة حقيقية داخل دولة قومية، تمتد حدودها من المحيط إلى الخليج، غير أن هذه الاحلام والأماني تبددت من أول يوم لاصطدامها  بطموحات ورغبات شخصية جنونية ونزعات ذاتية مريضة أنهت وقضت على كل حلم واعد وجميل.

 

فالحرية كقيمة انسانية، شغلت فكر ووعي الكثيرين من الفلاسفة والمفكرين من حيث ماهيتها وتوصيفها.... واتساعها وشمولها.... منذ زمن ظهور هذا المفهوم، وتاريخ تأصيله وتطوره، فقد ارتبط هذا المفهوم في المراحل الاولى لتطور المجتمعات، بالحالة الاجتماعية والاقتصادية، لعصور الرق والعبودية، ومن بعد ذلك في عصر الاقطاع، بدلالات اجتماعية لها ابعاد تحرر وانعتاق، للعمل والجسد، من قيود السيد، ثم مع التطورات التاريخية في عهود الاستعمار والاستكشافات الجغرافية، أخذ هذا المفهوم منحى آخر، ذات أبعاد وقيم وطنية، ليتسع ويشمل حرية الوطن من الحالة الاستعمارية، حيث أنشق عنه مصطلح الاستقلال الذى كان تعبيرا لرفض هذه الحالة، وترجمة لمفهوم حرية الوطن، ومع تطور الحياة الانسانية والانتقال إلى مراحل تاريخية متطورة بفضل اتساع أفق الفكر والمعرفة العلمية أخذ هذا المفهوم حركة أكثر اتساعاً، لتشمل ابعاد ترتبط بحقوق الانسان واقامة المجتمعات المدنية، وبالنظر إلى ما يحدث في ليبيا وهي تدخل في العقد الرابع تحت سلطة سبتمبر، بعيون مفتوحة، نرى ما تحقق على يدها، ومدى اقترابه من هذا المفهوم في مراحله التاريخية المختلفة، تطل علينا ممارسات وسياسات تقترب بجذورها عميقا من حالات التخلف والتردي، التي عاشتها الانسانية في المراحل الاولى، إذ قضت النزعة التسلطية المتأصلة للطموحات الشخصية، على المصالح الحيوية للمجتمع، وامتهنت الوطن وقهرت المواطن وجعلت منهم تلك النزعة، مساحة لطموحاتها الشخصية، فالوطن وان لم يخضع وفق المفهوم التقليدي للاحتلال العسكري حتى الآن، إلا أنه من أكثر النماذج وضوحا، لارتهان القرار السياسي، ودخوله خضوعا وامتثالا، في المنظومة الاستراتيجية المعادية للمشروع التحرري للمنطقة، والاستسلام المهين للابتزاز المالي والاقتصادي الدولي، والتفريط  الفاضح في سيادة القوانين والمؤسسات الليبية، الذي سبقه من قبل التفريط في سيادة تراب الوطن وتنازله عن جزء مهم من تراب الوطن في أقليم أوزو وغيره من الاراضي المقططعة من أرضنا وفق حدود ليبيا يوم إستقلالها في 24 ديسمبر 1951 ، كل ذلك من سياسات اعتادت سلطة سبتمبر التعاطي معها في ادارة الازمات الخارجية، وأي كلام عن حرية وطن، هو كلام ليس له أي علاقة بالحقيقة، في ظل نظام سياسي أمتهن ارادته الوطنية وقراره السياسي بشكل فاضح وواضح في يد الآخر، أما إذا انتقلنا إلى حرية المواطن فالحديث يطول عن احساس الخوف والمهانة ومعاناة القهر والمذلة وصنوف التسلط التي يتعرض لها المواطن، فأعواد المشانق التي نصبت في الميادين وعند ساحات الجامعات، والاعتقالات التي زجت بآلاف المواطنين داخل السجون لسنوات عديدة، ومجزرة بوسليم التي اعترفت بها سلطة الاستبداد أخيراً .... كل ذلك وغيرها من الممارسات القمعية، تعطي الدليل الفاضح على " معنىالحرية " التي تحققت على يد سلطة سبتمبر، ناهيك على سياسات الاسترقاق والاستعباد، التي تفرض على المواطن في ليبيا، تعبيرا للخضوع والخنوع لرأس النظام، والتي تجسدها لحظات التقديس والتآليه لشخصه، في الوقوف خضوعا وخشوعا عند قراءة وثائق العهد والوفاء المرسلة إليه في غيابه طبعا، والتي تنقلها وتكررها وسائل اعلام سلطة سبتمبر المتخلفة، تعبيراً فجا ووقحاً عن الانحطاط الفكري والعقلي لهذه السلطة الغاشمة، وصورة بشعة من صور العبودية.

 

إن ما تحقق في عهد سلطة سبتمبر من حرية للوطن والمواطن تنحدر إلى فهم العصور الوسطى لذلك المفهوم، فأصبح معها المواطن العادي والبسيط حدود أمانيه وأتساع طموحه الخلاص من قيود الاسترقاق والاستعباد الذي يعيشه، دون أن ينظر إلى مفهوم الحرية بإبعاده المعاصرة، فصارت عنده حرية ابداء الرأي.... والمشاركة السياسية في اتخاذ القرار السياسي... وتكوين الاحزاب والمجتمع المدني... وغيرها من تلك القيم التي تدعم حقوق الانسان، نوعا من أنواع الترف السياسي ليس فقط بالنسبة الى العامة، ولكنها فقدت بريقها وحيويتها حتى عند بعض مثقفينا ومعارضينا أيضا، فكان هناك قبول بواقع سخيف يتطور وفق فهم سلطة سبتمبر لمفهوم الحرية.. وهو تحول المجتمع الليبي إلى مجتمع عبيد، لعائلة تملك الأرض وما عليها.

 

وإذا ما انتقلنا الى الهدف الثاني في ترتيبات أولويات البيان الاول، وهو هدف تحقيق الاشتراكية، داخل مجتمع لم يكن في الاساس في حاجة إليها، لعدم توافر الشروط الاقتصادية والظروف الاجتماعية التي يستوجبها ذلك المفهوم، مع ذلك ما تم تطبيقه على أرض الواقع، لم يقترب من الاشتراكية بشئ، فالاشتراكية كمفهوم سياسي واجتماعي ظهر في أواخر القرن التاسع عشر بعد الثورة الصناعية والتي حدثت في أوربا وحملت معها تعاظم النظام الرأسمالي، وازدياد عيوبه السياسية والاجتماعية ظل هذا المفهوم السياسي والاجتماعي، بما يمثله من أحلام وأماني للمستضعفين والمضطهدين سياسيا واجتماعيا، يشغل فكر وعقول الكثير من كتاب وفلاسفة علم الاجتماع السياسي ومطلبا اجتماعيا وسياسيا لشرائح وطبقات اجتماعية كبيرة، ومع بداية القرن العشرين اصبح توجهاً اساسياً ورئيسياً في كثير من دول العالم حتى نهاية القرن العشرين ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، توارى هذا التوجه السياسي والاجتماعي، تاركاً الساحة لفلسفة النظام الرأسمالي وحيداً مسيطراً ومتحكماً في مسار الاحداث العالمية، رغم تلك التطورات الداخلية في كثير من الانظمة السياسية والاشتراكية والمتغيرات التي حدثت بها، ظل نظام سلطة سبتمبر متمسكاً بذلك التوجه كفلسفة لنظام الحكم تسيّر المجتمع نظرياً، يكفي أن مصطلح الاشتراكية يتضمنه الاسم الرسمي للدولة الليبية، أما واقعياً وطيلة العقود الثلاثة الماضية لم يتحقق ما يشير أو يساهم في بناء دولة المجتمع الاشتراكي.

 

فأهم ما يميز المفهوم الاشتراكي كفلسفة سياسية للحكم هو تحقيق مبدأ الكفاية والعدالة، فالكفاية للانتاج وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة ضمن خطط استراتيجية اقتصادية تقوم على التطور الصناعي والزراعي، وتنمية الموارد الأولية، مستهدفة تحقيق مستويات معيشية أعلى للمواطن، وذلك من خلال تحقيق المبدأ الثاني، من الاشتراكية وهو العدالة الاجتماعية والمساواة، في توزيع الناتج القومي وفق معايير علمية وموضوعية بعيدة عن المحسوبية ومحاباة أهل الثقة واصحاب الحظوة، هذا ما يعبر عنه الفهم الحقيقي لهذا المفهوم السياسي والاجتماعي.

 

أين نحن في ليبيا سبتمبر، من هذه الاهداف الطموحة التي يختزنها مفهوم الاشتراكية؟ وأين الطاقة الكامنة وراء ذلك المفهوم والتي لم يتحقق منها شيئ؟ إن ما تحقق على يد سلطة سبتمبر، هوالعكس تماما، تباطؤ في النمو الاقتصادي، وصل بالبلد إلى حالة الركود، بدأت معها الفجوة تتسع، ليس مع الدول المتقدمة فحسب، وإنما مع الدول النامية، والتي نفوقها من حيث الظروف الاقتصادية والاجتماعية، فأخذت حركة اندفاع الناتج الاجمالي في عمليات التنمية في انخفاض مستمر ودائم، واحتلت المشاريع التنموية الطموحة أولويات منخفضة، في ذهن وعقلية النظام، وحدث نفس الشئ في عمليات البنية الاساسية، التي ظلت على حالها، وبعد انقضاء أكثر من ثلاثة عقود، فقد أصاب الشلل العام جميع المرافق الصحية والتعليمية والرياضية، وإنهارت هياكل وأجهزة الخدمات العامة، وفقدت كل إمكانياتها على تلبية حاجات المجتمع الاساسية، وأصبح جزء كبير من الثروة القومية محل للاسراف السفيه والتبذير العائلي، والمال العام محل أهدار وانفاق على أصحاب عهر الجسد، ودعارة الفكر، عوضاً عن استغلال المداخيل النقدية الهائلة وتضخم عائدات النفط في مجالات التحديث والاسراع لعمليات التنمية.

 

ونتيجة لهذه السياسات تفاقم الواقع الاقتصادي الداخلي مما نجم عنه مشاكل اجتماعية واقتصادية أثرت بشكل واضح وفاضح على الحياة المعيشية للمواطن، حيث انعدمت معها ادنى مستويات الرعاية الصحية والاجتماعية، وأصبحت عملية حصول المواطن على حقوقه الاقتصادية والاجتماعية في اطار الاحسان والمن الذي يقدمه النظام بعد كل مناسبة أو أحتفال، وتحولت احلام الاشتراكية كقوة فاعلة للوطن والمواطن، إلى كابوس حول المجتمع الليبي إلى مجتمع الفقراء والعاطلين.

 

وإذا ما انتقلنا إلى المستهدف الثالث، الذي جاء في البيان الاول، فمصيره لم يكن أوفر حظاً عن تلك الاهداف السابقة، حيث تحول هو الاخر إلى أداة من أدوات التطويع وتكريس هيمنة السلطة على مقاليد الامور في ليبيا، فالوحدة التي تستهدف تحقيق مجتمع الدولة القومية، كان ولا يزال هدفا سياسيا واجتماعيا تسعى إليه مختلف المجتمعات، فالدخول في كيانات سياسية واجتماعية كبيرة ان كان هدفا تسعى إليه الدول المتقدمة، فهو بدون شك أكثر الحاحا وضرورة للدول النامية، لما يتضمنه من عناصر المنع والقوة كتعبير عن الوضع الأمثل في كثير من المجتمعات التي تعاني مشاكل سياسية واقتصادية وتواجه تحديات خارجية، وقد ظهر هذا المفهوم مع نهاية القرن التاسع عشر على يد بناة الدولة القومية في أوربا مثل بسمارك في ألمانيا، وغريبالدي في إيطاليا، وغيرها من الدول التي واجهت ظروف اجتماعية وجغرافية مشابهة مما أجبرها على التوجه نحو بناء الدولة القومية، كتعبير عن حالة التطور السياسي والاجتماعي، وترجمة عن الحاجات الاقتصادية لمجتمعها، وفي الوضع العربي فإن هذا الهدف أكثر الحاحا واشد رغبة باعتباره مساندا وحافزا لحركة التحرر الوطني والخلاص من الاستعمار، بالاضافة إلى كونه دافع تجديدي تاريخي، نحو إعادة احياء الدولة القومية بجميع تكويناتها وتنوعها.

 

من هنا احتل هذا الهدف المكانة اللائقة في وجدان المواطن العربي وعقله بصفة عامة، والمواطن الليبي بصفة خاصة، صحيح أن هناك عوامل خارجية ومتغيرات دولية واقليمية ساهمت بدرجة أو بأخرى في اضعاف ذلك المفهوم، إلا أن اساهمات وممارسات سلطة سبتمبر وتعاطيها الفج معه، كان سببا مهماً ورئيسياً في اطفاء وهجه، واضعاف فعاليته، داخل المجتمع الليبي منذ البداية، مع سعيه للمطالبة بالوحدة في ظروف غير مواتية وغير ناضجة أدت به إلى المطالبة بتكوين الفضاء الافريقي، كل هذه السياسات، نزلت بهذا الهدف من مراتبه العليا التي كان يحتلها في العقول إلى مرتبة التهريج والاسفاف، ولم يقتصر تاثير سلطة سبتمبر بممارساتها وسياساتها على شعار وهدف الوحدة إلى هذا الحد، بل عمليا تعداه إلى تفتـيت المجتمع الليبي في حد ذاته، فبدل من تحقيق الدولة القومية فقدت الدولة الوطنية اساسها ومقوماتها من خلال اجهاض المؤسسات والهياكل السياسية والاجتماعية، وإحلال قيم الانتماء والولاء إلى العشيرة والقبيلة، كعنصر مهم من عناصر تكوين المجتمع الليبي، فمع دخول العقد الرابع لسلطة سبتمبر توارى مفهوم الدولة الوطنية في ليبيا، وتم تحويلها بإرادة ورغبة فرد إلى مشيخة يتحكم ويسيطر عليها شيخ قبيلة مع ابنائه وافراد عائلته وحوارييه، وفي ظل هذا الوضع الذي سيطر على الحياة السياسية والاجتماعية، انتقل الوطن معه إلى حالة مجتمعات العصور الوسطى وما قبلها.

 

هذا استعراض موجز عن العجز والفشل اللذان اتسمت بهما سلطة سبتمبر، فالاقتراب النقدي والتحليلي الذي تناولناه يعتمد فقط على الاطروحات والافكار الاساسية التي تبنتها سلطة سبتمبر، واسست عليها شرعيتها السياسية في محاولة لفهم ما انجز منه على أرض الواقع، وقد تركنا الى وقت آخر، تناول الاقتراب مما حدث خلال هذه السنوات من فساد سياسي ومالي، وقهر سلطوي، وتخبط اداري وتنفيذي، فهي كثيرة يشهد به ليس المعارضون والمنكوبون من نظام سلطة سبتمبر فقط ، بل حتى المقربون من السلطة والمسئولون عن رسم وتنفيذ تلك السياسات.

 

فليحتفل الفاشلون كما يشاءون، فهم في طغيانهم يعمهون، وستظل الحقيقة لكل من يعيش داخل المجتمع الليبي أو يقترب من هذا النموذج القبيح، تعبيراً عن عجز وفشل  النظام الفوضوي المتخلف، والذى أصبح الامثولة والرمز لكل عمل فاشل وحدث محبط، مهما أدعى تبنيه لاعظم المثل والمبادئ!

 

ليبـيا الغـد

10 سبتمبر 2008