الصفحة الرئيسـية  

مايجب أن يقـال

 

 

 

منصورالكيخيا ... ضحية الاطماع والرغبات

 

 

مع قرب نهاية عام 2007 يبدأ عام آخر يضاف إلى الاعوام التي انقضت من الغياب القسري، الذي تعرض له المعارض منصور رشيد الكيخيا، في العاشر من ديسمبر 1993، أثناء مشاركته بعاصمة المعز، وحاضرة العرب، لدورة انعقاد عادية للمنظمة العربية لحقوق الانسان، منذ ذلك التاريخ بدأت معاناة رجل لم يفكر لحظة أنه على موعد مع الغدر وأن نهاية مشواره الوطني والقومي، ستكون في هذا المكان ووسط رفاق بدأ معهم رحلة البحث عن حرية وكرامة المواطن العربي، فلا المكان وفر الامن والسلامة، ولا الغرض أعطى الحماية والضمانة، من الاعتداء على أهم حقوق الانسان، فتلاشت مع وقوعها، كل الدعاوى والشعارات التي ظلت سنوات عديدة، ترفعها وترددها هذه الجهات أو تلك، عن الامن والامان، وصيانة حقوق الانسان؛ ومع حدوث هذه الجريمة البشعة زادت المواقف الصامتة والساكتة تجاها من الغموض والشكوك، وأعطت الجميع، وأن لم تكن لديهم دلائل واضحة، حق تفسير وتحليل هذه الجريمة وابعادها، اقصى مدى.

        وفي أحيائنا لهذه المناسبة مع بدء عاما آخر من عمر هذه الجريمة، نحاول أن نبعد عما ألفته أدبيات المعارضة، التي أعتادت تناول مثل هذه المناسبات والنكبات أيضا بإصدار بيانات ومنشورات تظهر مآثر وبطولات المناسبة وأخطار النكبة؛ وذلك في محاولة لالقاء بعض الضوء على الاحداث والتغيرات التي شهدتها حقبة التسعينيات دوليا وأقليميا، عسى أن نفهم أسرار هذه الحادثة من خلال تناول الاحداث وتعقيداتها بين الخارج والداخل مما قد يظهر لنا شيئا من الحقيقة ويكشف لنا الدوافع والاسباب التي كانت وراء حدوثها، والمكاسب والارباح التي يأمل منفذوها جنيها؟ إذ لا يمكن أن تكون هناك جريمة دون أن يكون هناك مستفيد من وقوعها، وليس بالضرورة أن يكون المستفيد الرئيسي هو المنفذ لها.

مع بداية التسعينيات أستيقظ العالم على واقع جديد لا يمكن أغفال تفاعلاته وتأثيراته أقليميا، وداخليا، وقد فرض هذا الواقع الجديد تغيرات في النهج والسلوك على معظم الانظمة العربية، وأعادة ترتيب الاوضاع بما يتناسب ومتطلبات المرحلة الجديدة، دون أنتقاص في السلطات، والامتيازات، والمصالح الرئيسية لتلك الانظمة، وما لتفاعلات وتأثيرات الخارج والداخل، من دور نافذ وانعكاس مهم على السلوك السياسي لنظام سبتمبر وتعاطيه الداخلي والخارجي مع الاحداث والتطورات اللاحقة على ذلك التاريخ، والتي تجلت في مواقف عديدة بنيت على قاعدة الشئ ومبتغاه. 

        ومن تلك الخلفية التاريخية لذلك اليوم، نحاول أن نسترجع الذكرى بكل عناصرها ومفرداتها .. نسترجع مرارة الحزن والآسى، ليس على مناضلنا الكبير فقط، وأنما أيضاً على تردي وانحدار انظمة طالما تغنت بالمجد القادم لشعوبها .. ونسترجع صور الخيانة والغدر للانظمة التي تدعي حماية حقوق الانسان ودعم الديمقراطية، وتسعى لنشرها في منطقتنا .. ونسترجع مواقف التخاذل والتعتـيم لمنظمات المجتمع المدني، عربية ودولية، أدمنت التضليل والزيف، بإدعائها حماية المواطن وقدسية كرامته .. نسترجع كيف انهارت وتلاشت مجموعة القيم والمبادئ في لحظة تاريخية اختلت فيها موازين القوى العالمية، وأضحى هناك نظاما أوحد يسيطر ويوجه مصائر أنظمة ودول وفق مشيئته وأرادته .. نسترجع كل ذلك لنشحذ العزائم على مواصلة النضال، ولتدرك الابصار حقائق السياسة ومعاييرها.

        لقد شهد العالم مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات تحولات وتغيرات خطيرة أثرت بشكل مرعب ومفزع على توازن القوى الدولي، فبعد أن كان التوازن يقوم على قطبية ثنائية، تكفل وتحقق للدول والانظمة الاقليمية هامش حركيا لسياستها، تبدل الوضع الدولي وأصبح هناك قوة واحدة تتحكم وتسيطر، وفي فترة زمنية قصيرة تقاس بالشهور، أنهارت قيم وسياسات، وذابت دول وأنظمة، وتفتت قدسية الخرائط السياسية القديمة، فبانهيار سور برلين انهارت الكتلة الاشتراكية، وأصبح حلف وارسو، بما كان يمثله من الرمز لوضع دولي يحفظ الامن والاستقرار العالمي، اثرا بعد عين، وتحول الاتحاد السوفيتي بقيمه الاشتراكية والاجتماعية إلى شظايا دويلات صغيرة مفككة، وانشغل الجميع بهمومه ومشاكله الداخلية، متراجعا ومهزوما، عن الفعل الخارجي المؤثر (بمشاكله وتعقيداته)، في محاولة لترميم الاوضاع واصلاح أخطاء الماضي، تاركا الساحة الدولية للامبراطورية الجديدة والشريك السابق في اقتسام العالم؛ وجاءت الإمبراطورية الامريكية الجديدة بسطوتها وبأسها، وفرضت نفسها كمتحكم ومسيطر أوحد في هذا العام، وبدأت للجميع، وللمنطقة العربية قبل غيرها، كعاصفة من التسلط الاحمق والهيمنة الجامحة التي يكتسح كل الموانع والعوائق التي تقف في وجهها، مقتحمة بجسارة ووقاحة أيضا كل خصوصيات الدول والشعوب.

        وبجانب سطوة القوة، بمفهومها الشامل العسكري والسياسي والاقتصادي، واستخدامها الفاضح في أوقات كثيرة ومناطق جغرافية متعددة، أعتمدت الامبراطورية الجديدة على ركيزة أخرى، لا تقل أهمية عن سطوة القوة، أن لم تفقها في كثير من الاحيان، وهي الجانب الدعائي والاعلامي الذي حاول أن يصنع منها النموذج والمثل الأعلى لدى كثير من الشعوب الطامحة والساعية لتحقيق قدرا ولو ضئيل من الديمقراطية السياسية والرفاهية الاقتصادية، والتي عانت من فقدانها سنوات طويلة في ظل انظمة استبدادية فاسدة ومتخلفة، وهكذا خلقت الأمبراطورية الجديدة أجهزة دعائية واعلامية، قامت على تزييف الحقائق وتشويه وعي الاخرين وسحبهم نحو أوهام النموذج الامريكي الراعي والحامي للديمقراطية والساعي لنشرها باخلاص وأمانة تاريخية، فرضها الواجب الانساني، الذي يتحمل مسئولية القيام به دون أن ينتظر تحقيق مكاسب وأرباح من وراء تحمل أعبائه.

        هكذا كان الوضع السياسي الدولي في بداية التسعينيات، قوى غاشمة جعلت من منطقتنا ميدانا لها، تفزع وترعب أنظمة مرتعشة ومرتجفة، وقوة إعلامية، مصورة وناطقة، تزيف الوعي وتقلب الحقائق وتشد الجميع نحو الضوء القاتل.

        فكيف كان حال العالم العربي في ذلك التاريخ، ووفق تلك التطورات والتغيرات الدولية ؟ فانهيار دول وأنظمة سياسية، وتفكك قوى دولية، يملكون من مقومات البقاء والاستقرار العسكري والاقتصادي ما يفوق مراحل كثيرة، مما تملكه أنظمتنا العربية وتتوفر لديهم مؤسسات اجتماعية وسياسية وتنظيمية، يندر وجودها لدى النظام السياسي والاجتماعي العربي، وحققوا في سنوات ليست طويلة شروط وأسباب التقدم والارتقاء الحضاري، عجزت أنظمتنا العربية على تحقيق قدرا بسيطا منه في سنوات ليست قصيرة، بجانب ظهور قوى غاشمة تفرض بسطوة السلاح وسيطرة الاعلام، أرادتها ومصالحها، مثل كل ذلك كابوسا خانقا للكل، وممسكا بأعصاب الجميع، فكانت صور انهيارات وتلاشي دول المعسكر الشرقي وشظايا الاتحاد السوفيتي التي تحولت إلى دويلات وقرى صغيرة وأن كانت تملك أناشيد واعلام وطنية، ماثلة أمام أصحاب العزة والشيوخ وقادة العرب تسيطر وتتحكم في السلوك والقرار والاتجاه، وأصبح بقائهم واستقرارهم في القصور والخيام مرتهن برضاء السيد الجديد ووفق مشيئته التي لا راد لها لديهم، فكان هم الإمساك بالعروش وتوريثها الركيزة الأولى والوحيدة التي تحرك السياسات والنهج والقرارات، وأهم السمات التي ميزت العمل السياسي العربي في حقبة التسعينيات وإلى الآن وأختفت أمام هذه الرغبة معاني وقيم التحرر والتنمية والعدالة الاجتماعية، فاتحدت لديهم الرغبة مع الطاعة، فالرغبة في البقاء والامتداد، التقت مع ضرورة الطاعة لكل أوامر ورغبات السيد الجديد.

        وسلطة الاستبداد في ليبـيا، لم تشذ أو تخرج عن تلك القاعدة التي حكمت الانظمة العربية منذ نشأتها، والتي زادت وضوحا مع هذه التطورات والتغيرات الدولية، لأنها جزء أصيل من التركيبة السياسية والعقلية والثقافية للانظمة العربية، مهما حاول نظام سبتمبر أن يدعى عكس ذلك، بل انه النموذج الحقيقي والواضح، الذي يعكس حالة الجمود المؤسسي، والتخلف السياسي في عالمنا العربي، بما مثله طيلة أربعون عاما من دكتاتورية الممارسة وتخلف بنيوي على المستويين السياسي والاقتصادي، فكان أول المستجيـبين لتطور المرحلة وضروراتها، وأكثرهم خوفا وهلعا على المصير .... والخيمة.

        وهكذا بدأت فترة التسعينيات التي كانت أهم ملامحها في منطقتنا العربية تبلور الأطماع والرغبات، أطماع مثلتها قوى عالمية جديدة ساعية للسيطرة والتحكم دون اعتبار لأهمية القيم والمبادئ التي تنادي بها، ورغبات عبرت عنها عروش مهتزة وأنظمة مرتجفة، خائفة من ضياع الاستقرار والامتداد، فكان لظهور تيار وطني يجسد آمال وأحلام شعبه في الديمقراطية والبناء السياسي الحقيقي، أو بروز صوتا حرا قوي يسعى بجدية وإخلاص نحو مجتمع الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان، من شأنه كشف وفضح الادعاءات والشعارات البراقة التي حاولت الإمبراطورية الجديدة من خلالها جذب وتعبئة الشعوب العربية خلفها، بجانب ما يمثله ذلك من تهديد لتلك الانظمة واستقرارها، واهتزاز عروش استقرت واستمرت بفضل الامتثال والخضوع، فكانت الحرب الحقيقية التي شنتها وتشنها الامبراطورية الجديدة وأذنابها، هي في الواقع ضد كل ما هو وطني يسعى إلى الخلاص من هيمنتها وكسر قيود شعبه وأعتناقه مهما توارت وراء مسميات ومصطلحات عديدة وجذابة.

        حدث ذلك، ويحدث الآن، في أكثر من موقع منذ انتهاء الحرب الباردة، فالعدو والخصم كان دائما واضح لديهم، حرية الشعوب وامتلاك امرها وارادتها الحرة والمستقلة، عن سطوة الاطماع وطغيان الرغبات.

        فالصورة أتضحت معالمها وأبعادها، وكشف السلوك والممارسة مصالح وعلاقات اطرافها، الذى جمع بينهم الهدف والغاية والتقوا في الوسيلة والاسلوب، فالولايات المتحدة الامريكية في سعيها نحو السيطرة الكاملة، يزعجها فقدان أهم عناصر قوتها المتمثلة في الاداة الدعائية والاعلامية، باهتزاز مصداقية القيم والمفاهيم التي تختفي ورائها، أمام العالم بصفة عامة، والشعوب العربية بصفة خاصة، والانظمة العربية تخشى في ظل تطورات وتغيرات جديدة أن تجد نفسها خارج حسابات السيد الجديدة، وبعيدة عن دائرة دعمه ومساندته، ونظام سبتمبر بما يمثله من فكر وممارسة ديكتاتورية وضعف مؤسسي وتنظيمي، كان يعي أنه الحلقة الضعيفة في هذه المنظومة السياسية المتخلفة والتي تمتد من المحيط إلى الخليج، وأن بنيانه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لا يؤهلة على الوقوف في وجه هذا النظام الأوحد الجديد.

        فكان المناضل المغيب منصور رشيد الكيخيا رجل المرحلة " وطنياً وقومياً "، بما يمثله من ثقل سياسي ومعرفي، وتاريخ نضالي وتنظيمي، وحضورا سياسيا نشطا مع الداخل والخارج، وفوق ذلك كان سلاحه الوحيد الذي خاض به صراع شعبه ضد الاستبداد يتمثل في مفاهيم وافكار العصر الذي يعيشه، فالمواجهة الفكرية لديه، هى الطريق الصحيح والسليم نحو بناء مجتمع ديمقراطي قوي، والعامل الاساسي في تدعيم وتكريس مبادئ حقوق الانسان وصونها، فكانت هذه الشخصية بما جسدته من جذب واهتمام داخلي وخارجي، مع ضعف المعارضة واهتزاز نوايا واهداف جل عناصرها، الخطر القادم والمحتمل الذى يشكل وجوده على المسرح السياسي الليبي عبئا معنويا وسياسيا لا تطيق احتماله القوى الجديدة، في تعاطيها مع الواقع السياسي الاقليمي بصفة عامة والليبي بصفة خاصة، كمساندتها ودعمها الواضح لنظام ديكتاتوري وأرهابي، حسب تصنيفها، ضد صوت وطني وليبرالي يحمل قيم ومبادئ كثيرا ما روجت لها وأدعت صونها وحمايتها، يجعل منها محل شك وريبة، عند الكثيرين من المؤمنين بطرحها وسلوكها، لعل ذلك يفسر لنا سر الدعم و التعاطف الامريكي، الذي يلاقيه سيف القذافي لابرازه كشخص يحمل مواصفات ليبرالية تحقق لهم المكسب والمصداقية، وبعد هذه الملاحظة التي فرضها السياق نعود إلى الموضوع الأصلي، فهكذا بدأ فهم ورؤية القوة الجديدة للاوضاع دوليا وأقليميا، أما بالنسبة لانظمة مرتعشة وخائفة فأن مثل هذه التطورات من شأنها أن تهدد الاستقرار والاستمرار وتدخل هذه الانظمة في نفق يصعب الخروج منه، فالتقت الاطماع والرغبات في الاستجابة لضروريات السلامة والامن، وكانت نقطة البدء هي جريمة اختفاء منصور رشيد الكيخيا، والتي بدأت معها رياح التغيير في منطقتنا العربية، ولكنها رياح عاصفة تحمل معها مزيدا من الاضطهاد والقمع وتكتوي من حرارتها الشعوب، باطشة بكل معاني وقيم الديمقراطية وحقوق الانسان.

في هذا الجو السياسي الدولي، الغائم والمعتم، وفي العاشر من ديسمبر من سنة 1993 ، وقعت جريمة إختطاف منصور رشيد الكيخبا! هذه الجريمة التي لا يمكن لليبـيين نسيانها أو تجاوز بشاعتها .. إلاّ أن عالم الديمقراطية وحقوق الانسان غض أبصاره عنها، وراوغت القاهرة ولا تزال تراوغ في شرح وقائعها والكشف عن فصول حدوثها وأشخاص مرتكبيها! .. أما نظام سبتمبر وبعد إختطاف منصور بيومين فقط ، أطلق إشارة تبرق في الظلام وتفشي لمحات مما كان يجري في الخفاء، عندما قال القذافي " إننا لا نسمح بعودة قره مانللي أو آغـا جديد من الخارج ليحكم البلاد " .. ولكن أحرار ليبـيا ومناضليها لن ينسوا الجريمة بمرور الوقت، ولن يكفوا عن الحديث عنها، ولن يتوقفوا عن بذل الجهد لتعرية أدوار كل الأطراف المتورطة في تنفيذها، والكشف عن الهدف أو الأهداف التي تكمن وراء وقوعها.

 

ليبـيا الغـد
 10 ديسمبر 2007